عاشت مدينة غزة ليلة من أصعب الليالي التي شهدتها خلال الفترة الأخيرة، بعد سلسلة غارات صهيونية متزامنة استهدفت عدداً من الشقق السكنية المأهولة في مناطق متفرقة من المدينة، ما أسفر عن استشهاد تسعة مواطنين وإصابة أكثر من 15 آخرين، بينهم نساء وأطفال.

هذه الليلة أعادت إلى الأذهان ما حدث فجر 18 مارس 2025، حين قرر الاحتلال العودة للحرب مرة أخرى وخرق الاتفاق الأول لوقف إطلاق النار.

وبحسب معطيات ميدانية وشهادات فرق الإنقاذ، بدأت الهجمات عند الساعة الثانية وخمس وثلاثين دقيقة من فجر الخميس، حين تعرضت أربع شقق سكنية في أحياء الشاطئ والشيخ رضوان وتل الهوى لاستهدافات متزامنة، الأمر الذي تسبب بحالة من الذعر بين السكان.

شهداء وجرحى

وسارعت طواقم الدفاع المدني والإسعاف إلى مواقع القصف فور تلقي البلاغات، حيث عملت في ظروف ميدانية معقدة على إخلاء المصابين وانتشال الشهداء من بين الركام، وسط تحديات كبيرة ناجمة عن نقص المعدات ووسائل الإنقاذ اللازمة للتعامل مع الحوادث واسعة النطاق.

وأفاد الدفاع المدني بأن من بين الشهداء طفلين من ذوي الاحتياجات الخاصة من عائلة لبد، إضافة إلى ثلاث نساء، فيما توزعت الإصابات بين حالات متفاوتة الخطورة، نقلت إلى المستشفيات والمراكز الطبية لتلقي العلاج.

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل إن طواقم الدفاع المدني استجابت لجميع البلاغات الواردة وتعاملت مع مواقع الاستهداف كافة رغم النقص الحاد في الإمكانات والموارد.

وأوضح أن فرق الإنقاذ تواجه صعوبات متزايدة في أداء مهامها نتيجة استمرار الاستهدافات واتساع حجم الاحتياجات الإنسانية مقارنة بالإمكانات المتاحة.

وأضاف أن محدودية المعدات الثقيلة وأدوات البحث والإنقاذ تشكل عائقاً أمام الوصول السريع إلى الضحايا في بعض الحالات، خاصة عندما تتعرض المباني السكنية لأضرار كبيرة أو انهيارات جزئية نتيجة القصف.

وشهدت الأحياء المستهدفة حالة من الاستنفار طوال ساعات الفجر، حيث توافد الأهالي إلى محيط المواقع المستهدفة بحثاً عن أقاربهم أو للمساعدة في عمليات الإخلاء، بينما تواصلت جهود فرق الإنقاذ لساعات للتأكد من عدم وجود مفقودين أو محاصرين تحت الأنقاض.

وفي الشوارع المحيطة بمواقع القصف، بدت آثار الدمار واضحة على المباني والمحال التجارية والمركبات المتوقفة، فيما تناثرت شظايا الزجاج وقطع الخرسانة في محيط المناطق المستهدفة، ما عكس حجم القوة التدميرية للغارات.

وأكد الدفاع المدني أن استمرار استهداف المناطق السكنية المكتظة بالسكان يفاقم من حجم المخاطر الإنسانية ويزيد من الضغوط الواقعة على طواقم الطوارئ والإنقاذ، خاصة في ظل استمرار تراجع القدرات التشغيلية ونقص الوقود والمعدات وقطع الغيار اللازمة لاستمرار عمل فرق الاستجابة.

ومع بزوغ ساعات الصباح الأولى، خيم الحزن على العائلات التي فقدت أبناءها في هذه الهجمات، فيما توافد المواطنون إلى المستشفيات ومنازل الضحايا للمشاركة في مراسم التشييع وتقديم واجب العزاء.

جرائم تستمر دون توقف

وتأتي الغارات التي استهدفت مدينة غزة فجر اليوم الخميس، في سياق سلسلة متواصلة من الهجمات الصهيونية التي تشهدها مناطق مختلفة من القطاع رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن.

ووفق معطيات رسمية، أسفرت الهجمات الصهيونية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار عن استشهاد ما لا يقل عن 930 فلسطينياً وإصابة 2859 آخرين، فيما تتواصل عمليات القصف وإطلاق النار في عدة مناطق من القطاع بصورة شبه يومية.

وارتكب الاحتلال أكثر من 3 آلاف انتهاكا لوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 وحتى أواخر مايو 2026، شملت غارات جوية وقصفاً مدفعياً وإطلاق نار مباشر.

وأكدت مؤسسات أممية وإنسانية أن الوضع الأمني في غزة لا يزال بعيداً عن الاستقرار، مشيرة إلى استمرار الهجمات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين رغم مرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار.

وحذرت هذه المؤسسات من أن استمرار الأعمال العسكرية وتقييد وصول المساعدات الإنسانية يفاقمان الأزمة الإنسانية ويقوضان فرص تثبيت التهدئة.