حين يُطرح ملف نزع سلاح المقاومة في الخطاب السياسي والإعلامي، لا يجري الحديث عن قطعة سلاح فحسب، بل عن تعريف المرحلة كلها: من يملك حق الدفاع، ومن يفرض شروط الأمن، ومن يُطلب منه أن يتخلى عن أوراقه بينما يستمر الاحتلال الصهيوني في القتل والحصار والاقتحام. لهذا السبب، لا يمكن التعامل مع هذا الملف بوصفه تفصيلًا تقنيًا أو شرطًا إداريًا يسبق تسوية ما، لأن جوهره سياسي ووطني وأخلاقي في آن واحد.

نزع سلاح المقاومة ليس مسألة تقنية

كل محاولة لتقديم نزع سلاح المقاومة كأنه خطوة لازمة لـ"الاستقرار" تتجاهل واقعًا بسيطًا: الاحتلال هو أصل العنف المنظم في فلسطين. هو من يحتل الأرض، ويحاصر غزة، ويقتحم مدن الضفة، ويعتقل الآلاف، ويمنع أي سيادة فلسطينية فعلية. هو الآن يقتل بلا مبرر أو سبب في غزة والضفة والقدس، ويمارس العدوان في لبنان وسوريا وغيرها.

كما أن الاحتلال يسلح عصابات عميلة شرقي غزة، ويحميها ويدفعها لتنفيذ مهمات قذرة ضد المواطنين في القطاع، بما في ذلك السطو والقتل والخطف.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا تملك المقاومة سلاحًا؟ بل لماذا يُراد تجريد الشعب الواقع تحت الاحتلال من أدوات الردع بينما لا يُطرح أي التزام حقيقي بإنهاء الاحتلال نفسه؟.

الخطاب الداعي إلى نزع السلاح يفترض ضمنًا أن المشكلة تبدأ من الفلسطيني، لا من المنظومة الاستعمارية التي أنتجت المواجهة. وهذه صياغة منحازة من أصلها، لأنها تنقل النقاش من الحقوق إلى الإدارة الأمنية، ومن التحرر إلى ضبط السكان. وعندما تُختزل القضية في بند أمني، يجري إقصاء التاريخ كله: النكبة، والاستيطان، والتهجير، والحصار، والعدوان المتكرر، والانحياز الدولي الذي سمح للاحتلال بأن يجمع بين القوة العسكرية والحصانة السياسية.

لماذا يعود مطلب نزع سلاح المقاومة باستمرار؟

هذا المطلب لا يظهر من فراغ، ولا يعود لأنه حل واقعي بقدر ما يعود لأنه يخدم أولويات أطراف متعددة. الاحتلال يريد مقاومة بلا قدرة، وسكانًا بلا حماية، وقطاعًا منزوع الإرادة قبل أن يكون منزوع السلاح. وبعض القوى الدولية تتعامل مع المسألة من زاوية "إدارة النزاع" لا إنهائه، فتبحث عن هدوء مؤقت يضمن ضبط الحدود وخفض الكلفة السياسية، حتى لو بقيت أسباب الانفجار قائمة.

كما أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية تنظر إلى سلاح المقاومة باعتباره عقدة تعطل ترتيبات ما بعد الإبادة أو تعيد إنتاج نفوذ قوى لا ترغب في صعودها. هنا يصبح السلاح عنوانًا لصراع أكبر من غزة وحدها، صراع على من يقرر شكل النظام السياسي الفلسطيني، ومن يرسم حدود المقبول والممنوع، ومن يملك حق التمثيل باسم الشعب الفلسطيني في لحظة شديدة الحساسية.

المشكلة أن هذا الطرح يتجاهل أن المقاومة لم تنشأ في فراغ مؤسساتي فقط، بل نشأت أيضًا من فراغ الحماية. عندما يغيب الردع، يتمدد العدوان. وعندما يُطلب من الفلسطيني أن يثق بالضمانات وحدها، بينما التجربة مليئة بالخذلان، يصبح الحديث عن تسليم السلاح أقرب إلى مطالبة الضحية بإثبات حسن النية أمام جلاد لا يعترف أصلًا بحقوقها.

ما الذي يعنيه نزع السلاح على الأرض؟

سياسيًا، يعني انتقال ميزان القوة بصورة أكبر لمصلحة الاحتلال. قد يقال إن السلاح لم ينهِ الاحتلال، وهذا صحيح جزئيًا، لكنه أيضًا منع الاحتلال من فرض معادلات سهلة ومجانية. وجود مقاومة مسلحة لم يلغِ الكارثة، لكنه جعل كلفة العدوان أعلى، وفرض على الاحتلال حسابات لم يكن يضطر إليها لو كان الطرف الفلسطيني مكشوفًا بالكامل.

