أستطيع أن أتصور المحنة التي يتعرَّض لها شباب مصر في هذه المرحلة، فهم ممزقون بين الحق والباطل، وبين الحقيقة والوهم لأول مرة في تاريخ مصر، فالشباب في مصر يُدرك قبل غيره المأساة التي وصلت إليها بعض أوجه الحياة في مصر؛ لأن الشباب هو الذي يعاني من ضغوط الحياة الاقتصادية على والديه إن وُجِدَا، ومقر سكنه إن وُجِدَ؛ سواءٌ في المقابر أو في العشوائيات، كما يعاني من انحطاط مستوى التعليم إن صمد الشابُّ للتعليم أمام ضغوط الحياة، كما أنه يعاني البطالة والحرمان من تكوين أسرة، وهو الذي يقع ضحية المخدرات والإدمان والإجرام، ويرى بنفسه كيف تنهار القيم مع انهيار الخدمات وتآكل هيبة الدولة التي لم يعد يرى منها سوى القمع الأمني والقصص الخرافية التي يسمعها كل يوم وانتهاكات حقوق الإنسان، وزملاؤه الذين استولت عليهم آمال الخلاص فغرقوا في البحر المتوسط قبل أن يروا جنة أوروبا، وشباب مصر هم الذين رفضوا دواء الحكومة وفضلوا الموت برحمة وبلا خداع من فيروس إنفلونزا الخنازير.
وهم نفس الشباب الذين يرون مظاهر العبث التي يمارسها سادة مصر الجدد المترفون الغارقون في الملذات والأموال، بينما لا يجد بعض الشباب كسرة خبز لعشائه أو ثمن الدواء. وهم نفس الشباب الذين تفقد مصر منهم سنويًّا نصف مليون؛ بسبب الفساد الذي مكَّن منهم السرطان والفشل الكلوي، وكأنها خطة الحكومة لتنظيم النسل؛ حيث تشكو الحكومة من تزايد السكان.
وقد سمعنا آلاف القصص من بسطاء يريدون الالتحاق بوظائف الخدم حتى في المساجد، ولكن الرشوة المطلوبة أقعدتهم عن الطلب؛ وهم الشباب الذين تبدلت عندهم قاعدة القيم، وفقدوا الانتماء وهم يرون دولة غائبة لا تحضر إلا لإرهاقهم بالضرائب من كل نوع دون أن يروا خدمات مقابلة، بينما يكتوون بنار الغلاء مع قلة الشيء أو عدمه.
هم نفس الشباب الذين إن فتح الله عليهم بعمل في الدول العربية ذاقوا الأمرين، وهان عليهم ما كانوا يعتزُّون به فيما قرءوا من أخبار بلادهم قبل نصف قرن؛ وهم نفس الشباب الذين انخرطوا في الفتنة الطائفية، بعد أن انهار سقف الولاء للوطن، ولم يعد الوطن عندهم إلا الكنيسة للقبطي والدعاء إلى الله للخلاص بالنسبة للمسلمين.
وهم الشباب الذين يبيعون أعضاءهم إن بقي لهم أعضاء سليمة لم يتلفها الفساد الذي لوث حياتهم الدينية بمشايخ السلطان الذين اشتروا الدنيا بالآخرة فضلَّ عملهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
وهم الشباب الغارق في بيئة طبيعية افترستها الأوبئة أمام حكومات عاجزة عابثة حولت النيل إلى مستنقع للبلاء، وضيَّعت مصالح مصر في منطقتها؛ فأصبح الشباب لا يعتزون بشيء بعد أن فقدوا كل شيء.
فماذا يستطيع الشاب أن يحصل من ثقافة سياسية لم يعد بحاجة إليها أصلاً، وهو يرى تدهور قيمة الثقافة والمثقفين والغزو الإعلامي للفنانين، وجرائم السادة الجدد مع الساقطات.
لا أدري ماذا يقولون لشبابنا في معسكرات وزارة الشباب وبرامج التثقيف في الحزب الوطني؟ وكيف يفلت الشاب في هذه المعسكرات بعقله الصغير من تلقينه المستمر بأن مصر فوق الجميع وهو يرى العكس تمامًا، وأن أحوال مصر على ما يرام، وأنها تشهد "أزهى عصور الديمقراطية"، وكيف يتقبل الشاب في هذه المعسكرات المقارنة بين حاله وبين الحقائق التي يعرفها عن أن النظام جاء واستقر بفضل التزوير، وكيف يفهم أن هذا التزوير صمام الأمان لأمن مصر القومي، وأن نقاد النظام هم الحاقدون عليه رغم أن النظام يقود مصر بسرعة وهمية نحو الهاوية.
لا أدري كيف يتقَّبل الشاب أن هذا الحشد الكاسح لمباراة الجزائر هو نهاية التاريخ، وأن جدار مصر الفولاذي هو أكبر عار وأهم إنجاز يفخر به النظام، وكيف صادر الشاب عقله الصغير وأغلقه على هذا التلقين السيئ التهوية؟ وكيف يتلقى الشاب أن المقاومة لـ"إسرائيل" هي العدو لمصر، وأن حماس هي منظمة إرهابية، وأن إنقاذ أهل غزة من آثار الحصار انتقاص للأمن القومي المصري وجريمة أمن دولة، وأن زعماء "إسرائيل" القتلة يرحب النظام بهم، بينما لا يرحب بزعيم حماس الإرهابي، وكيف يتلقى الشاب تلقين السادة بأن مصر ضحَّت بالغالي والنفيس من أجل الفلسطينيين الذين تنكروا لها، فقررت مصر التحالف مع "إسرائيل" للقضاء عليهم.
فمن يتحمل مسئولية الجريمة في إفساد عقول أجيال الشباب في مصر، ومن ينقذ الشباب من اختطافهم وتلويث سمعهم وأبصارهم بخرافات ووعود لا أثر لها على أرض الواقع؟
وماذا يفعل هؤلاء الشباب عندما تأتي لحظة الصدام الحتمي بين مصر و"إسرائيل"، فهل أبقى النظام عند الشباب شيئًا في نفوسهم ضد "إسرائيل" أم لقنوهم أن "إسرائيل" هي الحليف المخلص؟ وماذا تقول "إسرائيل" لشبابها عن مصر، وماذا تقول الصحف "الإسرائيلية" عن مصر وشبابها ونظامها وشعبها؟.. المأساة كبيرة وخطة إنقاذ شباب مصر من سطوة النظام تبرر الجهد والسرعة والتأمل.