د. سمير أبو المجد:

- الدافع الديني أهم عوامل العلاج مدعومًا بترابط الأسرة

- 2 مليون شاب يتعاطون مخدرات 20% منهم يتعرضون للوفاة

- الحكومة ليس لها دور في القضاء على الأزمة والإعلام أججها

- العلاج يمر بثلاث مراحل وهناك أطراف تستخدم وسائل غير مشروعة

 

حوار- شيماء جلال:

"استخدام الوتر الديني أهم عوامل علاج المدمن"، جملة أكدها د. سمير أبو المجد استشاري الطب النفسي بوحدة علاج الإدمان بجامعة القاهرة، كما أكد أن مقولة "استحالة الإقلاع عن الإدمان" غير صحيحة، مشيرًا في حواره مع (إخوان أون لاين) إلى أن "الدين.. الأسرة.. المجتمع" كل هذه العوامل تتكاتف لتكون حائطَ صدٍّ تجاه ذلك الطريق المظلم "الإدمان" الذي وقع فيه العديد من الشباب نتيجة شياطين الإنس، متمثلين في صحبة السوء مع ابتعاد عن شرع الله.

 

ونحن في هذا الحوار نواصل حملتنا لحث الشباب على الإقلاع عن هذه العادة الذميمة، بعدما سردنا قصصًا لشباب استطاعوا الإقلاع عن تعاطي المخدرات، وتحدثوا عن أسباب سقوطهم، وعوامل نجاح إقلاعهم عنها، وقد رأينا أن هناك العديد من التساؤلات التي تطل برأسها باحثة عن إجابة عن ذلك الخطر اللعين، فإلى تفاصيل الحوار.

 

* في البداية نود أن نعرف ما هو معنى الإدمان، وهل هو مرض أم انحراف سلوكي؟

** الإدمان في بداية الأمر بمثابة انحراف سلوكي قهري يتعود فيه المدمن على تعاطي مادة معينة من المخدرات بشكل دوري ومتكرر؛ ومع استمرار التعاطي يسيطر السلوك على الفرد فيصبح مرضًا؛ بل يصل الأمر لأكبر من ذلك؛ وهو أن يصاب بأمراض أخرى مثل "الفصام- الشخصية البينية والمزدوجة- الاضطرابات النفسية"، نتيجة استحواذ المادة المخدرة على وعيه وتفكيره بدرجة كبيرة.

 

* ما هي العوامل المؤثرة التي تجعل الشاب يتجه إلى ذلك العالم المظلم "عالم الإدمان"؟

** هناك منظومتان أساسيتان تشكلان المحضن والعامل الأساسي لاتجاه المدمن لعالم الإدمان:

 

 المنظومة الأولى: هي الأسرة والتنشئة التي ينشأ بداخلها الفرد؛ فقد تكون هناك اضطرابات داخل الأسرة من انفصال أحد الوالدين، أو إهمال الأسرة له وعدم الإكتراث به، أو تعاطي أحد الأبوين لمواد مخدرة، وقد يكون أحد الأبوين يتاجر في المخدرات، فبالطبع في تلك الحالة قلما يخرج الابن من جلباب والده؛ بل يتعاطى المخدرات مثل والديه اللذين يمثلان له مصدر الأمان والقدوة.

 

 أما المنظومة الثانية فتتمثل في المجتمع والقيم التي يبثها في النشء، وما إذا كان هناك أمان اجتماعي أو هناك انتشار لمعدلات الجريمة كل هذه العوامل تتشابك لتمثل شبكةً حول الفرد وتوجهًا لمثير الإدمان.

 

 الصورة غير متاحة
 

* ماذا عن دور الأصدقاء وصحبة السوء في دفع الفرد إلى التعاطي؟

** الصحبة أهم حلقة تتسبب في إدمان أو استقامة الفرد؛ فأغلب الشباب الذين يتوجهون للتعاطي والإدمان يكون من خلال التعرف على أصحاب سوء يمارسون ذلك السلوك، وبالتالي لا بد من أن تكون الأسرة على علم واطلاع بأصدقاء أبنائهم، ومعرفة سلوكياتهم؛ لأنها بالطبع علاقة طردية؛ فكلما كان أصدقاؤه صالحين كان الشباب بعيدًا عن ذلك الطريق المظلم للإدمان، وعلى النقيض كلما كانوا طالحين اقترب الشاب من الإدمان؛ وأود أن أشير إلى أن ثمة أمرًا يملك زمام كل هذه الأسباب، ألا وهو الوعي الديني والالتزام بتعاليم الإسلام التي هي أساس تنشئة أي فرد؛ ليسير في الطريق الصحيح.

