عقدت وزارة الداخلية في غزة مؤخرًا مؤتمرًا صحفيًّا أعلنت فيه عن اعتقال شبكة جديدة من العملاء والجواسيس الذين عملوا لصالح الاحتلال، وكان لهم دور رئيسي في اغتيال عدد من قادة المقاومة في القطاع.
وأعاد هذا المؤتمر تسليط الضوء على هذه الظاهرة القديمة الجديدة التي أرقت لسنوات مضت ولا تزال المجتمع الفلسطيني وتقض مضجعه وتأكل خيرة أبنائه من المقاومين والقادة، الذين نجح الاحتلال في اصطيادهم بعد مساعدة مباشرة من قبل هؤلاء العملاء.
وعند الحديث عن هذه الظاهرة لا يمكن أن نغفل أن أي احتلال وعلى مر العصور والتاريخ سعى جاهدًا من أجل أن يكون له من بين أبناء الشعوب المحتلة، عيونًا وآذانًا ترصد كل حركة تقاوم الاحتلال وترفضه، حتى غدا العملاء والجواسيس أو ما اصُطلح على تسميتهم بالطابور الخامس، عاملاً حاسمًا في تحقيق التفوق في أية مواجهة.
وبالرغم من التطور التكنولوجي والتفوق العسكري الذي وصلت له الدولة الصهيونية؛ حتى غدت من أهم دول العالم المنتجة والمصدرة لوسائل الاتصال والتنصت والتجسس، إلا أنها لم تستغنِ يومًا عن العنصر البشري في جمع المعلومات، كونه عنصرًا رئيسًا في حرب الأدمغة بين الاستخبارات الصهيونية وقوى المقاومة الفلسطينية، وفي سبيل ذلك، سعت دولة الاحتلال إلى تجنيد عدد من أبناء الشعب الفلسطيني، ومن مختلف شرائحه للعمل لصالح أجهزتها الاستخبارية، مستغلةً العديد من العوامل والظروف.
مهام مختلفة
ولا يقتصر عمل العميل على جمع ونقل المعلومات والتجسس على المقاومين الفلسطينيين فحسب، بل تشمل مهامه ترويج وبيع المخدرات بين الشبان الفلسطينيين ونشر الرذيلة وسوء الأخلاق، كما يتضمن تسهيل بيع الأراضي الفلسطينية للصهاينة وسماسرة الأراضي، وكذلك المشاركة في بعض العمليات الصهيونية الخاصة سواء باعتقال المقاومين أو حتى اغتيالهم.
غير أن من أخطر ما يمكن أن يفعله العميل أو الجاسوس بالرغم من كل الجرائم التي يرتكبها، هي أن تطلب المخابرات الصهيونية منه أن يقوم بتجنيد شبان أو حتى فتيات؛ ليعملوا معه كخلية تابعة للمخابرات الصهيونية، وقد يُطلب منه في بعض الأحيان تجنيد شقيقه أو شقيقته عبر الإسقاط الخلقي وغيرها من الوسائل، وهذا للأسف ما حصل في بعض الأحيان، حتى أضحى العميل أشبه بثمرة الخضار الفاسدة التي تنقل العدوى.
العملاء بين التهوين والتهويل
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى وبعد أن وجهت المخابرات الصهيونية العديد من الضربات الموجعة لنشطاء المقاومة، كثر الحديث عن عدد العملاء داخل المجتمع الفلسطيني وعن الدور الذي يمكن أن يلعبه هؤلاء، وظهر الكثير من التحليلات والدراسات والمقالات التي تناولت هذا الموضوع.
