لم يعد الموظف الحكومي في قطاع غزة ينتظر راتباً كاملاً أو حتى جزءاً ثابتاً منه، بل بات يترقب موعد صرف دفعة مالية محدودة لا تتجاوز ألف شيكل كل نحو مائة يوم، في وقت تشهد فيه أسعار السلع الأساسية ارتفاعاً متواصلاً وتتعاظم فيه الاحتياجات الإنسانية والمعيشية لعشرات آلاف الأسر التي كانت تعتمد على الرواتب الحكومية كمصدر دخل رئيسي.

والموظف الحكومي لمجرد أنه مسجل موظفا في السجلات الرسمية التي تعتمد عليها غالبية المؤسسات والجمعيات الإغاثية، فإنه في كثير من الأحيان يحرم من المساعدات التي يتم توزيعها، ما جعل كونه موظفا عبئا جديدا بدل أن يكون ميزة تشير إلى الاستقرار المالي والاقتصادي حتى ولو بالحد الأدنى.

ويقول موظفون حكوميون إن ما تصرفه الإدارة الحكومية في غزة، لم يعد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة لأيام معدودة، خاصة مع اضطرارهم لشراء المواد الغذائية والمياه ومستلزمات الحياة اليومية بأسعار مرتفعة، فضلاً عن معاناة إضافية تتمثل في استلام جزء من المبالغ بأوراق نقدية مهترئة يرفض العديد من التجار التعامل بها أو يقبلونها بعد خصم جزء من قيمتها.

عجز وقهر وديون تتراكم

الموظف الحكومي "أبو أحمد" (44 عاماً)، وهو يعمل شرطيا وأب لخمسة أطفال، يقول إن حياته تغيرت بالكامل بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة، وبات غير قادر على توفير احتياجات أسرته الأساسية.

ويقول "أبو أحمد" في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام: "ألف شيكل كل ثلاثة أشهر تقريباً لا تكفي لسداد جزء بسيط من الديون المتراكمة علينا، أصبحت أشتري الطعام بالدين، وأؤجل احتياجات أطفالي الأساسية باستمرار، في كثير من الأحيان يطلب أبنائي أشياء بسيطة ولا أستطيع توفيرها لهم”.

وبين أنه كان يعتمد على الراتب لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، أما اليوم فيشعر بالعجز أمام أسرته، وأصبح همه الأكبر توفير الطعام والمياه، وفق قوله.

المعلمة في القطاع الحكومي "أم سائد" (38 عاماً)، فتقول إن الأزمة لم تعد تقتصر على الجانب المادي فقط، بل امتدت إلى الجانب النفسي والاجتماعي.

وتقول في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام: "أصبحنا نعيش على الديون والمساعدات، وكل دفعة مالية تصل تذهب مباشرة لتسديد جزء من الالتزامات المتراكمة، ولا يوجد أي شعور بالأمان أو الاستقرار"

وترى أن الأصعب من قلة المبلغ الذي يصرف على فترات زمنية متباعدة تزيد أحيانا على 100 يوم، هو عدم معرفة موعد الصرف القادم، مبينة أن ذلك يفشل أي محاولة للتخطيط لأي شيء، حتى شراء الاحتياجات الأساسية أصبح أمراً معقدا، وفق قولها.

ويشير موظفون آخرون إلى مشكلة إضافية تتمثل في استلام الدفعة المالية بأوراق نقدية تالفة أو مهترئة، الأمر الذي يضعهم في مواجهة يومية مع التجار وأصحاب المحال.

الموظف في وزارة الأوقاف "أبو سليم" (45 عاماً)، يشتكي من رفض غالبية التجار الأوراق القديمة أو يخصمون جزءاً من قيمتها، وقال للمركز الفلسطيني للإعلام: "نحن أصلاً نتلقى مبالغ قليلة جداً، ثم نخسر جزءاً منها بسبب حالة العملة المتداولة”.

اتساع دائرة الفقر

يؤكد مختصون اقتصاديون أن الموظفين الحكوميين الذين كانوا يصنفون سابقاً ضمن فئة الطبقة المتوسطة أصبح كثير منهم اليوم ضمن الفئات الفقيرة، نتيجة تراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتأتي هذه الأزمة في ظل واقع اقتصادي وإنساني يعد من الأسوأ في تاريخ القطاع، حيث تشير تقديرات أممية وتقارير اقتصادية حديثة إلى أن أكثر من 90% من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر، بينما تجاوزت معدلات البطالة 80% نتيجة انهيار الأنشطة الاقتصادية وتوقف معظم مصادر الدخل. كما تعتمد الغالبية الساحقة من الأسر على المساعدات الإنسانية والغذائية للبقاء على قيد الحياة.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن غالبية سكان القطاع يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يقدر عدد المحتاجين للمساعدات الغذائية بمئات الآلاف من الأسر التي فقدت مصادر رزقها خلال السنوات الأخيرة.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات الدولية عن مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي في القطاع، يجد الموظف الحكومي نفسه في مواجهة معادلة صعبة، دخل شبه معدوم، وأسعار مرتفعة، واحتياجات أسرية متزايدة، ومستقبل اقتصادي غامض.

ومع استمرار أزمة الرواتب وعدم وجود مؤشرات واضحة على عودة الانتظام المالي، تتسع دائرة الفقر والعوز بين الموظفين الحكوميين في غزة، لتتحول شريحة كانت تشكل ركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إلى واحدة من أكثر الفئات معاناة واحتياجاً، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع بأكمله.