- الحرية والزواج والعمل أبرز موضوعات أحلام الشباب
- د. عبد المتعال: يجب وضع ضوابط للظاهرة للاستفادة منها
- د. أحمد عبد الله: الشباب يجدون فيها متنفسًا من واقعٍ جاف
تحقيق- محمد يوسف:
تعد أحلام اليقظة النواة الأولى والشرارة الدافعة لكل طموحٍ في حياةِ الأشخاص، خاصةً شريحة الشباب؛ ففي أحلام اليقظة يستطيع الإنسان أن يتخلص من ضعفه وخجله، وسيطرة الآخرين عليه، كما أنه يتخلص من القيود التي يفرضها على نفسه أو يفرضها عليه مجتمعه، تلك الأحلام التي يستعيض بها عن واقعٍ مريرٍ أو إحباطٍ ثقيل، أو يلجأ إليها في محاولةٍ لتحقيق أمل وطموح لمستقبل أفضل.
وأحلام اليقظة، وإن كانت منتشرةً في أوساط الشباب، إلا أنه يعيش فيها كثير من الناس على اختلاف أعمارهم وثقافتهم، وكذلك ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية؛ ويقول علماء النفس عن أحلام اليقظة إنها "استجابات بديلة للاستجابات الواقعية، فإذا لم يجد الفرد وسيلة لإشباع دوافعه في الواقع؛ فإنه يحقق إشباعًا جزئيًّا عن طريق التخيل وأحلام اليقظة، وبذلك يخف القلق والتوتر المرتبط بدوافعه"، فالفقير يحلم بالثراء والفاشل يتخيل أنه وصل إلى قمة المجد، والطفل الصغير يحلم بأن يكون مشهورًا يتسابق إليه الناس، أو أن يكون عالم ذرة، أو أن يكون رائد فضاء، ومنهم من يحلم بأن يصبح ذا مالٍ كثير، ومَن يحلم بأن يصبح حاكمًا يأمر فيُطاع.
ويتخذ المراهق سواء كان ولدًا أم بنتًا من أحلام اليقظة منفذًا يعبر من خلاله تلك المرحلة الحرجة من حياته، فالمراهق يكون بداخله كمٌّ كبير من المشاعر النبيلة والمثالية والثائرة في نفس الوقت، فهو ثائر على القيود التي تفرضها الأسرة عليه، كما أنه يقوم برسم صورة مثالية لما حوله من علاقات أو أشياء، ولكنه يجد ظلمًا وقهرًا وخيانةً فيصطدم بالواقع فيلجأ إلى أحلام اليقظة؛ ليقيم ذلك العالم المثالي الذي افتقده في عالمه الواقعي.
بينما يخرج الشباب إلى الحياة العملية بعد انتهاء دراساتهم فينقسموا إلى قسمين: إما شباب يعمل، فهؤلاء يلجئون لأحلام اليقظة؛ نتيجةً لضغوط العمل من احتكاكاتٍ بين الموظفين وبعضهم البعض، أو نتيجة تسلط بعض المديرين في العمل، أما الشباب الذي لا يعمل فأغلب أحلامه تدور حول العمل وطموحه؛ للحصول على عمل، حتى وإن كانت غير مناسبة لمؤهلاته.
(إخوان أون لاين) يتناول الموضوع عن قرب عبر شهادات بعض الشباب حول تفاصيل ما ينتابهم من أحلام اليقظة، والتي تناولت موضوعات عاطفية واجتماعية وسياسية، وتعليق الخبراء على هذه الظاهرة.
خوف وتسلط
تقول سارة عبد الله (طالبة بالمرحلة الثانوية) أنها تمر بحالةٍ من أحلام اليقظة، وفيها تتخيل أن أهلها قد ماتوا في حادثةٍ، وأنها تعيش في مشكلاتٍ مع أعمامها بسبب الميراث، وتتغير الأحلام من فترةٍ لأخرى ولكنها تشعر بالذنب، على حدِّ قولها؛ لأنها لم تشعر بالحزن عند موتهم في الحلم.
بينما يدور موضوع الحلم عند منى السيد (طالبة جامعية) حول أفكار عاطفية وكيفية الارتباط بشاب ما، تضع له تصورًا رغم أنه لا يوجد في الواقع، وتضيف: أنا مقتنعة أن كل هذا مجرد أوهام ولن تتحقق أبدًا، وأقضي معظم وقتي في هذا النوع من التفكير.
