في مخيم إيواء صغير يقع غرب مخيم النصيرات، يجلس عشرات الأطفال في محيط خيام متلاصقة، يحاول بعضهم ابتكار ألعاب من بقايا الأخشاب أو قطع البلاستيك المتناثرة.

لا توجد حديقة عامة قريبة، ولا ملعب مجهز، ولا مركز متخصص يستوعب أوقاتهم الطويلة، وبينما يتبادل الكبار الحديث عن المساعدات وإعادة الإعمار والهدنة، يقضي الأطفال ساعاتهم في الانتظار.

بالنسبة لآلاف الأطفال في غزة، لم تعد الحرب مجرد حدث مرّ وانتهى، بل واقع ترك بصماته على تفاصيل الحياة اليومية، فرغم الهدنة الهشة التي خففت من حدة القصف، فإن آثار الحرب ما زالت تحيط بالأطفال من كل جانب، بدء من المنازل المدمرة والمدارس المتضررة أو المهدمة، وصولاً إلى غياب المساحات التي يفترض أن تمنحهم فرصة للعب والتعلم والتفاعل الاجتماعي.

وتحذر منظمات أممية ومختصون في شئون الطفولة من أن التحدي الذي يواجه أطفال غزة اليوم لا يقتصر على الاحتياجات الأساسية من غذاء ومأوى ورعاية صحية، بل يشمل أيضاً أزمة متنامية تتعلق بالفراغ النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الأطفال في بيئة تفتقر إلى المساحات الآمنة والأنشطة المنظمة.

طفولة مؤجلة

في الظروف الطبيعية، يقضي الأطفال جزءاً كبيراً من يومهم في المدارس والحدائق والساحات الرياضية ومراكز الأنشطة المختلفة، أما في غزة، فقد أدت الحرب وما رافقها من دمار واسع ونزوح متكرر إلى تقلص هذه المساحات بشكل كبير.

فكثير من الحدائق العامة تعرضت لأضرار مباشرة أو أصبحت غير صالحة للاستخدام، فيما تحولت بعض المدارس والمرافق العامة إلى مراكز إيواء للنازحين خلال فترات طويلة.

وحتى بعد تراجع حدة العمليات العسكرية، لا تزال آلاف الأسر تعيش في مساكن مؤقتة أو في مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من المرافق الترفيهية المخصصة للأطفال.

ويقول عاملون في المجال الإنساني لمراسل "المركز الفلسطيني للإعلام"، إن الأطفال يقضون ساعات طويلة دون أنشطة منظمة أو برامج منتظمة تستوعب طاقتهم واحتياجاتهم النفسية، وهو ما ينعكس على سلوكهم وصحتهم النفسية وقدرتهم على التكيف مع الظروف المحيطة.

اللعب ليس رفاهية

غالباً ما يُنظر إلى اللعب باعتباره نشاطاً ترفيهياً فقط، إلا أن خبراء الطفولة يؤكدون أنه عنصر أساسي في النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات.

ويرى خبراء حماية الطفل في منظمة "يونيسف"، أن المساحات الصديقة للطفل والأنشطة الترفيهية المنظمة تشكل جزء أساسياً من عملية التعافي بعد النزاعات، لأنها تمنح الأطفال فرصة للتعبير عن مشاعرهم واستعادة الروتين اليومي والشعور بالأمان.

وفي هذا السياق، أكد جوناثان كريكس، المتحدث باسم "يونيسف" في فلسطين، في تصريحات إعلامية سابقة، أن غالبية أطفال غزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي، وأن الحرب تركت آثاراً عميقة على الصحة النفسية للأطفال في القطاع.

ويرى أن أطفال غزة يحتاجون إلى أكثر من مجرد مساعدات إنسانية طارئة، مشيراً إلى أهمية توفير بيئات آمنة تساعدهم على التعلم واللعب والتعافي من آثار الحرب.