في الحقيقة لا توجد هناك إحصائيات رسمية تتحدث عن عدد العملاء؛ وذلك لغموض هذا الملف وسريته، فبين مقلل لعددهم ومنتقصٍ لدورهم، وبين من يصفون العملاء بأنهم قد تحولوا إلى ظاهرة في المجتمع الفلسطيني، ويتحدثون عن أرقام قد تصل في بعض الأحيان إلى بضعة آلاف، ويستدلون بذلك أن قرى وأحياء بأكملها في الضفة الغربية أصبحت حكرًا على العملاء وذويهم.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أنه ليس من الحكمة التهوين أو التهويل عند الحديث عن موضوع العملاء، فالمخابرات الصهيونية قد تلجأ في بعض الأحيان إلى أسلوب التهويل كجزء من الحرب النفسية التي تهدف إلى زعزعة المجتمع الفلسطيني وضربه من الداخل، حتى لا يثق الناس ببعضهم، وبالتالي ينعكس ذلك تلقائيًّا على رجال المقاومة الذين هم بالأساس من إفرازات المجتمع.
وفي المقابل ليس من الصواب نفي وجود العملاء في المجتمع الفلسطيني، بل يجب أن نأخذ موقفًا متوازنًا بين هذا وذاك من أجل العمل على محاربة هذه الظاهرة والوقف عند أسبابها وطرق معالجتها واستئصال هذا الورم الخبيث.
طريقة التعاطي
وبعد أن علمنا أن العملاء أصبحت ظاهرةً موجودةً في فلسطين، يتضح وجود نموذجين في كيفية التعاطي مع هذه الآفة، نموذج حكومة غزة ونموذج حكومة دايتون في الضفة الغربية.
أطلقت الحكومة في غزة حملة "مكافحة التخابر مع الاحتلال" تخللتها العديد من برامج التوعية في وسائل الإعلام المختلفة والمدارس والجامعات والمساجد واليافطات الجدارية والنشرات التثقيفية، ثم فتحت باب التوبة للعملاء وأعلنت عن استعدادها للعفو عن مَن يسلم نفسه خلال فترة محددة ويدلي بمعلومات عن غيره من العملاء.
وفي المقابل استخدمت العصا ضد الذين رفضوا تسليم أنفسهم وأصروا على الولوج في مستنقع العمالة والخيانة؛ حيث أصدرت أحكامًا بالإعدام ضد مَن ثبت تورطهم في جرائم القتل والاغتيال، ونفَّذت فيهم هذه الأحكام بعد تأمين محاكم عادلة قال فيها القضاء المستقل كلمته، كما عقدت حكومة غزة سلسة من المؤتمرات الصحفية، والتي أعلنت خلالها عن اعتقال شبكات جديدة من العملاء والمخبرين؛ وذلك بهدف إيصال رسائل عديدة.
وبالرغم من عدم استئصال هذه الظاهرة بشكلٍ كاملٍ في القطاع، إلا أنه يمكن القول بأن أعداد العملاء في غزة في تناقصٍ دائم بشكلٍ كبير وملموس جدًّا، وهي الفترة الذهبية في تاريخ القطاع من حيث تدني نسبة العملاء والجواسيس، وهو الأمر الذي دفع أجهزة الاستخبارات الصهيونية للبحث عن وسائل وطرق جديدة للوصول إلى مصادر المعلومات بديلاً عن العنصر البشري الذي أصبح شبه مفقود في غزة.
وليس أدل على ذلك من نجاح المقاومة في الاحتفاظ بالجندي الأسير جلعاد شليط منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف لم تنجح خلالها الأجهزة الأمنية الصهيونية في الوصول إليه أو معرفة مكان احتجازه أو أية معلومة عنه، بالرغم من التفوق الصهيوني في المجالين التكنولوجي والعسكري.
العملاء يرتعون في الضفة
وفي المشهد المقابل، عملت السلطة الفلسطينية على حماية العملاء وعدم التعرُّض لهم في الضفة الغربية، وهو الأمر المنصوص عليه بشكلٍ صريحٍ ضمن اتفاقية أوسلو التي أمَّنت الحماية للعملاء ومنعت السلطة من اعتقالهم أو مضايقتهم، وفي بعض الحالات التي تم فيها اعتقال عدد من العملاء على أيدي أجهزة السلطة سرعان ما أطلق سراحهم بأوامر عليا.
