في قطاعٍ أنهكته حرب الإبادة واستنزفته موجات النزوح المتكررة، يواصل مئات آلاف الفلسطينيين في غزة حياتهم داخل خيام مؤقتة، وسط ظروف إنسانية تتدهور يوماً بعد آخر، ومخاوف متزايدة من اتساع العمليات العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة تدفع بالمزيد من العائلات نحو المجهول.
ومنذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، تحولت الخيام ومراكز الإيواء إلى مشهد يومي ثابت في أنحاء القطاع، بينما باتت العودة إلى البيوت المدمرة أو المناطق الأصلية حلماً بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر التي فقدت الاستقرار والأمان ومصادر رزقها، لتجد نفسها اليوم بين نزوح متواصل وأزمة إنسانية تتعمق مع مرور الوقت.
نزوح متكرر بلا نهاية
في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، يجلس الحاج محمد زعرب داخل خيمة متواضعة تحولت إلى مأواه منذ شهور طويلة، مستعيداً رحلة نزوح امتدت من رفح إلى أكثر من منطقة داخل القطاع.
ويقول إن الحرب لم تمنح العائلات فرصة للاستقرار أو التقاط الأنفاس، فكلما ظن النازحون أنهم وصلوا إلى مكان أكثر أمناً، أجبرتهم التطورات الميدانية على المغادرة من جديد.
ويضيف أن قرار النزوح لم يعد مرتبطاً فقط بالخطر المباشر، بل أصبح أكثر تعقيداً مع غياب أي مكان آمن، وافتقار كثير من الأسر إلى وسائل النقل أو القدرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الانتقال.
الخط الأصفر.. واقع جديد يضيق المساحة
ومع استمرار الحرب، تتزايد المخاوف داخل غزة من تداعيات ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو شريط عازل توسع خلال الأشهر الماضية، وأدى إلى تقلص المساحة المتاحة أمام السكان بشكل كبير.
ويرى فلسطينيون في القطاع أن هذا الواقع يضاعف من الضغط الإنساني على مناطق النزوح، ويؤدي إلى تكدس أكبر داخل الخيام ومراكز الإيواء، في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات المحلية والدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ومع كل توسع ميداني جديد، تتزايد حالة القلق بين السكان من أن يصبح النزوح الطويل أمراً دائماً، خصوصاً مع تواصل تدمير منازل وأراضٍ زراعية في مناطق واسعة من القطاع.
حياة يومية تحت القصف
وداخل المخيمات، لا تتوقف المعاناة عند ضيق المكان أو فقدان الخصوصية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
تقول لمياء القهوجي، وهي أم لأربعة أطفال نزحت من بني سهيلا، إن العائلات تعيش حالة انتظار مرهقة، لا تعرف خلالها إن كانت ستعود إلى منازلها أو إن كانت تلك البيوت ما زالت قائمة أساساً.
وتوضح أن الخيام لم تعد تقي من الحر أو الغبار أو الحشرات، فيما يزداد العبء على العائلات مع نقص المياه الصالحة للشرب، وغياب الخدمات الصحية، وانقطاع التعليم عن آلاف الأطفال.
أما في مواصي خان يونس، فيصف أبو أنس ضهير المشهد خلال الأيام الأخيرة بأنه "مزيج دائم من الخوف والفوضى"، مع استمرار الغارات وسقوط الشظايا قرب أماكن الإيواء، ما يدفع العائلات إلى الركض من مكان إلى آخر في محاولة للنجاة.
أزمة إنسانية تتسع
إلى جانب المخاوف الأمنية، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع بصورة متسارعة.
فمع تراجع المساعدات الغذائية وتقليص برامج الإغاثة، باتت آلاف الأسر تواجه صعوبة متزايدة في توفير الطعام بشكل يومي، بينما ارتفعت مستويات الحاجة إلى المياه والمستلزمات الأساسية والرعاية الصحية.
وتقول عائلات نازحة إن الأولويات اليومية باتت تتركز حول تأمين وجبة واحدة أو الحصول على كمية مياه تكفي لساعات قليلة، في ظل ارتفاع الأسعار وندرة كثير من الاحتياجات الأساسية.
كما ينعكس الضغط الاقتصادي والنفسي على تفاصيل الحياة الاجتماعية داخل المخيمات، مع ازدياد الشعور بالإرهاق والقلق وغياب أي مؤشرات واضحة على انفراج قريب.
انتظار مفتوح على المجهول
ومع استمرار الحرب والحصار، يبقى سكان قطاع غزة أمام واقع ثقيل يتجاوز فقدان البيت والمكان، إلى شعور يومي بعدم اليقين.
فالعائلات التي أنهكتها شهور طويلة من النزوح، لا تعرف متى تنتهي الحرب، ولا أين سيكون الملاذ التالي، بينما تتحول الخيام تدريجياً إلى مساحة معلقة بين حاضر شديد القسوة ومستقبل لا تزال ملامحه غائبة.
وفي ظل هذا المشهد، يواصل النازحون في غزة انتظارهم الطويل، محاصرين بين الخيام والدمار وضيق المساحة، فيما تبقى العودة إلى الحياة الطبيعية أمنية مؤجلة وسط واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة.