الشباب:
- الثورة أثبتت وجودنا ويجب على الجميع الاستماع إلينا
- التواصل الإلكتروني جعلنا أكثر خبرةً من الآباء والأمهات
الكبار:
- صوت العقل لا بد منه والصحوة الإلكترونية لها ضوابط
- صراع الأجيال عقد غربية حاربها الإسلام في مواقف كثيرة
تحقيق: عبير فتحي
البعض ينظر لحالة الخلاف والجدل بين جيل الشباب والكبار على أنه صراع بين جيلين ينشد كل جيل منهما فرض رأيه وإثبات تفوقه الفكري وإظهار ضعف ووهن الآخر، ولكن جاءت ثورة 25 يناير لتُحطم كل المسلَّمات، ولتثبت أن المشهد التكاملي الذي رأيناه جميعًا في الميدان بين كل الجهات المتناقضة، ومنها الشباب والكبار، هو نموذج لمصر الجديدة.
ومن هنا كانت البداية، فمع تعالي صوت الشباب بعد ما قاموا به من دور بارز في تلك الثورة؛ جعلهم يشعرون بأهمية المشاركة المجتمعية، وأهمية الإدلاء بصوتهم في القرارات التي تخص بلدهم، وهم الفئة العمرية الأصغر في عالم السلطة والقرارات والتي لم يعتدِ عليها قيادات الرأي في المجتمع المصري، وكان الجدل الحواري بين القديم والحديث الذي تلمَّسنا أسبابه من خلال استطلاع ميداني لآراء الشباب خير دليل على وجود أزمة تفاهم بالفعل.
ويجمع الخبراء على وجود أزمة وفجوة بين الجيلين، فى الوقت الذى يدعون فيه لاستخدامها بشكل تكاملي حتى يتم الاستفادة من تلك الظاهرة وتحويلها لنعمة بدلاً من أن تظل نقمة تسبب المشكلات بين الأسر والأصدقاء في المجتمع من مختلف الشرائح العمرية.
الحماس.. والحكمة
بدايةً تؤكد أمل أحمد "طالبة بكلية صيدلة بجامعة القاهرة" أنه لا أحد يفوق أحدًا بعد الثورة، وكل الأفكار وكل الأعمار مسموح لها بالنقاش وتبادل الأفكار واحترام كل الآراء، موضحةً أنه ما زال الشباب ينقصهم بعض الحكمة والتأني والبعد عن الحماس الزائد أو الاندفاع بلا تعصب مبرر، بينما ما زال الكبار يعانون من التشبث بأفكارهم وإصرارهم على صحة آرائهم، وأن أفكارهم هي الصواب المطلق؛ لأنه يراها من منطلق رؤيته للأشياء أو القضايا والموضوعات المحيطة به، لكن يجب أن نصل لنقطة اتفاق لا تعيق تبادل الآراء والديمقراطية.
وتشير ناهد مصطفى "ربة منزل وأم لخمسة أبناء" أن لكبار السن رأيًا عقلانيًّا، وينظرون للشباب على أنهم دائمًا متحمسون ويفتقدون للرؤية، بينما يُعتبر الكبار من وجهة نظرهم نظامًا تقليديًّا قديمًا لم يعد يجدي نفعًا في الوقت الحالي.
وترى ناهد أن سد الفجوة بين الجيلين، والرد يجب أن يكون بالتجارب العملية والبرهان خير دليل، وليس بالاستفاضة في الحوارات والجدل التي لا تجدي نفعًا.
التنازل.. والاحتواء
ويضيف محمد قاسم "طالب في كلية تجارة جامعة القاهرة ومشارك في الثورة" أن الحرية من وجهة نظري تتلخَّص في التعبير عن الرأي بحرية تامة دون ممارسة أي ضغط من أية جهة، ودون وضع قيود على أفكار أحد أو الحجر على رأي أحد، وأن من حق أي شخص أن يدافع عن رأيه دون محاولة تشويه الآراء الأخرى أو حتى توجيهها.
ويتابع: يبدو دائمًا أن الكبار هم المسيطرون على آرائهم والمتسلطون على آراء الشباب، إلا أنني أرى أن الشباب أحيانًا- لما به من الحماسة والسرعة في التصرف- قد يستمسك برأيه ويعارض الآخر الذي يتروَّى في أخذ قراراته.
بينما يرى أحمد السيد طه "محامٍ ومشارك في الثورة" أن حل الأزمة يجب أن يكون من كلا الطرفين؛ بحيث يعترف الشباب بمبدأ التنازل، ويمارس الكبار معهم فنَّ الاحتواء"، فإذا فهم كل منهم هذه المعادلة قد لا نحتاج أن نتحدث عن الجدل بين الشباب والكبار.
حلول تدريجية
(إخوان أون لاين) وضع تلك الظاهرة وآراء المواطنين من شباب وكبار على مائدة الخبراء؛ لتحليل أبعادها ووضع حلول تدريجية لسد فجوة الحوار والاستيعاب بين الجيلين؛ حيث يرى الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي الخبير والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أنه من الصعب تعميم ظاهرة التشبث بالرأي على كل الشباب المصري، وقسّم الشباب إلى عدة أنواع:
- الشباب الأمّي ممن لديهم ثقافة تقليدية تراثية قديمة، ويتمسكون بالنظرة التقليدية التي لا يسمح فيها مجال للتغيير.
- والشباب الذي لم يتجاوز بوعيه ما يحدث في المدارس التعليمية المصرية التي لا تُعد شبابًا قادرًا على الحوار والتفاعل الإيجابي ويتلقَّى فقط الأوامر والتعليمات: "احفظ، اسمع، اكتب ما يملى عليك".. وهكذا".
- والشباب الذين قاموا بالثورة وكان لهم الفضل في شحذ الهمم وكسر حاجز الخوف لدى بقية الفئات الشبابية، وذلك من خلال (الفيس بوك) وغيره من وسائل الاتصال الشخصي، بل واستمر في التعبير عن رأيه بحرية وتقبل الآخر واحترام الاختلاف بينهم.
بينما يصنف مغيث شريحة "الكبار" إلى:
- أشخاص مستقبلهم أصبح خلف ظهورهم، واكتفوا بما حققوه.
- أصحاب مصالح يدافعون عن مصالحهم.
- الكبار الذين لم يغادروا المشهد وأصرُّوا على أن يكونوا أصحاب قرار.
الممارسة.. والخبرة
ويلقي مغيث باللوم على الكبار أكثر من الشباب، مبررًا ذلك بأننا رأينا نموذجًا من هؤلاء الشباب في "ميدان التحرير" يناقش ويحاور ويفاوض ويحاول الوصول إلى نقطة اتفاق، بينما كان الكبار هم العثرة الحقيقية أمام النهضة المصرية؛ لعدم تفهمهم واستيعابهم أن الشباب هم أصحاب الدور الريادي في هذه الفترة وليس الكبار، وأنه من المفترض أن يكتفي المواطن- الذي يصل إلى 60 عامًا- بأن يقوم بدور المستشار وتقديم الخبرة فقط.
ويضيف د. كمال أن دراسة علم نفس النمو تعطي القدرة على الإبداع والتغيير للشباب بفعل التطور الفسيولوجي والنفسي، ثم ينتقل هذا الشاب إلى مرحلة الأبوة والنضج بعد فترة، ويميل إلى الاستقرار في كل النواحي الحياتيه، ومن ثم ينتقل لمرحلة الشيخوخة وهي مرحلة الترسيخ والمحافظة والتي يكون فيها قد كوّن آراءه وأفكاره ومعتقداته الثابته المتأصلة التي أصبح من الصعب تغييرها.
وفي كل مرحلة يستقر فيها الفرد وتستقر معه أفكاره ومعتقداته يصبح من الصعب تغييرها، ولكن بنسب مختلفة، حسب كل فرد.
وصاية الكبار!
بينما يعتبر د. محمد المحمدي، أستاذ الإدارة بكلية التجارة جامعة القاهرة، أن أكبر مشكلة بين الأجيال هي التطور المحيط لعالم الأشياء، مثل: التكنولوجيا المتطورة ووسائل الإتصال المختلفة، فالجيل الجديد الذي ينفتح بشكل مختلف عمن قبله في معارفه وثقافاته واتصالاته، يؤدي إلى فجوة بين جيلين قد يبلغ عمرهما خمس سنوات، فقديمًا كنا نظل مئات السنين دون تغيير للثقافات التي تظل كما هي، لكن في الوقت الحالي أصبحت درجة السرعة في الاختلاف ملموسة، وبالمقابل نجد أن الأكثر تكيفًا هم الشباب؛ ما يؤدي لفجوة بين الأخ وأخيه الذي يكبره بعشر سنوات فقط!.
ويضيف المحمدي أن الأكبر سنًّا ما يزالون في ظل هذا التطور والانفتاح يعملون بالوصاية، ويميل لوضع معايير وقيم حتى يحدث تحاور قوي بين الأجيال، فالاختلاف ميزة وليس عيبًا، ويجب أن نبتعد عن التصنيف، وأن نفكر قبل أن نفعل مع تحرّي الرشد والحكمة؛ حتى نعمل نغمةً متوافقةً وصولاً إلى رؤية واحدة والإبداع في الوسائل والأساليب والبرامج، مشيرًا إلى أنه لا يوجد مجتمع يتقدم وكلهم نسخة واحدة، ولكن يجب أن تكون العقلية استيعابيةً وليست تصادميةً.
براءة الدين
من جانبه ينفي الدكتور صفوت حجازي، الداعية الإسلامي، أن تكون لظاهرة الجدل علاقة بالمنطلق الديني ولكن علاقتها الأقوى تأتي من المنطلق النفسي السيكولوجي، ويفسر ذلك بأن هناك تفاوتًا بين الأجيال في الوسيلة والآلة مع اتفاقهم في الغاية والهدف، فلا أحد يختلف في الحرية والتقدم ونهضة مصر، لكن الاختلاف في الطريقة.
