نشرت صحيفة "إل باييس" الإسبانية تقريرا يسلط الضوء على استكمال مخطط تهجير سكان قطاع غزة، عبر فرض خطط من الخارج لإعادة الإعمار ورفض أي خطط فلسطينية.

ونقلت الصحيفة في هذا التقرير عن المهندس المعماري الصهيوني إيال وايزمان، مؤسس منظمة "فورنسيك آركيتكتشر"، "أن إسرائيل والولايات المتحدة تفرضان خططًا لإعادة إعمار غزة تهدف ضمنيًا إلى إبادة الحياة الفلسطينية"، مؤكدا أن الإبادة الجماعية مستمرة في القطاع من خلال استراتيجية التخطيط العمراني الاستعماري.

وأوضحت الصحيفة أن التدمير المتعمد للبنى التحتية والمباني والمستشفيات وشبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والأراضي الزراعية يعدّ من أشكال الإبادة الجماعية وفق "اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" والتي تم اعتمادها عام 1948.

ولفتت الصحيفة إلى أن المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، الذي صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية" في كتابه الصادر عام 1944 "حكم المحور في أوروبا المحتلة"، انتبه إلى خطورة القتل البطيء للشعوب من خلال "تدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية"، مستحضراً كيف حوّل النازيون الغيتوهات ومعسكرات العمل القسري إلى وسائل للإبادة.

تدمير ممنهج

وأوضحت الصحيفة أنه بعد مرور عامين ونصف على أحداث السابع من أكتوبر 2023، تحوّل الجزء الأكبر من قطاع غزة بمدنه ومخيماته ومدارسه وجامعاته ومساجده وبنيته الصحية والزراعية إلى ركام.

ووفقاً للصحيفة، فإن التدمير الممنهج دفع الفلسطينيين إلى جيوب ضيقة سماها جيش الاحتلال "مناطق آمنة وإنسانية"، في حين أنها لم تكن سوى مناطق قاحلة ومكتظة تفتقر لأدنى مقومات السكن والخدمات الطبية، وتتعرض لقصف مستمر.

كما لعبت الجرافات الصهيونية دورا محوريا في تدمير الأراضي الزراعية الخصبة شرقي غزة مما أدى إلى طمس مدن وقرى ومخيمات بأكملها، مثل رفح وبيت حانون وجباليا.

وأشارت الصحيفة إلى المخاطر البيئية بعيدة المدى جراء حرب الإبادة الصهيونية، حيث ينضح حطام المباني المدمَّرة بمواد كيميائية سامة تتسرب إلى التربة، فضلاً عن القنابل التي تخلّف وراءها معادن ثقيلة كاليورانيوم والرصاص والزرنيخ، وهي مواد تستغرق عقوداً للتحلل، مما يحول المكان إلى بيئة "لا يمكن لأي كائن بشري العيش فيها"، وفقا للجنرال الصهيوني السابق جيورا إيلاند.

الإبادة الثقافية

وقالت الصحيفة إن ليمكين أدرك أن مقومات الحياة لا تقتصر على البنية التحتية التي تُمكّن من الوجود البيولوجي فحسب، بل تشمل أيضًا الاستمرارية الاجتماعية والثقافية: المباني الدينية، والمدارس، والمكتبات، والمواقع التراثية.

وأضافت الصحيفة أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 لم تتضمن مفهوم "الإبادة الثقافية" الذي اقترحه ليمكين لأن القوى الإمبريالية العظمى، مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، التي كانت آنذاك تسعى لقمع الثورات المناهضة للاستعمار، أرادت تعريفًا غير محدد للإبادة الجماعية.

كما عارضت هذا المسعى الدول التي نشأت من مستوطنات استعمارية - أستراليا والولايات المتحدة وكندا - والتي دمرت تراث وثقافة ولغة الشعوب الأصلية.

وفي غزة، تم تدمير المباني الدينية والمدارس والمكتبات والمواقع التراثية، تماما مثلما تم تدمير  الحقول وموارد المياه وقطاع الصيد لحرمان السكان من الطعام.

احتلال دائم

وربطت الصحيفة بين هذه الآليات والأوامر التي أصدرها الاحتلال في 13 أكتوبر 2023 بإخلاء مدينة غزة ودفع سكان الشمال نحو الحدود المصرية, وإزاء رفض الكثير من الفلسطينيين المغادرة خشية تكرار نكبة 1948، وتشديد مصر الرقابة على حدودها مع القطاع، عمدت إسرائيل إلى حشر الفلسطينيين في مساحات تزداد ضيقاً بانتظار فرصة تهجير قادمة، مستخدمة التدمير الشامل خارج تلك المناطق لمنع السكان من العودة إلى ديارهم.