وفي هذا الإطار أكد عددٌ من المعتقلين من أبناء حركة حماس أنهم وأثناء اعتقالهم في سجون السلطة التقوا عددًا من الأشخاص الذين تم اعتقالهم على خلفية عمالتهم مع الاحتلال، ولكن سرعان ما تم الإفراج عنهم بعد أيامٍ من اعتقالهم، كما جرت معاملتهم بطريقةٍ حسنة ودون أن يتعرَّض لهم أحد بأية إساءة؛ في الوقت الذي كان فيه عناصر حماس يعذبون ويشبحون ويضربون بصورة وحشية، مشيرين إلى أن السلطة كانت تتعامل مع العملاء داخل سجونها بقفازات حريرية ومعاملة خاصة واحترام كبير قبل أن يطلق سراحهم.
غير أن العديد من المراقبين يرون أن أجهزة الاستخبارات الصهيونية قَل اعتمادها على العملاء في الضفة الغربية في ظل وجود أجهزة أمنية فلسطينية تعمل على حماية الاحتلال وتمارس هذا الدور الخياني، ولكن مع اختلاف المسميات؛ حيث تبدل اسم العمالة وتزويد الاحتلال بالمعلومات عن المقاومين إلى مصطلح (التنسيق الأمني) الذي تجاهر به قيادة السلطة.
ولم يعد مجاهرة السلطة باعتقال المقاومين وتصفيتهم ومصادرة سلاحهم وأموالهم أمرًا تخجل منه، بل أصبحت تعلن عن ذلك من خلال مؤتمرات صحفية تتباهي فيها بإنجازاتها، فشتان بين مؤتمرات وزارة الداخلية في غزة ومؤتمرات العار في الضفة الغربية.
ويتداول المواطنون أسماء العديد من قيادة السلطة وأجهزتها الأمنية ممن عُرفوا خلال الانتفاضة الأولى بدورهم التجسسي وعمالتهم لصالح الاحتلال، ومن ثَمَّ تقلدوا مناصب رفيعة فور إنشاء السلطة ولا يزالون في مواقعهم التنظيمية والحكومية بالرغم من خروج رائحتهم وانفضاح أمرهم.
طرق المواجهة
وحتى لا نكثر من الحديث عن المشكلة دون تحديد الحلول الواجب اتباعها من أجل محاصرة هذه الظاهرة ومجابهتها؛ حيث لا بد في البداية من تعزيز الوازعين الديني والوطني لدى الجمهور الفلسطيني باعتباره أحد أهم العوامل وأنجحها للتصدي لهذه الظاهرة، ولا يكون هذا التعزيز إلا من خلال أسرة متماسكة مترابطة يكون فيها للأبوين دور الرقابة على الأبناء ومتابعتهم، بطريقة إيجابية مبنيّة على الثقة المتبادلة.
وعلى الفصائل الفلسطينية أن يكون لها دور في التوعية والتثقيف، وأن تختار عناصرها بعنايةٍ بعد تمحيصٍ وتدقيق، وأن تُركِّز على النوع لا الكم؛ لأنه كما يُقال: "حسن الاختيار يقي المصارع".
كما لا نغفل في هذا السياق دور المجتمع ككل، فنظرة المجتمع خاصةً لأبناء من ثبت تورطهم في العمالة للاحتلال مهمة جدًّا، فيجب على المجتمع أن يحتضن هؤلاء، وألا ينظر لهم نظرةً دونية، وألا يُأخذوا بجريرة آبائهم أو أمهاتهم؛ لأنهم إذا ما شعروا بنبذ المجتمع لهم، فإن ذلك قد يكون له أثر بالغ في أن يفرغوا حقدهم على المجتمع عبر سلوكهم طريق العمالة.
وفي الختام: إن ظاهرة ضعاف النفوس أو العملاء بحاجةٍ إلى تضافر كل الجهود من أجل أن يصبح المجتمع الفلسطيني مجتمعًا متماسكًا معتزًّا بأبنائه مفتخرًا برجالاته، حتى نصل إلى فردٍ قوي النفس عزيز الجانب لا يغريه بريق المادة.