فراغ يهدد التعافي

ويحذر مختصون من أن الفراغ الطويل الذي يعيشه الأطفال قد يتحول إلى أحد أخطر التحديات في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة مع غياب مهم لدور المدارس نتيجة تدميرها وعملها بشكل جزئي وغير مستقر.

فالطفل الذي لا يجد مدرسة مستقرة أو مساحة للعب أو مركزاً مجتمعياً يحتضنه، يصبح أكثر عرضة للانسحاب الاجتماعي والاضطرابات النفسية وصعوبات التعلم. كما أن غياب الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية يحرم الأطفال من فرص مهمة لتطوير مهاراتهم وبناء علاقاتهم الاجتماعية.

ويؤكد العاملون في برامج حماية الطفل أن كثيراً من الأطفال يحتاجون اليوم إلى ما هو أكثر من جلسات الدعم النفسي التقليدية؛ فهم بحاجة إلى أماكن يستطيعون فيها استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية، والتفاعل مع أقرانهم، وممارسة أنشطة تناسب أعمارهم.

أزمة تتجاوز الأرقام

تتحدث التقديرات الأممية عن احتياجات غير مسبوقة للأطفال في قطاع غزة، فوفق بيانات وكالات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من مليون طفل إلى خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي، في وقت ما تزال فيه المؤسسات الإنسانية تواجه تحديات كبيرة في تلبية هذا الطلب المتزايد.

وفي مارس 2026، قالت سيما العلامي، مسئولة برامج اليافعين والشباب في صندوق الأمم المتحدة للسكان، إن غالبية الأطفال في غزة تعرضوا لمستويات مرتفعة من الخوف والضغوط النفسية خلال فترة الحرب، مؤكدة الحاجة إلى توسيع خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال واليافعين.

غير أن هذه الاحتياجات تتجاوز الجانب العلاجي المباشر، لتشمل توفير بيئة مجتمعية تسمح للأطفال باستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، وهو ما لا يزال محدوداً في كثير من مناطق القطاع.

وبرغم الجهود التي تبذلها المؤسسات المحلية والدولية، فإن حجم الدمار واتساع نطاق الاحتياجات يجعلان الاستجابة أكثر تعقيداً.

فبحسب تقارير أممية حديثة، لا يزال الطلب على خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي يتجاوز القدرات المتاحة، كما أن كثيراً من البرامج تنفذ في إطار الاستجابة الطارئة، بينما يحتاج الأطفال إلى خدمات مستدامة تمتد لسنوات، نظراً للطبيعة طويلة الأمد للآثار النفسية والاجتماعية للحرب.

ويشير مختصون إلى أن التركيز على إعادة بناء البنية التحتية وحدها لن يكون كافياً لتحقيق التعافي الحقيقي، إذا لم يترافق مع استثمار جاد في بناء المساحات المجتمعية المخصصة للأطفال.

وفي غزة اليوم، لا تتعلق إعادة الإعمار بالمباني فقط، بل بإعادة بناء البيئة التي تسمح للأطفال بالنمو بشكل صحي وآمن، فالحدائق العامة، والملاعب، والمراكز الثقافية، والمساحات الصديقة للطفل، ليست مشاريع ترفيهية ثانوية، بل مكونات أساسية في عملية التعافي المجتمعي.

ويرى مختصون أن الاستثمار في هذه المرافق يمكن أن يسهم في الحد من آثار الصدمات النفسية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومنح الأطفال فرصة لاستعادة جزء من طفولتهم التي فقدوها خلال سنوات الحرب.

ومع استمرار الهدنة الهشة وتباطؤ جهود إعادة الإعمار، يبقى مئات الآلاف من الأطفال عالقين بين آثار الماضي ومخاوف المستقبل، وبين الخيام والأحياء المدمرة، يحاولون ابتكار مساحات صغيرة للعب والحياة، في انتظار أن تتحول إعادة الإعمار من إعادة بناء الحجر إلى إعادة بناء الطفولة نفسها.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الأكبر هو ترميم ما دمرته الحرب من مباني، بل ترميم السنوات التي فُقدت من حياة جيل كامل نشأ في ظلها.