على تلةٍ مطلة على سهول بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله، يقف الفلسطيني نضال وليد ربيع، محدقاً في أرضه التي لم يعد قادراً على الوصول إليها، بعدما حاصرها الاستيطان وقيود الاحتلال، وحوّلتها اعتداءات المستوطنين إلى مساحة معزولة عنه.
يقول ربيع، مشيراً بيده إلى بساتين الزيتون البعيدة: "هذه أرضي، أنظر إليها كل يوم، لكنني لا أستطيع الوصول إليها"، في تلخيص مكثف لتحول العلاقة مع الأرض من معايشة يومية إلى مراقبة قسرية من بعيد.
قصة ربيع تتجاوز كونها حكاية مزارع فقد مصدر رزقه، لتصبح سردية ارتباط طويل بالأرض بدأ منذ الطفولة، حين كان يرافق والده وجده إلى الحقول، مروراً بسنوات اغتراب استمرت نحو 28 عاماً في الولايات المتحدة، لم تنقطع خلالها صلته بأرضه، قبل أن يعود قبل 12 عاماً ليصطدم بواقع مغاير.
يستعيد تلك المرحلة قائلاً: "كنت أعود ثلاث مرات في السنة، ولم أترك الأرض"، مضيفاً: "كنا نذهب إلى الحصاد بعد المدرسة". هذه العلاقة المتجذرة دفعته بعد عودته إلى التخصص في "البذور البلدية"، حيث عمل على جمعها وحفظها وإعادة زراعتها، محافظاً على أصناف تقليدية من الكوسا والفقوس والبندورة.
ويقول: "أصبحت مرجعاً في المنطقة، ومن يريد البندورة البلدية يأتي إليّ من الشمال والجنوب… هذا إرث الأجداد الذي سنحافظ عليه"، موضحاً أنه يعيد زراعة البذور ذاتها لسنوات متتالية للحفاظ على نقائها.
خسائر بالأرقام
غير أن هذا المشروع الزراعي تلقى ضربة قاسية مع تصاعد اعتداءات المستوطنين خلال السنوات الأخيرة، والتي طالت أرضه بشكل مباشر. فقد جُرفت نحو 10 دونمات من أرضه، واقتُلعت أشجار زيتون يزيد عمر بعضها عن 20 عاماً، كانت تنتج نحو 40 تنكة زيت سنوياً، "أما اليوم فلا تنتج شيئاً"، كما يقول.
ولا تقف الخسائر عند هذا الحد، إذ يؤكد ربيع أنه لم يعد قادراً على الوصول إلى نحو 30 دونماً مزروعة بالزيتون، إضافة إلى 6 دونمات أخرى مزروعة بالزيتون والعنب، فيما أُحرقت مساحات أخرى من أرضه، من بينها نحو دونمين من أشجار الزيتون.
ويقدّر ربيع أن ما فقده أو مُنع من الوصول إليه يشكّل نحو 70% من مجمل أرضه البالغة 60 دونماً، وهو ما انعكس مباشرة على إنتاجه الزراعي: “كنت أنتج نحو 150 تنكة زيت سنوياً، أما العام الماضي فلم أنتج سوى 18”.
كما خسر أراضي كان يزرعها بالقمح والشعير والسمسم، بعدما أصبح الوصول إليها "مستحيلاً"، وفق وصفه.
وتأتي هذه الخسائر في سياق تصاعد واسع لاعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، والتي شملت تجريف أراضٍ واقتلاع أشجار وتنفيذ هجمات على منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، غالباً تحت حماية قوات الاحتلال.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، سُجل خلال شهر مارس الماضي 1819 اعتداء، منها 1322 نفذتها قوات الاحتلال و497 نفذها مستوطنون.
الزراعة رمز للصمود
وبرغم هذا الواقع، يصر ربيع على مواصلة العمل الزراعي، إذ استأجر أرضاً بديلة لمتابعة زراعة البندورة والكوسا والفقوس، التي ينتج منها أطناناً سنوياً، ويوفر من خلالها فرص عمل لآخرين.
ويقول: "الأرض تعطي، لكنها تحتاج إلى من يعمل فيها ويحافظ عليها"، مشدداً على أهمية الزراعة في تحقيق الاكتفاء الذاتي والصمود في وجه محاولات السيطرة.
كما يحرص على نقل هذا الارتباط إلى أبنائه وأحفاده، الذين يرافقونه إلى الأرض ليتعلموا العمل الزراعي، ويشاركهم تجربة البيع عبر "بسطة صغيرة"، لتعزيز ارتباطهم بما يسميه "إرث الأجداد".
وبرغم حمله الجنسية الأمريكية، يؤكد ربيع أنه لم يحصل على أي حماية من الاعتداءات، مشيراً إلى أن الملحق العسكري الأمريكي في تل أبيب زار المنطقة واطلع على الواقع، ووعد بتسهيل وصوله إلى أرضه، "لكن حتى اليوم لم يحدث شيء”.
ويشير إلى أن نحو ثلاثة آلاف دونم في المنطقة باتت خارج سيطرة أصحابها، في ظل القيود المتصاعدة.
ومنذ أكتوبر 2023، أسفرت اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية عن استشهاد ما لا يقل عن 1155 فلسطينياً، وإصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين، إلى جانب اعتقال قرابة 22 ألفاً، في سياق تصعيد غير مسبوق يطال الأرض والإنسان معاً.