برغم مرور نحو 8 أشهر على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إلا أن الهدوء الذي كان ينتظره السكان لم يتحول إلى شعور حقيقي بالأمان والراحة النفسية.

فما بين غارات الاحتلال المتواصلة، والاغتيالات المستمرة، والقيود على تدفق المساعدات والسلع الأساسية، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني حالة من القلق والترقب الدائم، فيما تتفاقم أزمة الصحة النفسية بصورة غير مسبوق.

ويؤكد مختصون في الصحة النفسية أن آثار الحرب لا تنتهي بمجرد توقف القصف واسع النطاق، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيداً تتمثل في التعامل مع الصدمات النفسية المتراكمة والخوف المزمن وعدم اليقين بشأن المستقبل.

خوف مستمر ومستقبل مجهول

وفي مختلف مناطق القطاع، يصف السكان حياتهم بأنها "معلقة بين الحرب والسلم"، فالخوف والتوتر الناتج عن انتهاكات الاحتلال المستمرة يجعل كثيرين يعيشون في حالة استنفار نفسي دائم، ويحول دون عودة الإحساس بالاستقرار.

المواطن علاء عبد الرحمن، وهو أب لخمسة أطفال من مخيم النصيرات، يقول إن حياته لم تعد كما كانت قبل الحرب رغم مرور أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

ويقول في حديث لـ "المركز الفلسطيني للإعلام": "القصف القوي والعنيف المتواصل توقف وهذا صحيح لكننا ما زلنا نعيش الخوف نفسه، كلما سمعنا صوت طائرة أو انفجار في مكان قريب نشعر أن الحرب عادت من جديد، لا أستطيع النوم بشكل طبيعي، وأستيقظ عدة مرات خلال الليل لأتأكد أن أطفالي بخير.

ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي إلى 936 شهداء، إضافة إلى 2860 إصابة، إلى جانب تسجيل 781 حالة انتشال.

أما "أم مهران" (35 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال نزحت أكثر من مرة خلال الحرب، فتصف حياتها اليومية بأنها "حرب نفسية مستمرة”.

وتؤكد لـ :المركز الفلسطيني للإعلام"، أنها تعيش في حالة خوف وقلق دائمين، وتقول: "أخاف من انقطاع الطعام وعودة المجاعة، وأخاف من عودة القصف، وأخاف على مستقبل أولادي، رغم أنني أحاول أن أبدو قوية أمامهم”.

وتكشف أنها تبكي في بعض الأحيان دون سبب واضح، ويساورها شعور بمرور سنوات طويلة خلال فترة قصيرة.

أما الشاب حمادة ربيع (22عاماً) فيرى أن الأزمة النفسية أصبحت جزء من حياة جيله، ويؤكد أنه بات يعاني من التوتر والعصبية بشكل مستمر، ويفكر طوال الوقت في المستقبل الذي لا يرى أي ملامح واضحة له.

وقال لـ "المركز الفلسطيني للإعلام": "عندما نجلس مع الأصدقاء لا نتحدث سوى عن الحرب والخسائر والهموم، وبات من الصعب أن تجد شخصاً لم يتأثر نفسياً بما حدث”.

معطيات مخيفة

ومع استمرار معاناة السكان نتيجة إصرار الاحتلال على استمرار حرب الإبادة وانتهاك اتفاق وقفها، تشهد المراكز والعيادات النفسية إقبالاً متزايداً من المواطنين الباحثين عن المساعدة.

ويصف مختصون هذا التوجه بأنه نتيجة طبيعية لتراكم الضغوط والصدمات على مدار سنوات الحرب، حيث باتت مشكلات الصحة النفسية أكثر وضوحاً وأقل ارتباطاً بالوصمة الاجتماعية مقارنة بالماضي.

وتشير تقارير ميدانية إلى انتشار أعراض مثل الكوابيس الليلية، والتبول اللاإرادي، وصعوبات التركيز، والخوف المفرط من الأصوات المفاجئة، فيما أصبحت الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي للأطفال أكبر من قدرة المؤسسات الصحية الحالية على الاستجابة.

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية "أوتشا"، كشف في تقريره الإنساني الصادر بتاريخ 15 مايو 2026، أن الطلب على خدمات إدارة الحالات المتخصصة، والدعم النفسي والاجتماعي، وتدخلات الحماية ما زال يتجاوز القدرات المتاحة.

أما منظمة الصحة العالمية، فوصفت في ندائها الصحي الطارئ للأراضي الفلسطينية المحتلة لعام 2026، الأثر النفسي للحرب على غزة بأنه "عميق"، مبينة أن نحو مليون شخص في غزة يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي.

وفي تقرير "غزة التي نريدها" المنشور في فبراير 2026، أوضحت "يونيسف" أن قرابة مليون طفل تعرضوا لتجارب حرب وصدمات شديدة.

وبينت أن الأطفال أنفسهم طالبوا بشكل متكرر بتوفير خدمات الدعم النفسي إلى جانب الرعاية الصحية الجسدية.

وتقول الأمم المتحدة إن حياة الفلسطينيين في غزة ما تزال تتسم بالنزوح والصدمات النفسية وعدم اليقين والحرمان، وهي عوامل تؤثر مباشرة على الصحة النفسية وتزيد من معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة.

مستقبل غامض يفاقم الأزمة

ويرى خبراء أن استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني تمثل أحد أبرز العوامل التي تمنع التعافي النفسي، فالسكان لا يعرفون ما إذا كان وقف إطلاق النار سيصمد، ولا متى ستبدأ عملية إعادة الإعمار بصورة حقيقية، ولا متى ستعود الخدمات الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية

وتحذر الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من أن استمرار القيود على المساعدات وتكرار أعمال العنف يهددان بتعميق الأزمة الإنسانية والنفسية على حد سواء، ويجعلان التعافي أكثر صعوبة بالنسبة لمجتمع أنهكته الحرب والنزوح والخسائر البشرية الهائلة.

في غزة، لا يقاس وقف إطلاق النار فقط بعدد الأيام التي تمر دون حرب شاملة، بل بقدرة الناس على استعادة الشعور بالأمان.

وحتى الآن، يبدو أن السلام النفسي ما يزال بعيد المنال، فبين الخوف من عودة التصعيد، وصعوبة الحياة اليومية، واستمرار الصدمات المتراكمة، يعيش سكان القطاع واقعاً نفسياً هشاً يحتاج إلى دعم طويل الأمد وخطط جادة للتعافي المجتمعي، قبل أن تتحول آثار الحرب النفسية إلى جرح ممتد لأجيال قادمة.