وعقب "وقف إطلاق النار" الحالي الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، قسّم جيش الاحتلال غزة إلى منطقتين يفصلهما "خط أصفر"، مسيطرا على 54 في المائة من مساحة القطاع، ثم قام منذ ذلك الحين بتوسيع المنطقة التي يسيطر عليها.

وفي هذا الإطار، كشفت منظمة "فورنسيك آركيتكتشر" في تحقيق استقصائي عن بناء سد ترابي جديد يمتد على طول الخط الأصفر، بالإضافة إلى إنشاء سبعة مواقع عسكرية جديدة أُقيم أحدها فوق مقبرة.

ورصدت المنظمة تعبيد الطرقات وتمديد شبكات الكهرباء والإنارة نحو هذه المواقع في الأشهر الأخيرة، مما يؤكد أنها لم تعد منشآت مؤقتة كما روجت لها خطة مخطط ترامب، بل تحولت إلى أدوات احتلال دائم.

وقالت الصحيفة إن السكان والنازحين في المنطقة الواقعة غرب الخط الأصفر، والخاضعة لإدارة حماس، يعيشون وسط الأنقاض والمخيمات المكتظة، في ظل مخاوف من انتشار الأوبئة، وتراكم النفايات، وتدفق مياه الصرف، وانهيار النظام الصحي.

وأكدت الصحيفة أن الاحتلال لا يزال تتحكم بشكل مطلق في تدفق المساعدات، والتي عُلقت مؤقتاً في مارس بالتزامن مع الهجوم الأمريكي الصهيوني المشترك على إيران، كأداة لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة أو الموت البطيء.

استكمال مخطط التهجير

واعتبرت الصحيفة أن مشاريع التطوير المعقدة التي تم طرحها لإعادة إعمار غزة ما هي إلا وسيلة للتغطية على واقع تدمير الحياة الفلسطينية، ورأت في وصف الرئيس الأمريكي للقطاع بأنه "موقع هدم" مؤشراً على أن خطط التطوير تقتضي الإخلاء التام ودفع السكان للهجرة نحو "أماكن بديلة" لتنوب المشاريع العقارية عن الآلة العسكرية في تنفيذ مخططات التهجير.

وحسب الصحيفة، كانت هدنة أكتوبر 2025 فرصة لـ "تحديث المشروع"، حيث عرض جاريد كوشنر في منتدى دافوس الخرائط الهندسية لـ "مجلس السلام" تحت اسم مشروع "شروق الشمس"،  ويتضمن المخطط بناء 180 ناطحة سحاب فاخرة وخلفها مجمعات سكنية وصناعية تفصلها طرق تتبع حرفياً المسارات العسكرية التي شقها الجيش الإسرائيلي لتقسيم القطاع، مع إخفاء المنطقة العازلة في الشرق تحت غطاء أراضٍ زراعية.

وقد رصدت "فورنسيك آركيتكتشر" أعمال بناء في منطقة بمساحة كيلومتر مربع شرقي رفح خاضع لسيطرة الاحتلال، وتبين من وثائق عسكرية أمريكية مسربة أنه مشروع تجريبي لبرنامج "المجتمعات الآمنة البديلة".

ويهدف المخطط إلى حشر عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مجمعات سكنية محاطة بأسوار ونقاط تفتيش بيومترية مع تقديم تسهيلات ومساعدات مادية "للراغبين في الهجرة والخروج إلى الخارج".

رفض البدائل الفلسطينية

وأشارت الصحيفة إلى الإقصاء التام للمخططين والمعماريين الفلسطينيين الذين قدموا بدائل للإعمار، أبرزها "مبادرة فينيكس غزة" التي قدمتها رابطة البلديات بالتعاون مع خبراء في الداخل والخارج.

وتقوم المبادرة الفلسطينية على تتبع الملكيات بدقة وإعادة بناء الأحياء والمخيمات مثل جباليا ورفح للحفاظ على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي عبر إشراك السكان وإيوائهم قرب منازلهم التي تم تدميرها.

وخلصت الصحيفة إلى أن فرض المخططات الخارجية يؤكد دقة الوصف الذي قدمه ليمكين للمعمار في سياق جريمة الإبادة، إذ كتب أن "الإبادة الجماعية تتكون من مرحلتين"، تتمثل الأولى في "تدمير النموذج الوطني للجماعة المضطهدة"، وهو ما فعله الاحتلال من خلال القصف، والثانية قيام المحتل بفرض مشاريعه المعمارية على المنطقة وما تبقى من سكانها