مجتمعيًا، لا يُفهم السلاح في البيئة الفلسطينية بوصفه مجرد أداة قتال، بل بوصفه تعبيرًا عن حق طبيعي في الدفاع عن النفس والكرامة الوطنية. ولهذا فإن أي نقاش حول نزعه لا ينفصل عن سؤال الشرعية: من يطلب ذلك؟ وبأي مقابل؟ وتحت أي ضمانات؟ وهل يشمل الأمر وقف العدوان، وإنهاء الحصار، وتفكيك الاستيطان، وإطلاق الأسرى، والاعتراف الفعلي بالحقوق الفلسطينية؟ أم أن المطلوب هو نزع القدرة الفلسطينية أولًا، ثم ترك الشعب لمعادلات القوة نفسها التي خبرها طوال عقود؟

أمنيًا، ثمة من يروّج لفكرة أن نزع السلاح سيقود تلقائيًا إلى إعادة الإعمار وفتح المعابر وتدفق المساعدات. لكن التجربة الفلسطينية تقول إن الاحتلال يستخدم الاحتياجات الإنسانية أداة ابتزاز سياسي. وحتى عندما تُقدَّم وعود، فإنها غالبًا تبقى مشروطة، قابلة للتعطيل، وخاضعة لموازين ضغط لا يملك الفلسطينيون التحكم بها. لذلك، فإن تحويل الغذاء والإعمار والدواء إلى ثمن سياسي مقابل تجريد المقاومة من سلاحها ليس مسارًا إنسانيًا، بل شكل من أشكال الإكراه الجماعي.

بين الدولة والسلاح: هل المسألة بهذه البساطة؟

أحد أكثر الخطابات تكرارًا هو القول إن "الدولة وحدها يجب أن تحتكر السلاح". من حيث المبدأ، يبدو هذا طرحًا مألوفًا في أي نظام سياسي مستقر. لكن إسقاطه على الحالة الفلسطينية بهذه الصيغة المباشرة يحمل قدرًا كبيرًا من التبسيط، لأن الفلسطينيين لا يعيشون في دولة ذات سيادة كاملة وحدود آمنة ومؤسسات مستقلة عن إرادة المحتل.

لا توجد دولة فلسطينية مكتملة السيادة تحتكر السلاح وتدير الأمن بمعزل عن الاحتلال. هناك سلطة مقيدة ومعزولة، وواقع ممزق بين الضفة وغزة، وحدود يتحكم بها الاحتلال، وسماء وبحر يخضعان للمراقبة أو الإغلاق، واقتحامات يومية تؤكد أن السيادة الفلسطينية ما تزال منقوصة بل ومصادرة في جوهرها. في مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن "سلاح خارج الدولة" حديثًا يحتاج إلى تدقيق، لأن المشكلة الأصلية ليست فقط في تعدد مراكز القوة، بل في غياب الدولة الحرة نفسها.

هذا لا يعني أن أي نقاش داخلي فلسطيني حول القرار العسكري أو المرجعية الوطنية هو نقاش غير مشروع. على العكس، هذه مسائل حساسة ومهمة. لكن ترتيب الأولويات هنا حاسم: هل يُبحث تنظيم السلاح في إطار مشروع وطني جامع يحفظ حق المقاومة ويضبط قراره؟ أم يُطرح نزع السلاح كشرط مسبق تفرضه قوى خارجية لتكييف الساحة الفلسطينية وفق حاجات الاحتلال؟ الفارق بين المسارين كبير، بل مصيري.

وفي هذا الإطار، أكد الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حازم قاسم أن قضية سلاح المقاومة "شأن داخلي فلسطيني"، يجب أن تُبحث عبر الحوار الوطني والتوافقات السياسية والميدانية، في إطار تحديد أشكال النضال في المرحلة المقبلة ودور مختلف ساحات العمل الفلسطيني.

وقال قاسم، في تصريحات صحفية سابقة، إن استمرار حديث الاحتلال عن نزع السلاح "يهدف إلى التغطية على جرائم السلاح الإسرائيلي"، مشددًا على أن "السلاح المنفلت والمجرم هو سلاح الاحتلال المدعوم أمريكيًا، الذي استخدم في تدمير قطاع غزة وحصار سكانه وتجويعهم على مدار عامين".

