أثار قرار السلطة الفلسطينية تعليق المفاوضات المباشرة مع الكيان الصهيوني والأنباء التي وردت من العاصمة السورية دمشق حول حدوث تقدم ملموس وسريع في ملف المصالحة الداخلية بين حركتي فتح وحماس؛ جملة من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي دفعت فريق السلطة السلوك في هذا الاتجاه وهو الأمر الذي كان شبه مستحيل خلال الفترة الماضية.

 

وكانت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قد أصدرت بيانًا في ختام اجتماعها الذي عُقد مؤخرًا في رام الله أكدت فيه على وقف المفاوضات المباشرة مع الجانب الصهيوني في حال استمرت عمليات "الاستيطان" في الضفة الغربية، وهو الشرط الذي رفضه الاحتلال ولم ينجح (الراعي) الأمريكي في إقناع نتنياهو على مجرد تجميد الاستيطان في المدينة المقدسة لمدة شهرين فقط.

 

وجاء قرار اللجنة التنفيذية بعد ساعات من وصول القيادي في حركة فتح عزام الأحمد العاصمة السورية دمشق وعقده اجتماعًا مع خالد مشغل رئيس المكتب السياسي لحماس أفضى إلى الاتفاق حول ثلاث نقاط من أصل أربع، وهي الانتخابات ولجنها ومنظمة التحرير، لتبقى نقطة الملف الأمني من النقاط التي أُجلت للبت فيها من قبل لجنة مختصة تضم الطرفين خلال الأيام القادمة.

 

تساؤلات وشكوك

وفي ظل هذين التطورين، انقسم المراقبون في تفسير هذه الخطوات؛ بين من رأى فيها خطوة تندرج في خانة ممارسة بعض من الضغوطات على الجانب الصهيوني، وبين من يرى فيها تحولاً ايجابيًّا في موقف السلطة الفلسطينية يجب تعزيزه شريطة أن تتبعه خطوات أخرى.

 

حيث يرى الفريق الأول أن إجراءات عباس تلك جاءت بعد أن سُدت الأبواب في وجهه خلال جولات المفاوضات المختلفة نتيجة التعنت الصهيوني خاصة في موضوع الاستيطان وفشل الراعي الأمريكي في ممارسة أي نوع من الضغوطات على نتنياهو، عندها قرر عباس استخدام ورقة المصالحة مع حركة حماس ككارت أحمر في وجه الطرف الصهيوني وهو ما يعني في حال الوصول إليه وقف التنسيق الأمني وإطلاق سراح جميع معتقلي ومقاومي حركة حماس كإحدى بديهيات أية مصالحة.

 

ولكن في المقابل، يرى الفريق المشكك أن عباس لا يقوى على قول (لا) للصهاينة والأمريكان وأنه سرعان ما سيعود للمفاوضات مع الجانب الصهيوني ويُفشل بأي طريقة كانت المساعي الرامي لتحقيق المصالحة مع حركة حماس، وإن كل هذه الخطوات وغيرها كالتلويح بالاستقالة تأتي في سياق محاولة ممارسة نوع من الضغوط ليس أكثر، وذلك ببساطة لأن ميزانية السلطة وأساس وجودها قائمة على الدعم الأمريكي والأوروبي وهو الأمر الذي أدى إلى تحويل السلطة إلى خاتم في يد الغرب والأمريكان.

 

وفي هذا السياق يشكك الكاتب والمفكر الفلسطيني بلال الحسن في الطرح الذي يقول: إن التطورات الأخيرة تتعلق بضرورة إنجاح المفاوضات واهتمام واشنطن بإنجاحها بأي ثمن، وحتى تنجح المفاوضات لا بد من تقوية أبو مازن في وجه نتنياهو من خلال المصالحة، ولا بد من انتزاع حجة من يد نتنياهو يتذرع بها دائمًا، وهي أن عباس لا يسيطر على الوضع الفلسطيني بكامله، ويرى الحسن في مقالة له أن هذا الطرح مستبعد الاحتمال، مؤكدًا على أن "حماس" لا تعيش في مناخ المفاوضات، ولا تقبل أن تكون طرفًا فيه.

 

وفيما يتعلق بموضوع المصالحة، اعتبر الحسن أن النقطة المتعلقة في ترتيب الملف الأمني كفيلة بفشل المحادثات بين الحركتين، لأن فيها تحديدًا للمواقف والسياسات من الجهاز الأمني الفلسطيني، ويتساءل الحسن: هل سيصمد حوار المصالحة ويتواصل عندما يتم طرح هذه النقاط للحوار؟ هذا هو السؤال الصعب الذي سيقرر ما إذا كانت العودة لحوار المصالحة عودة ناجحة، أم أنها مجرد مناورة لها سقف لا تستطيع تجاوزه؟.

 

بين الإستراتيجية والتكتيك

كما أكد الدكتور محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحركة حماس بأن قبول حركة فتح بالتفاهمات السابقة المتعلقة بالقضايا الخلافية في الورقة المصرية في هذه المرحلة جاء بعد موافقة أمريكية على إتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام المتواصل ما بين قطاع غزة والضفة الغربية منذ منتصف عام 2007.

 

وحول الانعطاف المفاجئ الذي حدث على ملف المصالحة مؤخرًا قال الزهار في تصريحات لصحيفة (القدس العربي): "ليس أمام فتح إلا أن تعود للشارع الفلسطيني، ونحن نرحب بهذا الموقف ونرى بأن فيه مصلحة إستراتيجية وليست مصلحة تكتيكية ومن يحاول أن يستخدم ملف المصالحة تكتيكيًّا لتحسين شروط التفاوض في الحقيقة لن ينجح.

 

ويرى فريق ثالث أن توجه حركة فتح نحو المصالحة الداخلية هو اعتراف ضمني بفشل نهج السلطة وخيارها التفاوضي وفشل إقصاء حركة حماس من المشهد السياسي واستحالة تحقيق أي تسوية أو تقدم سياسي من دون التوافق مع حماس التي أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة القضية الفلسطينية.

 

ويُعتبر اللقاء المرتقب خلال الأيام القادمة بين عماد العلمي عضو المكتب السياسي لحماس وماجد فرج مدير المخابرات في السلطة الوطنية لمناقشة النقطة الرابعة المتبقية حول الملف الأمني وما ينتج عنه هو المؤشر الحقيقي على نوايا حركة فتح نحو ذهابها لمصالح حقيقية أم أنها مناورة ووسيلة ضغط لتحريك مياه المفاوضات الراكدة.