أثار قرار لمصلحة الشهر العقاري في مصر حمل (رقم 8 لسنة 2026) مخاوف ملايين المصريين الحائزين على أراضي أكبر وأقدم الأوقاف الخيرية بمصر والبالغة مساحتها 420 ألف فدان تمثل ما بين 6 إلى 7 بالمئة من الأراضي الزراعية بمصر، والممتدة في 3 محافظات بشمال الدلتا، كان قد أوقفها أمير عثماني قبل نحو 440 سنة.

يقضي القرار الحكومي، بوقف أي إجراءات أو تعاملات أو تصرفات تتعلق بالأراضي محل حجة "وقف الأمير مصطفى عبدالمنان"، لحين الانتهاء من حصر الأراضي الموزعة على محافظات: الدقهلية (73 ألف و965 فدان)، وكفر الشيخ (256 ألف و830 فدان)، ودمياط (89 ألف و831 فدان)، وتقع جنوب وشمال وشرق وغرب بحيرة "البرلس" ثاني أكبر البحيرات المصرية على البحر المتوسط، بعد "المنزلة".

والأمير مصطفى عبدالمنان، صاحب رتبة عسكرية رفيعة (أمير لواء سلطاني)، بعهد والي مصر التركي سنان باشا، خلال حكم السلطان العثماني مراد الثالث، أقطعه إياها فرمان سلطاني من الملك أبوسعيد برقوق سنة (778 هجرية- 1577 ميلادية)، في مساحة تطل على البحر المتوسط وتقع بين فرعي نهر النيل دمياط ورشيد، وفق وثيقة تداولتها صحف مصرية.

إرهاب كامل الوزير والجهاز العسكري

ما زاد من مخاوف الأهالي الذين يمتلكون حججا من هيئة الأوقاف المصرية هو زيارة وزير النقل بحكومة الانقلاب الفريق كامل الوزير في أبريل الماضي، لمركز سيدى سالم بمحافظة كفر الشيخ واجتماعه بأعضاء البرلمان، خاصة أن الوزير له سوابق في هذا الإطار في التمهيد لطرد الأهالي من أراضي "رأس الحكمة" و"جزيرة الوراق" وغيرها، وتقديم تعويضات غير مرضية، إلى جانب دوره في نزع أراضي الطرق والمحاور الجديدة.

كما أنه وقبل عام من تلك الواقعة وفي مايو 2025، بدأ جهاز "مستقبل مصر" (التابع للقوات الجوية) حصر أراضي بحيرة البرلس بمحافظة كفر الشيخ تمهيدا لتولي إدارتها والسيطرة الكاملة على الإنتاج السمكي بها، هي و14 بحيرة انتقلت تبعيتها له من جهاز "حماية وتنمية البحيرات" الحكومي، في 2024.

وأعرب كثيرون عن مخاوفهم من مصير قاطني جزيرة "الوراق" وسط نيل القاهرة، ومن أن يكون قرار الشهر العقاري، وزيارة الوزير، ومن قبلها حضور جهاز "مستقبل مصر" العسكري للمنطقة والذراع الاستثماري الجديد لقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، خطوة نحو سيطرة الجهاز على تلك الأراضي، مؤكدين أن القرار غير محدد سقفه الزمني، ويعطل مصالح الأهالي.

وتحت عنوان: "السيسي يخطط لسرقة نصف مليون فدان من شمال الدلتا لبيعها لشركات أجنبية"، كتب الناشط والمتخصص في الاجتماع السياسي الدكتور سامي دياب، معربا عن مخاوفه من طرد الأهالي من تلك الأراضي، وظهور مشروعات حكومية أو طرحها أمام مستثمرين أجانب وخليجيين، ومشيرا إلى زيارة كامل الوزير للمنطقة.

واعتبر الصحفي محمد إبراهيم، ذلك التحرك الحكومي بحثا في دفاتر قديمة من التاجر المفلس، محذرا من ردود فعل الأهالي في مدن: "بلطيم" و"جمصة" و"رشيد"، ومن مصادرة مصايفهم وشاليهاتهم وقراهم وحقولهم ومزارعهم.

أهمية سياحية واقتصادية

وللمنطقة أهمية سياحية كبيرة، خاصة أن ذلك الوقف تغطي أراضيه مساحات شاسعة من مدن ساحلية لها تاريخ كبير في السياحة الشاطئية على مدار التاريخ وتضم قرى سياحية وخاصة في شواطئ "بلطيم"، و"جمصة"، و"رأس البر"، و"البرلس"، و"محمية البرلس".

كما أن بها ميناء "دمياط" الذي يجري توسعته وسط تقارير حول استقباله تجارة السلع والنفط والغاز من موانئ أوروبا إلى موانئ السعودية بالبحر الأحمر، وذلك إلى جانب موانئ للصيد، ومناطق اكتشاف بترولي وغاز طبيعي، تمثل موردا هاما من "الرمال السوداء" ذات القيمة التصنيعية العالية وعوائد التصدير للخارج.