ويؤكد د. صفوت أنه لا بد أن نفرِّق ما بين الجدل والحوار والنقاش والشرح للتوضيح والإفهام؛ فالجدل هو القناعة بأن ما عليه باطل وأقنع به الآخر وأجعله في صفي، أو أن الآخر يملك الحق، وأنا أريد إثبات أنه باطل، أو أنا لا أعلم أني معي حق أو باطل ولا الآخر يعلم إن كان معه الحق أم الباطل ولكنهم يجادل من أجل الجدل.
ويشير إلى أن هذه الصور الثلاث يمكن أن ينطبق عليها الحديث النبوي الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقًّا"، لكن ما يتم تطبيقه على أرض الواقع الآن هو عرض الرأي والرأي الآخر والنقاش مع احترام رأي كل طرف.
وقال: لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ حيث إنه كان يستمع للشباب ويصغى إليهم ويشاورهم ويأخذ برأيهم في مواقف سياسية عسكرية، تحتاج إلى رأي المحنَّكين في يومنا هذا؛ ففي غزو بدر نزل النبي صلى الله عليه وسلم في مكان وجعل البئر أمامه، فجاءه الحباب بن المنذر، الصحابي الجليل الذي لم يتجاوز عمره الخامسة والعشرين، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره، وسأله: أمنزل أنزلكه الله أم هو الحرب والرأي والمشورة؟"، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: بل هي الحرب والرأي والمشورة، فأجابه الحباب إذن أرى أن ننزل أمام البئر وأن نجعله خلفنا فيأتي المشركون فلا يجدون الماء، فنظر له النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "الرأي ما رأى الحباب".
سد الفجوة
ويقترح عادل حامد، عضو الكتلة البرلمانية السابق للإخوان المسلمين، عدة خطوات عملية لسدِّ فجوة الحوار وفهم الآخر بين الشباب والكبار، منها: الاعتراف بوجود فجوة بين الشباب ومن هم أكبر منهم سنًّا، لكن مع عدم المبالغة في هذه الظاهرة، ولكن فقط نكتفي يتوضيحها لوضع حلٍّ لها؛ فلا يعني الاعتراف بهذه الفجوة التهويل والتعظيم من شأن الشباب أو التقليل من دور الكبار.
بجانب تحديد نقاط الاتفاق بين الشباب وكبار السن، مع التوضيح دائمًا أن هناك بعض المشكلات التي يكون عنصر الزمن شرطًا فيها لحلها، وهذا ما لا يعيه الشباب أحيانًا، فهناك بعض المشكلات تكون متغلغلةً لفترة من الزمن، وبالتالي فإنه لحلها لا بد أن نصنِّفها ونوصفها، وأن نضع لها جدولاً زمنيًّا، وبالمقابل هناك مشكلات آنية تحلُّ على الفور.
ويتابع أنه من ضمن الحلول ترشيد طريقة التفكير بين الطرفين وإيجاد مساحاتٍ واسعةٍ من الحوار بينهم، وهذا يعني أننا جميعًا، شبابًا وكبارًا، يجب أن نتفق على القيام بالعمل لمصلحة مصر، والذي يجمعنا حب مصر ليس السن أو الأيديولجيا أو الأجندة، والذي يغلب مصلحة مصر لا يقوم بعمل فتنة مطلقًا ولا يعرض نفسه للجدل، موضحًا أننا نحتاج دائمًا حكمة الشيوخ وحماس الشباب معًا، لكن إقصاء طرف عن آخر هو الذي يؤدي للجدل واتساع الفجوة.
ويدعو حامد إلى استغلال الجيل الوسط، وهو الجيل الذي يجمع بين وجهات نظر الشباب والأكبر سنًّا لتقريب وجهات النظر بينهم؛ حيث إن كل مرحلة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها، وبالنظر إلى مرحلة الشباب نجد أنها تتميز بالسرعة في التعامل والتصرف، والحماسة في اتخاذ القرارات، بل وأيضًا الحماسة في الاستيعاب أكثر من الجيل القديم، وهم الأكبر سنًّا من الشباب.
وينصح بالنظر إلى خصائص مرحلة الشباب على أنها شيء إيجابي، خاصةً بعد تحقيقهم شيئًا لم يكن يتوقعه أحد، وهو إسقاط النظام، فهم أول من رأى ثمرة مجهوداته المتوصلة خلال فترة من الزمن على المواقع المختلفة مثل "الفيس بوك" و"التويتر" و"البلوج" وغيرها، وهم أول من نزل الشارع ومن ثم دعمهم بقية شعب مصر، مشيرًا إلى أن الجدل بين الجيلين ظاهرة سليمة ولكن مع ترشيدها، فليس كل شيء يقوم به الشباب في كل موقف هو الصواب المحض أو العكس، فلكل مقام مقال.