في الوقت الذي يبدو فيه عدوان الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة مفتوحا على مزيد من التصعيد العسكري والضغط الإنساني، تتكشف ملامح مشروع سياسي وأمني يجري محاولة تمريره بهدوء، لا يقوم على إنهاء الحرب بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل غزة جغرافيًا ووظيفيًا، عبر خلق واقع إداري وأمني جديد يبدأ من شرق القطاع ويمتد تدريجيًا لإبقاء القطاع تحت هيمنة الاحتلال.

المشروع الذي يتحدث عنه محللون فلسطينيون لا يقوم على تقسيم رسمي معلن، بل على صناعة "غزتين" داخل القطاع الواحد؛ شرق يخضع لإدارة مشروطة أمنيًا وسياسيًا، ويحصل على الحد الأدنى من الإعمار والخدمات، وغرب يُترك تحت ضغط التجويع والقصف والانهيار الإنساني، بما يدفع السكان قسرًا نحو التموضع داخل النموذج الجديد.

وبينما تتعثر مفاوضات وقف الحرب، وتتزايد مؤشرات الانهيار الإنساني، يرى مراقبون أن ما يجري ليس مجرد ترتيبات مؤقتة، بل محاولة لإنتاج بنية حكم انتقالية فوق جغرافيا مدمرة، تُدار بإشراف دولي ورعاية أمنية مرتبطة بالاحتلال.

لجنة تكنوقراط على أنقاض الحرب

الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة يرى أن ما يُطرح حاليًا يتجاوز فكرة الإدارة المدنية المؤقتة، ليصل إلى محاولة بناء سلطة بديلة في مناطق محددة من القطاع.

ويقول في تصريح صحفي إن المدير التنفيذي لما يُعرف بـ"مجلس السلام" في غزة، نيكولاي ملادينوف، يدفع باتجاه تشكيل لجنة إدارية تكنوقراطية تتولى إدارة القطاع، على أن يرتبط أي تقدم في ملفات الإعمار أو الانسحاب الصهيوني أو نقل الحكم بملف سلاح المقاومة.

وبحسب عفيفة، فإن الطرح يقوم على قاعدة واضحة مفادها أن ملف السلاح يُعامل باعتباره شرطًا سابقًا لأي مسار سياسي أو إنساني، وهو ما يجعل الإعمار نفسه أداة ضغط سياسية وأمنية.

ويضيف أن المقترحات المتداولة تتحدث عن دخول اللجنة الإدارية إلى المناطق التي قد ينسحب منها الاحتلال شرق غزة، لتتولى إدارة الشئون المدنية هناك، بالتزامن مع نشر قوة شرطة جديدة تحظى بدعم عربي، بما يشجع السكان على الانتقال إلى تلك المناطق.

شرق غزة.. نواة "الكيان الوظيفي"

لا يتعامل عفيفة مع الخطة باعتبارها مجرد ترتيبات إدارية، بل يصفها بأنها محاولة لإنتاج "نموذج حكم انتقالي" يبدأ من المناطق الشرقية الواقعة قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ثم يتحول تدريجيًا إلى بديل إداري وأمني عن الواقع القائم في بقية القطاع.

ويشير إلى أن أخطر ما في المشروع أنه يمنح الاحتلال ما عجز عن فرضه كاملًا عبر الحرب المباشرة؛ أي تقسيم غزة وظيفيًا دون إعلان سياسي رسمي.

فوفق هذا التصور، تصبح المناطق الشرقية مساحة تخضع لإدارة مقيدة أمنيًا، ومفتوحة على إعمار محدود ومشروط، فيما تبقى المناطق الغربية غارقة في الحصار والفوضى الإنسانية والتصعيد العسكري.

وبرغم ذلك، يؤكد عفيفة أن هذه الخطة لا تزال تصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها غياب التوافق الفلسطيني، ورفض المقاومة للشروط المطروحة، إضافة إلى تجاهلها لمطلب الانسحاب الصهيوني الكامل وتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من أي اتفاق.