ما دفع صحفيين وبينهم الكاتب أحمد إبراهيم للتساؤل: هل ستباع للإمارات، أم أنها عملية نصب كبرى لصالح حيتان مصر، أم خطط سرية لنزع ملكية الأراضي المشبعة بالرمال السوداء؟، أم ماذا؟

موقف متشابك

وأوضح المحامي كريم جمال، من محافظة كفر الشيخ، وأحد الأهالي المتضررين من الأزمة، أن "مساحة 420 ألف فدان ليست كلها بحوزة الأهالي وأن بها أراضي تابعة لأملاك الدولة، وأراضي لجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، وأخرى لمواطنين"، ما يزيد الأمر تشابكا وتعقيدا ويثير التساؤلات حول موقف الأوقاف من الأراضي التابعة لملكية جهات حكومية أخرى.

وقال جمال، إن "موقفنا من موقف الدولة لأن هيئة الأوقاف المصرية في قرار الشهر العقاري بوقف التعامل، أدخلت أراضي أملاك دولة سواء بنظام الريع مقابل الانتفاع أو بنظام البيع بعقود ابتدائية (بيعه) للمواطنين"، مبينا أن "الحجة التي تعرضها الأوقاف غير سليمه وليس لها أساس، والأهالي تعبت من هذا الملف الذي تجدده الأوقاف من عام لآخر"، مؤكدا عدم معرفته بوجود مشروعات يجري التخطيط لها بالمنطقة أو توجه نحو بيع تلك الأراضي لمستثمرين.

وأكد بعض الأهالي، أن "الحكومة تحاول السطو على ممتلكاتنا الموضوعة تحت يدنا وورثناها عن أجدانا والتي كان بعضها يتبع (الإصلاح الزراعي) بعقود بيع وشراء من الدولة للأهالي، بتقديم وثيقة مزعومة من العصر العثماني عن وقف الأمير، لم يتم الكشف عنها حتى الآن".

وألمحوا إلى أن "الدولة تتجاهل حكم القضاء المصري بصحة ملكية الأهالي القانونية والمستقرة لما تحت أيديهم من أراض"، موضحين أن "قرار الشهر العقاري يغل يد الأهالي في البناء والمصالحة على المباني والحصول على خدمات الكهرباء والمياه والبيع والشراء ونقل الملكيات والمواريث".

الموقف القانوني

وفي أول رد فعل على القرار الحكومي، أقام المحامي بالنقض والإدارية العليا أحمد يحيى فايد طعنا إداريا مستعجلا مطالبا بوقف تنفيذ قرار الشهر العقاري، لتحدد محكمة القضاء الإداري، جلسة 13 يونيو المقبل، لنظر الطعن.

وأكد محامي الأهالي، أن القرار المطعون عليه خالف حجية الأحكام القضائية النهائية، موضحا أنه قرار استند إلى ادعاءات هيئة الأوقاف بشأن "حجة الأمير مصطفى عبد المنان"، برغم أن القضاء حسم أمر الحجة بالبطلان والانعدام.

وفي 28 يونيو 2025، قضت "المحكمة الإدارية العليا"، بانتفاء وجود أي سند تاريخي أو مساحي لتلك الحجة، مؤكدة أنها لم ترد بأي مكلفات رسمية طوال 4 قرون، ولم يثبت وجودها بالمراجع والدفاتر المساحية القديمة والحديثة، كما لم تقدم هيئة الأوقاف ما يثبت وضع يدها على تلك الأراضي بأي مرحلة زمنية.

وهو الحكم الذي يأتي تأكيدا لأحكام سابقة في طعون قدمها أهالي "رأس البر" و"السنانية" بدمياط، ومنها (الطعن 6572 لسنة 72) والتي انتهت جميعها إلى أن "حجة الوقف"، مر عليها أكثر من 400 سنة ولم تنفذ على الواقع، وغالبا ما تكون غير مسجلة، ما يثير التساؤلات حول إعادة فتح الحكومة لهذا الملف برغم صدور أحكام قضائية باتة.

تلك التساؤلات لها ما يدعمها بحسب الأهالي الذين يلفتون إلى أن حكم المحكمة الإدارية العليا، كشف عن كتاب لهيئة الأوقاف المصرية برقم "1301" بتاريخ 29 أيار/مايو 1995، برفع الحظر عن كل التصرفات في أراضي هذا الوقف، معربين عن مخاوفهم من أنه وبعد 30 عاما من اعتراف الأوقاف بأحقية الأهالي فيما لديهم من أراضي تعاود فتح هذا الملف.

ويتداول محامون وسياسيون، مقطع فيديو موثق لعضو مجلس الشعب حمدي شلبي عضو "برلمان 2005"، يؤكد فيه أمام المجلس أن لجنة وزارة العدل أكدت أن وزارة الأوقاف لا تملك تلك الأراضي وأن الحجة المقدمة مزورة وفق حكم محكمة مصرية عام 1969.