 

* كيف يمكن للأسرة أن تكتشف أن ابنها لديه سلوك انحرافي أو مدمن؟

** هناك مجموعة من الأعراض تظهر عليه، وإذا لاحظتها الأسرة فعليها أن تتجه به لأقرب مركز لعلاج الإدمان؛ وهذه الأعراض تظهر بشكل واضح؛ مثل: أن يطلب أموالاً بشكل مستمر ومتزايد، أو أن ينام كثيرًا بمعدل غير طبيعي، وقد يبدو عليه الضعف والهزال، فضلاً عن تغير نمطه السلوكي داخل الأسرة، وقد يلجأ في بعض الأحيان إلى أن يقوم بأخذ نقود من حقائب أهله بالمنزل؛ حتى يتمكن من شراء المادة المخدرة، ويضاف إلى ذلك الأمر الهام الذي أشرنا إليه؛ ألا وهو الصحبة، بعد ذلك يتبقى التحليل ليظهر وجود مادة مخدرة بالبول أو بالدم.

 

* هل هناك نسب أو إحصائيات عن أعداد المدمنين في مصر؟

** بالفعل أظهرت آخر إحصائية أجريت أن نسبة الإدمان في مصر تبلغ 4% بما يعادل 2 مليون مدمن، وهذه النسبة للذين يتناولون المخدرات بشكل دوري ومستمر؛ و2% بالنسبة الذين يتناولونها لمرة واحدة؛ وتمثل الإناث نسبة كبيرة ضمن تلك الإحصائية.

 

* ما هي مراحل العلاج من الناحية الطبية؟

** هناك مجموعة أنظمة علاجية يتم التعامل بها في علاج المدمن تتم على عدد من المراحل؛ فالعلاج يكون علاجًا نفسيًّا، وعلاجًا سلوكيًّا معرفيًّا، وعلاجًا بزيادة الوعي الديني وتوضيح أن طريق الإدمان يخالف أوامر الدين؛ ولكن هذا التوجيه لا يتم في بداية العلاج؛ لأنه يكون فاقد السيطرة، ولا يرغب في الحياة؛ بالنسبة للعلاج النفسي يتم فيه عقد جلسات ثلاث ساعات يوميًّا بشكل جماعي مع بقية زملائه المدمنين وبشكل منفرد؛ حيث يتحدث الطبيب النفسي معه، ويقترب منه، ويعرف مشاكله، والضغوط التي تسببت في وقوعه في هذا الفخ، ويحاول أن يقنعه الطبيب أنه لا بد أن يستمر في الحياة، ولا زال هناك أمل، ويضرب له أمثلة بزملاء له تعافوا من الإدمان، وأصبحوا أسوياء؛ أما العلاج السلوكي المعرفي فيتم فيه تأكيد أن الإدمان خطر يهدد بالموت، وأنه لا بد من الإقلاع، ثم يتم أخذه في رحلات ومصايف وملاعب من أجل إخراج الطاقة الكامنة بداخله.

 

3 مراحل للعلاج

* يتردد أن علاج الإدمان يأخذ فترات طويلة وقد لا يتم الشفاء منه، فهل هذا صحيح؟

** هذا كلام غير سليم؛ علاج المدمن يتم على ثلاث مراحل الأولى يتم فيها سحب المادة المخدرة من جسمه ثم تليها مرحلة إعادة تأهيل للمدمن من تغيير الجو الذي كان يعيش فيه وسط المدمنين ومن أي اضطرابات أسرية؛ يقصد بإعادة التأهيل هنا إعادته للحياة الطبيعية بشكل أفضل، وتمتد تلك المرحلة إلى ستة شهور؛ أما المرحلة الثالثة فيتم فيها متابعة المدمن بشكل دوريٍّ أسبوعيًّا بعد عودته لمحيط أسرته؛ من أجل متابعة ومعرفة آثار احتكاكه بالأسرة والمجتمع مرة أخرى، وهنا البعض يفشل وآخرون ينجحون؛ لكن الذي يخرج بعد الستة شهور الأولى لأسرته من الطبيعي أن يفكر في الإدمان؛ لأنه قد يرى العوامل التي كانت تساعده سابقًا على الإدمان؛ لذلك لا بد من إزالة كافة العوامل التي كانت تساعده على الإدمان.

 

 الصورة غير متاحة
 

* سمعنا من بعض الحالات أن هناك بعض البرامج العلاجية تتم من خلال ممارسة أساليب غير عقائدية.. فما هي رؤيتك؟

** هناك برنامج يسمى برنامج "الاثنتي عشرة خطوة" يتم فيه العلاج من منظور ديني؛ ولكن البعض يحرفه ويجعل المدمن يمارس عبادات خارجة عن العقيدة السمحة.

