اتهمت منظمة العفو الدولية، في تقرير جديد لها اليوم الأربعاء، حكومة الاحتلال الصهيوني بقيادة حملة تطهير عرقي ممنهجة في المنطقة المصنّفة (ج) في الضفة الغربية، مفندةً الرواية التي تختزل ما يجري في "أفعال معزولة" يرتكبها مستوطنون "مارقون" أو وزراء يوصفون بـ"المتطرفين".
وخلصت المنظمة إلى أن عنف المستوطنين جزء لا يتجزأ من سياسة الدولة، وأن الضمّ الفعلي للأراضي الفلسطينية يجري على مرأى من العالم وبتواطؤ صريح أو ضمني من المجتمع الدولي.
وتقول الأمينة العامة للمنظمة أنياس كالامار إن "ما نشهده ليس سوى ضمّ متعمد تقوده الدولة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي يتجلى أمام أنظار العالم بأسره"، مضيفةً أن "هذه الانتهاكات لا تحدث بسبب بعض العناصر الفاسدة، بل إن عنف المستوطنين هو جزء لا يتجزأ من حملة تطهير عرقي مدعومة من الدولة، تشكّل ركيزة أساسية للحفاظ على نظام الأبارتهايد الإسرائيلي".
أرقام الضمّ والتهجير
ويستند التقرير إلى مقابلات مع 45 فلسطينياً من 12 تجمعاً مهدداً أو مهجراً، إضافة إلى 19 من المحامين والناشطين والصحافيين وممثلي منظمات إسرائيلية وفلسطينية، والتحقق من 420 صورة ومقطع فيديو، ومراجعة وثائق رسمية وصور أقمار صناعية. وقد تناولت أبحاث المنظمة 27 تجمعاً بدوياً ورعوياً في المنطقة (ج) تعرض للتهجير القسري بين عامي 2023 و2025، أو لا يزال يواجه خطره.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، تعرض ما لا يقل عن 117 تجمعاً ذا أغلبية بدوية ورعوية لتهجير قسري كلي أو جزئي بين يناير2023 وإبريل 2026، وبلغ عدد المهجرين قسراً 5,910 فلسطينيين على الأقل حتى نهاية إبريل 2026. وفي المقابل، أنشأ المستوطنون 363 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، 212 منها منذ عام 2023، وسط امتناع شبه كامل للسلطات عن تفكيكها رغم لا قانونيتها بمعيار القانونين الصهيوني والدولي. وتشمل هذه البؤر عشرات البؤر الرعوية التي يستخدمها المستوطنون للاستيلاء على مساحات شاسعة عبر "الرعي".
وفي ثلاث سنوات فقط، ارتفعت الميزانية السنوية لوزارة الاستيطان والمهام الوطنية بنسبة 122%، لتبلغ 764 مليون شيكل (254.5 مليون دولار) عام 2026. وطرحت خلال الفترة 2023-2025 خطط لبناء 50,785 وحدة استيطانية، فيما صادق المجلس الأعلى للتخطيط في 2025 وحده على 27,941 وحدة، وهو أعلى رقم سنوي على الإطلاق. كما أعلنت الحكومة عن 102 مستوطنة جديدة حتى إبريل 2026، وهو رقم قياسي في تاريخ الكيان لحكومة واحدة. في المقابل، هدمت السلطات 3,407 منازل ومنشآت فلسطينية في المنطقة (ج)، ما أدى إلى تهجير 2,996 فلسطينياً إضافياً. ومن أصل نحو 58% من أراضي المنطقة (ج) غير المسجلة، استولت إسرائيل حتى فبراير2026 على نصفها عبر إعلانها "أراضي دولة".
نية الدولة في الضمّ
وتذكر المنظمة بأن حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ عام 1967 انتهجت سياسات تهويد للضفة، غير أن الحكومة الحالية (السابعة والثلاثين)، بقيادة حزب الليكود وبتحالف مع "القوة اليهودية" (إيتمار بن غفير) و"الصهيونية الدينية" (بتسلئيل سموتريتش)، حولت الضمّ الرسمي إلى هدف سياسي معلن، وأدمجت أولويات الحركة الاستيطانية في صلب سياسة الدولة، متبنية رؤية "إسرائيل الكبرى" في تحد صريح لقرارات الأمم المتحدة، ولفتوى محكمة العدل الدولية الصادرة عام 2024، التي أعلنت عدم مشروعية الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية.
وتتجلى هذه النية، بحسب التقرير، في الدعوات الصريحة لبسط "السيادة" الصهيونية على الأرض المحتلة، ونقل الصلاحيات في الضفة من الإدارة العسكرية إلى مدنية في انتهاك للقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن تبسيط إجراءات المصادقة على المستوطنات، والشرعنة بأثر رجعي للبؤر الاستيطانية، وتصاعد إعلانات "أراضي الدولة"، والقيود النُظمية على تنقّل الفلسطينيين ووصولهم إلى الأرض والمياه.
عنف المستوطنين أداةً للتهجير
ويوثق التقرير تصاعداً غير مسبوق في عنف المستوطنين المدعوم من الدولة، مع ارتفاع بنحو سبعة أضعاف في الهجمات المرتبطة بالمستوطنين على التجمعات البدوية والرعوية بين عامي 2020 و2024، بحسب الأمم المتحدة. وتتراوح الأساليب بين الاقتحام والحرق والتخريب وتدمير مصادر المياه والألواح الشمسية، وصولاً إلى الضرب والطعن وإطلاق النار، ومنع الوصول إلى المراعي، وسرقة المواشي وقتلها، وإتلاف المحاصيل.
وبعد السابع من أكتوبر 2023، خففت السلطات الإسرائيلية شروط ترخيص الأسلحة الخاصة، وزودت آلاف المستوطنين بأسلحة وزي رسمي، حتى صار من الصعب على الفلسطينيين التمييز بين الجنود والمستوطنين. وبحلول يناير2026، تجاوز عدد المرخص لهم 240 ألف صهيوني، أي 15 ضعف المعدل السنوي السابق البالغ 8,000 رخصة في المتوسط.