إعادة توزيع السكان بالقوة

من جهته، يحذر الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة من أن ما يجري الإعداد له شرق القطاع ليس مجرد منطقة إدارية جديدة، بل مشروع لإعادة هندسة الكتلة السكانية داخل غزة.

ويقول في تصريح صحفي إن الخطة تقوم على السماح للجنة إدارة غزة، برئاسة علي شعث، بالعمل داخل المناطق الشرقية التي يسيطر عليها الاحتلال، وهي المناطق التي تُوصف بـ"المنطقة الصفراء".

ويرى أبو شمالة أن المشروع يهدف عمليًا إلى دفع السكان من غرب غزة – حيث الدمار الكثيف وانهيار مقومات الحياة – نحو مناطق يجري تجهيزها شرقًا، بما يخلق واقعًا ديموجرافيًا جديدًا.

ويضيف أن هذا التحول لا ينفصل عن أهداف أوسع تتعلق بنزع الملكية، وتفكيك البنية الرمزية والسياسية لمخيمات اللاجئين، وإعادة تشكيل الحياة المدنية في القطاع بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية طويلة المدى.

مجلس السلام.. إعادة السيطرة بأدوات حديثة

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن ما يُطرح تحت عنوان "مجلس السلام" وإدارة غزة بعد الحرب، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ترتيبات إدارية أو مقاربات تقنية مرتبطة بإعادة الإعمار، بل باعتباره مشروعًا سياسيًا وأمنيًا متكاملًا يستهدف إعادة تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني، وإنتاج نموذج حكم وظيفي يخدم – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – الرؤية الصهيونية للقطاع.

ويقول شاهين إن الخطة المطروحة تقوم على إعادة تدوير أدوات السيطرة التقليدية بصيغ حديثة، عبر تفكيك غزة إلى كانتونات إدارية ومناطق نفوذ معزولة تحت عناوين "الحكم الرشيد" و"الإدارة الإنسانية"، في محاولة لإفراغ وحدة الشعب الفلسطيني من مضمونها الوطني والتاريخي، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى جماعات سكانية خاضعة لإعادة هندسة ديموغرافية وأمنية.

ويضيف أن غزة التي خاضت – على مدار الحرب – واحدة من أعنف معارك الصمود في وجه الإبادة والتدمير، لا يمكن اختزالها في نموذج "السلام الاقتصادي"، ولا إخضاعها لمسارات سياسية تنتقص من السيادة الوطنية تحت غطاء المساعدات والإعمار.

ويؤكد شاهين أن ما يسمى "مجلس السلام" يفتقر – من الناحية القانونية والسياسية – إلى أي شرعية تمثيلية، معتبرًا أنه كيان يتجاوز المرجعيات الوطنية الفلسطينية، ويتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفق المواثيق الدولية.

وبحسب شاهين، فإن أي محاولة لإخضاع مناطق في شرق غزة لإدارة مشروطة بموافقة الاحتلال تمثل اعتداءً مباشرًا على وحدة الأرض الفلسطينية، وانتهاكًا لمبدأ السلامة الإقليمية، فضلًا عن كونها محاولة لفرض وصاية سياسية وأمنية مقنعة بأدوات إنسانية وتنموية.

ويرى أن هذه المقاربات لا تنفصل عن مسار أوسع يهدف إلى تكريس وقائع سياسية جديدة داخل القطاع، عبر خلق طبقة إدارية معزولة عن الحاضنة الشعبية، تتولى إدارة الشأن المدني ضمن شروط أمنية يفرضها الاحتلال، بما يؤدي تدريجيًا إلى إعادة تشكيل البنية السياسية والاجتماعية الفلسطينية.

ويشدد شاهين على أن مواجهة هذه المشاريع تتطلب إعادة بناء حالة وطنية موحدة تستند إلى الثوابت الفلسطينية، وترفض أي ترتيبات تنتقص من السيادة أو تعيد إنتاج الانقسام الجغرافي والسياسي داخل غزة.