 

* هل هناك أعداد كبيرة من الشباب تحدث لها وفاة بسبب تعاطي المواد المخدرة؟

** بالفعل؛ هناك العديد من الشباب يُتَوَفَّوْن بسبب زيادة الجرعة، وتقريبًا نسبة من يُتوفون خلال التعاطي تتعدى الـ20% وهذا مؤشر كبير؛ نستخدمه خلال علاجنا؛ لننبه الشباب الذي يعالج من خطورة الإدمان وقرب الموت منهم في أي لحظة.

 

* ما هي المخاطر التي يشكلها المدمن على المجتمع؟

** أولاً: نجد أن الله عز وجل أوضح في كتابه العزيز أنه قد نهى من أن يعرض الإنسان نفسه للمخاطر؛ حيث قال عز وجل في محكم آياته ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية 195)، وهذا يعني أن هناك نهيًا ربانيًّا من أن يسيء الإنسان لنفسه أو لأهله لأن الإدمان قد يجعل الفرد المدمن يفقد السيطرة تحت تأثير المخدر، وبالتالي فقد يرتكب جرائم سرقة أو قتل أو اعتداءات وقد يتعرض للسجن والحبس؛ وغالبًا تحدث تلك المخاطر حينما يتم تناول جرعات متزايدة من المخدر.

 

تراجع الحكومة

* ما رأيكم في السياسات التي تتبعها الحكومة في التعامل مع المدمنين؟

** الحكومات ليس لها دور بارز في مواجهة خطر الإدمان، وتقريبًا يوجد مستشفى واحد والعلاج يتكلف شهريًّا أربعمائة جنيه، مع أنه من المفترض أن المستشفى  حكومي حتى يتمكن الشباب الذين سلكوا طريق الإدمان من أن يتعافوا في ظل ضيق إمكانياتهم المادية.

 

* البعض يرى أن العلاج مع المدمن يفشل وينتكس ويعود مرة أخرى للإدمان فما رأيكم؟

** يمكن فشل العلاج مع المدمن في عدة حالات؛ منها أن يتم الاعتماد فقط على عزل المريض، وسحب مواد التخدير من جسمه، وأن يُكتفى بإعطائه مسكنات ومهدئات فقط يتسبب في كثرة الانتكاس؛ كذلك عدم وجود تشخيص سليم عن المدمن، وعدم توفر متابعة جيدة من جانب المشرف على العلاج مع المدمن؛ فضلاً عن وجود بعض أعمال الدجل والسحر يرتكبها بعض الأفراد، وبالتالي إذا توفرت أي حالة من الحالات السالف ذكرها قد يفشل العلاج.

 

* هل هناك جلسات يتم عقدها مع الأهل لتوعيتهم بكيفية التعامل مع ابنهم المدمن؟

** بالفعل يتم عقد اجتماعات بشكل دوري مع أهل المدمن من أجل إعادة التماسك والترابط الأسري الذي من شأنه أن يساعد المدمن على التعافي؛ كذلك يتم توعية الأسرة بكيفية التعامل مع ابنهم حينما يحدث له اضطراب نفسي؛ لأن أي اضطراب نفسي قد يعرضه للخطر خاصة في المراحل الأولى من العلاج؛ بالإضافة إلى توفير الشعور بالدفء والحنان من جانب الأسرة الذي يجعل المدمن لا يخفي شيئًا عن أهله ويصاحبهم.

 

* وبالنسبة للإعلام هل ساهم في مساعدة المدمن على التعافي أم أنه أضر به أكثر؟

** الإعلام مارس دورًا سلبيًّا في مسألة الإدمان؛ حيث إنه كان يعرض أفلامًا ومسلسلات توضح كيف يحصل المدمن على المواد المخدرة، وعن كيفية الكذب على الأهل؛ حتى يذهب مع أصحاب السوء، وقد نقل الإعلام صورة سيئة تعلم منها الشباب الإدمان ولم يتوجه لهم بنصائح تحميهم من مخاطره.

 

* في النهاية ما هي الرسالة التي توجهها للشباب عامة وللمدمن بشكل خاص؟

** الرسالة التي أوجهها للشباب بشكل عام هي: أنهم لا بد أن يتنبهوا إلى أن الإدمان طريق مظلم، وبه العديد من المشاكل التي قد تقضي على مستقبله كشاب؛ وأزيد: "يا شباب اتقوا الله في صحتكم"؛ أما الرسالة التي أوجهها للشاب المدمن فأقول له: "انتبه، الموت قريب منك، والعمر يمضي سريعًا، وأنت وحدك صاحب القرار في أن تحيا حياة سليمة"، وأود أن أختتم كلامي مؤكدًا أن الدين هو المعين الأول والأخير للبعد عن كل تلك الفخاخ التي يعثر عليها شبابنا في مجتمعهم.