ويرى مراقبون أن قرار الشهر العقاري الآن، وبالمخالفة لحكم القضاء المصري، ما هو إلا محاولة لسلب تلك المساحات الواسعة من الأراضي، في ظل معاناة الحكومة مع خدمة ديون خارجية تعدت 164 مليار دولار، وعجز الموازنة العامة للدولة، وتأثر إيرادات قناة السويس والسياحة بحرب إيران.

وتفجرت أزمة وقف الأمير العثماني مجددا عقب اعتراض هيئة الأوقاف المصرية على مزاد أعلنت عنه محافظة دمياط 11 مايو الجاري، لبيع 57 وحدة سكنية، بدعوى أن تلك الوحدات تقع ضمن الأراضي التابعة للوقف، فيما خاطبت الهيئة وزارة العدل لإصدار منشور الشهر العقاري، معتمدة في ذلك على قرار مجلس الوزراء في مايو 2025، بتشكيل لجنة لحصر جميع أملاك الهيئة وأراضي الوقف بأرجاء البلاد.

سجل سيء مع أموال وأراضي الأوقاف

ويمثل أهمية خاصة من حكومة الانقلاب، ما لدى هيئة الأوقاف من أملاك ومقرات وأراض ومبان ذات قيمة عالية بجميع محافظات مصر ومدنها وقراها وممتلكات تتجاوز قيمتها تريليون و50 مليار جنيه.

وفي حين تدير الهيئة أكبر محفظة عقارية بالبلاد، بقيمة تبلغ 137 مليار جنيه، وفق نشرة "إنتربرايز"، كشف مصدر حكومي للنشرة الاقتصادية المحلية الاثنين الماضي، عن طرح الحكومة 20 فرصة استثمارية بين القطاعين العام والخاص من محفظة عقارات الهيئة بالنصف الثاني من العام الجاري، تشمل أراضي للاستثمار العقاري ووحدات سكنية ومباني سيتم طرحها لتحويلها لوحدات فندقية ضمن مخطط القاهرة التاريخية.

ومنذ انقلاب العميل الخائن عبدالفتاح السيسي، منتصف 2013، أصدر توجيهات واتخذ قرارات وغير قوانين الوقف، بما يخدم رؤيته لتحويله لمشروعات استثمارية، ما تسبب في تفريغ مفهوم الوقف الأصلي، بكونه عملا خيريا.

وفي العام 2012 وما سبقه، كان الإيجار السنوي للفدان الزراعي يتراوح بين 500 إلى 1500 جنيه حسب موقعه، فيما كانت إيجارات المحلات والمساكن تُقدر بعشرات أو بضع مئات من الجنيهات شهريا، لتشهد فترة ما بعد 2014 تطبيق الهيئة زيادات وصلت إلى 500 % وحتى 2000 %، حيث ارتفعت قيمة إيجار الفدان الواحد بالدلتا والصعيد لما بين 6 إلى 15 ألف جنيه سنويا أو ما يعادل القيمة الإيجارية السوقية.

وهي القيم التي تشهد سنويا زيادات مستمرة، لتسجل في ديسمبر 2025 طفرة برفع الهيئة القيمة الإيجارية للفدان المنزرع 3 أضعاف مرة واحدة من 15 ألف جنيه إلى 45 ألفا، ولأكثر من ذلك لأراضي البساتين، مع رفع قيم إيجارات المنازل السكنية.

ولم تكتف حكومة الانقلاب برفع القيم الإيجارية للأراضي والمساكن والأنشطة التجارية، بل تقوم بحصر ممتلكات الأوقاف من أراض، ومبان، ومشروعات، ومساهمات بشركات، منذ تشكيل أول لجنة في يوليو 2016، ليصدر وزير الأوقاف السابق مختار جمعة القرار (رقم 274) بما يسمح لهيئة الأوقاف التصرف ببعض الأصول بالبيع في  نوفمبر 2016، ليدعو الخائن السيسي في ديسمبر 2017، لحصر وتقييم ممتلكات الأوقاف واستثمارها.

وفي العام 2022، أقر برلمان الانقلاب مشروع قانون الوقف الخيري، "صندوق الاستثمار الخيري بوزارة الأوقاف"، برئاسة مصطفى مدبولي، الذي طالب في مايو الماضي بإجراء حصر شامل ومُميكن لجميع أملاك هيئة الأوقاف، لتعظيم استغلال الأصول بطرحها للشراكة مع القطاع الخاص.

تلك الإجراءات التي تتعدى على خصوصية أموال وأراضي الأوقاف، وتثير عدم مشروعية التصرف فيها وفق الشرع والقانون؛ وتثير قلق المصريين الذين بحوزتهم أراض زراعية وتلك المنزرعة بمساحات واسعة من المحاصيل البستانية والأشجار الدائمة والمقيمون في مساكن تابعة لهيئة الأوقاف، أو بنوا مساكن في أراض تابعة لها.