الحنان والعطف هو الشعور المسيطر على أحلام محمد سامي (مهندس)، خاصةً أن والده رجل عصبي لا يعامل أسرته بلين، وهو ما جعله حساسًا وعاطفيًّا، يحلم دومًا بحنانٍ فياض، ويقول: وكأني من خلالِ هذه الأحلام أحاول أن أُشبع رغبتي، وأن أهرب من واقعي المر والجاف.
أما أحمد عبد اللطيف (موظف بإحدى البنوك) يذكر أنه يلجأ لأحلام اليقظة؛ نتيجة للضغوط التي يتعرض لها في عمله، بسبب وجود بعض زملائه الذين يصفهم بـ"المتكاسلين النفعيين" يعاملونه بطريقةٍ غير لائقة؛ لأنه يعمل بإتقان، على حد قوله؛ مما يؤدي إلى حدوث مشاكل بينه وبين هؤلاء الموظفين، فيقول إنه في أحلامه يرى أنه هو المدير، ويقوم بمعاقبة هؤلاء المتكاسلين.
مأساة الحرية
أما أحمد عصام "طالب" يروي أنه ذات مرة عندما علم أن نتيجته ظهرت في الكلية، ذهب ليراها وطول فترة ركوبه "الميكروباص" كان يعيش "حلم يقظة" أنه قد نجح، وأخذ يخطط لحياته العملية، بل إنه اختار فتاة أحلامه، ولكن أحلامه تحطمت عندما علم نتيجته أنه راسب وباقٍ للإعادة.
أما إذا ذهبنا إلى أصحاب المدونات نجدهم نتيجةً للضغوط التي يتعرضون لها؛ نتيجة الأحداث التي يرونها من ضياع أحلامهم، ومن تغلغل الفساد في أجهزة الدولة، ونتيجة للبطالة، وما تقوم به أجهزة الشرطة من قمعٍ لم يجدوا إلا أحلام اليقظة ليلجئوا إليها؛ لكي يُعبِّروا عن غضبهم وحزنهم على ما وصلت إليه حال البلد.
يشير أحمد علي (مدون) أن لكل شخص حلمًا كبيرًا يتنوع ما بين نجاح بالعمل أو الزواج أو الوصول لأعلى المناصب، وبالطبع قد يكون الحلم بدخول الجنة، وأن ننال رضا الله، ويضيف: لكن حلم الحرية له مذاق خاص، فالحرية من أحلى وأهم النعم التي منَّ بها الله علينا، والإنسان الذي يفقد حريته يفقد حياته، ويفقد إحساسه ومتعته بهذه الدنيا.
أما محمد إبراهيم (مدون) فيذكر أن حلمه يتنوع ما بين أن يكون مهندسًا، ثم صحفيًّا، ثم مذيعًا تليفزيونيًّا، ثم حلم أن يكون ضابط شرطة، ومرةً أخرى طبيبًا حتى وصل به حلمه أن يكون رئيسًا للجمهورية، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة قبل أن يُتهم بتجاوز حدوده!!.
هروب ومضيعة للوقت
![]() |
|
د. صلاح عبد المتعال |
ويضيف أنه إذا حدث استغراق في أحلام اليقظة؛ فتتحول إلى مضيعة للوقت، وإلى عبثٍ وهمٍّ، وتتسبب في عدم النشاط، وأحيانًا الانسحاب من عالم الواقع، وقد تنبئ عن اضطراب في الشخصية، مؤكدًا أهمية دور الأسرة في توجيه أولادهم إلى ممارسة الأنشطة والهوايات المفيدة؛ حتى تكون الأحلام التي يحلم بها أولادهم مفيدة.
هروب
ويوافقه الرأي د. أحمد عبد الله أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة؛ حيث يشير إلى أن أحلام اليقظة يمكن أن تكون للهروب من واقعٍ جاف وأليم، وهي عندما تكون كذلك تصبح حلاًّ لمواجهة الألم الناشئ عن الاحتكاك بهذا الواقع، عندما لا تتوافر الإمكانية لتغييره.
وشدَّد على شرط مهمٍّ لضمان أن تبقى وظيفة الخيال في الحد المناسب المرغوب، وهو أن يكون صاحبها واعيًا بهذه الوظيفة المهمة لها، وألا يبدد وقته وجهده في مقاومتها، ولكن في ترشيدها، حتى لا تجور على بقية متطلبات حياته، وأن تكون محدودةً في نطاقها فلا تصبح بديلاً كاملاً لإنجازاته في عالم الواقع.