سياقان مختلفان ومصير واحد

في غزة، يرتبط السلاح بحالة حصار وحروب متكررة ومحاولات دائمة لكسر الإرادة الشعبية. لذلك يظهر مطلب نزع السلاح هناك بوصفه مدخلًا لإعادة تشكيل القطاع سياسيًا وأمنيًا، لا مجرد إجراء لخفض التوتر. المطلوب في كثير من الطروحات هو غزة بلا قدرة على الرد، وبلا بنية مقاومة مؤثرة، وبإدارة قابلة للتكييف مع الشروط الصهيونية والدولية.

واليوم هناك بعد آخر خطر، مع انتشار مليشيات وعصابات الاحتلال، فكيف يمكن تخيل نزع سلاح مع حمل هذه العصابات السلاح وممارستها البلطجة والقتل والسطو المسلح.

أما في الضفة الغربية، فالمشهد مختلف شكليًا لكنه متصل في العمق. الاحتلال يعمل أصلًا على ملاحقة أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة، ويعتمد الاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات لتفكيك البنية الميدانية للمقاومين. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا البطش إلى إخماد الدافع للمقاومة، بل إلى تجددها بأشكال متعددة. وهذا يكشف أن السلاح ليس سبب الصراع، بل أحد تجلياته. نزع الأداة لا يزيل السبب ما دام الاحتلال قائمًا ويتمدد.

ما بعد الحرب: من يكتب الشروط؟

في كل مرحلة تالية لعدوان واسع، يعود السؤال نفسه بصيغة أشد ضغطًا: من يدير غزة، ومن يضمن الأمن، ومن يموّل الإعمار، وهل يكون الثمن نزع سلاح المقاومة؟ هذه المعادلة تُطرح عادة كأنها واقعية ولا بديل عنها، لكنها في الحقيقة تحمل افتراضًا خطيرًا: أن الطرف الفلسطيني هو وحده من يجب أن يقدم التنازل الجوهري، بينما يبقى الاحتلال خارج دائرة الإلزام الفعلي.

أي مسار جدي لا يمكن أن يبدأ من تجريد الفلسطيني من عناصر القوة ثم مطالبته بالثقة. المسار الجدي يبدأ بوقف العدوان، ورفع الحصار، وضمان الإعمار، وإنهاء سياسات العقاب الجماعي، وفتح أفق سياسي حقيقي قائم على الحقوق لا على الإدارة الأمنية. بعد ذلك يمكن للفلسطينيين أنفسهم أن يناقشوا شكل المرجعية الوطنية وترتيب البيت الداخلي وعلاقة السلاح بالمشروع السياسي. أما فرض النتيجة من الخارج، فلن ينتج استقرارًا، بل هدنة هشة فوق بركان.

السؤال الأخطر: ماذا يبقى للشعب تحت الاحتلال؟

حين يُطلب نزع سلاح المقاومة من دون معالجة جذور المسألة، يصبح المطلوب فعليًا هو إعادة تعريف الفلسطيني بوصفه جماعة سكانية يجب أن تُدار لا شعبًا له حق في التحرر. وهذا أخطر ما في الخطاب كله. فالقضية هنا ليست تمجيد السلاح لذاته، ولا إنكار كلفة المواجهة الباهظة، بل رفض المعادلة التي تمنح المحتل حق التفوق الدائم وتطلب من الضحية أن تتخلى عن حقها في الردع والدفاع.

الواقعية الحقيقية ليست في تكرار شروط القوة المفروضة، بل في فهم أن أي ترتيب لا يقوم على العدالة لن يصمد. قد تُنتزع الأسلحة بالقوة أو بالضغط أو بالحصار، لكن لا يمكن انتزاع الدافع الذي ولّدها ما دام الاحتلال قائمًا. هذا ما أثبتته فلسطين مرارًا، وما تؤكده تجارب الشعوب الواقعة تحت الاستعمار في كل مكان.

ولذلك، فإن النقاش المسئول حول نزع سلاح المقاومة يجب أن يبدأ من سؤال الحق قبل سؤال الإجراء، ومن سؤال التحرر قبل سؤال الضبط. وما لم يتغير هذا الأساس، سيبقى كل حديث عن الأمن مجرد محاولة لتثبيت أمن الاحتلال على حساب أمن الفلسطيني وكرامته ومستقبله.

في اللحظة التي يختلط فيها السياسي بالإنساني والعسكري بالوطني، يكون هناك حاجة إلى التمييز بين ما يُعرض عليه كحل، وما يُراد له كإخضاع. وهذه التفرقة ليست تفصيلًا نظريًا، بل شرطًا لحماية البوصلة الفلسطينية من أن تُعاد صياغتها بلغة تبدو عملية، بينما تنتهي إلى تجريد الشعب من أحد آخر عناصر القوة في مواجهة احتلال لا يتوقف.