بينما يحتفي العالم باليوم العالمي للاجئين تحت شعارات التضامن والحماية والبحث عن حلول دائمة للنزوح القسري، يحيي الفلسطينيون المناسبة هذا العام وسط مشهد أكثر تعقيداً وقسوة، مع استمرار الحرب في قطاع غزة، وتصاعد عمليات التهجير في الضفة الغربية، وتجدد المخاوف من استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، الشاهد الدولي الأبرز على واحدة من أطول قضايا اللجوء في التاريخ الحديث.

وتؤكد المعطيات الفلسطينية أن قضية اللاجئين لا تزال تمثل جوهر الصراع الفلسطيني الصهيوني، في ظل استمرار معاناة ملايين اللاجئين داخل الوطن وفي الشتات، بعد مرور 78 عاماً على النكبة.

6.2 ملايين لاجئ و42% من سكان فلسطين

وفي هذا السياق، قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة شئون اللاجئين أحمد أبو هولي إن اللاجئين الفلسطينيين يشكلون نحو 42% من إجمالي سكان دولة فلسطين، فيما يبلغ عدد اللاجئين المسجلين لدى وكالة "الأونروا" قرابة 6.2 ملايين لاجئ موزعين على 58 مخيماً رسمياً.

وأوضح أبو هولي أن عدد الفلسطينيين حول العالم بلغ نحو 15.5 مليون نسمة، مشيراً إلى أن أكثر من 171 ألف فلسطيني استشهدوا منذ نكبة عام 1948، بينهم 74,176 شهيداً منذ السابع من أكتوبر 2023، إضافة إلى نحو 11 ألف مفقود ما زالوا تحت الأنقاض.

وأكد أن قضية اللاجئين الفلسطينيين تمثل "القضية الإنسانية والحقوقية الأطول والأكثر عمقاً في التاريخ الحديث"، في ظل استمرار ما وصفه بالظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني.

غزة ومخيمات الضفة.. تهجير متواصل وتدمير واسع

وتحدث أبو هولي عن واقع مأساوي تعيشه مخيمات اللاجئين في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، مؤكداً أنها تواجه مرحلة غير مسبوقة من التدمير والاستهداف.

وأشار إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني تعرضوا للنزوح القسري المتكرر داخل قطاع غزة، بينما شهدت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وبلاطة في شمال الضفة الغربية عمليات عسكرية متواصلة أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمنازل وشبكات المياه، وأسفرت عن تهجير أكثر من 40 ألف لاجئ.

ورأى أن هذه السياسات تستهدف تقويض رمزية المخيم الفلسطيني بوصفه شاهداً حياً على حق العودة.

خارطة نزوح معقدة وأوضاع إنسانية متدهورة

وبحسب المعطيات التي عرضها أبو هولي، يتمركز نحو مليون نازح حالياً في 862 موقع نزوح داخل قطاع غزة، تتوزع الكتلة الأكبر منهم في محافظة خان يونس، تليها المحافظة الوسطى، فيما تعيش آلاف العائلات في منشآت مدمرة ومراكز إيواء مؤقتة في محافظتي غزة والشمال.

وأكد أن البيئة المعيشية داخل المخيمات ومواقع النزوح باتت تشكل خطراً مباشراً على حياة السكان، نتيجة تدمير معظم شبكات المياه والصرف الصحي وانتشار الأمراض والأوبئة، بالتزامن مع تفاقم المجاعة واعتماد غالبية النازحين على المساعدات الإنسانية.

الأونروا في دائرة الاستهداف

وحذر أبو هولي من التحديات الوجودية التي تواجه وكالة "الأونروا"، مشيراً إلى ما وصفه بمحاولات صهيونية متواصلة لتقويض عمل الوكالة وإنهاء تفويضها الدولي عبر استهداف منشآتها والضغط لتجفيف مصادر تمويلها.

وأكد أن استهداف الوكالة لا يقتصر على خدماتها الإنسانية، بل يستهدف أيضاً مكانتها القانونية والسياسية باعتبارها شاهداً دولياً على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم.

دعوات فلسطينية لتحرك دولي عاجل

من جانبها، دعت وزارة الخارجية للسلطة الفلسطينية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، واتخاذ خطوات عملية لمنع التهجير القسري وضمان احترام قرارات الشرعية الدولية.

وجددت الوزارة دعمها الكامل لوكالة "الأونروا"، مؤكدة أن أي محاولات للمساس بولايتها أو استبدالها لن تغير الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين أو تنتقص من حقوقهم غير القابلة للتصرف.

كما شددت على أن العودة حق فردي وجماعي ثابت لا يسقط بالتقادم، وأن تحقيق السلام العادل والشامل يمر عبر إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

الأمم المتحدة: اللاجئون بحاجة إلى حماية وحلول دائمة

على المستوى الدولي، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تعزيز التضامن مع اللاجئين حول العالم والعمل على حمايتهم، مؤكداً أن ملايين الأشخاص ما زالوا يضطرون إلى مغادرة منازلهم بسبب النزاعات والاضطهاد.

وفي رسالة بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، شدد غوتيريش على أهمية احترام القانون الدولي للاجئين وحماية الحق في طلب اللجوء، والعمل على إيجاد حلول تضمن للاجئين حياة آمنة وكريمة وفرصاً حقيقية للاعتماد على الذات.

غزة نموذج صارخ للتهجير القسري

وفي سياق متصل، وصف رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران ما يجري في قطاع غزة بأنه أحد أوضح الأمثلة المعاصرة على التهجير القسري، مؤكداً أن صرخات الأطفال والنساء والمدنيين الذين فقدوا منازلهم وأحباءهم تمثل نداءً للضمير الإنساني العالمي.

وأكد دوران أن تركيا ستواصل دعمها للقضايا العادلة والدفاع عن حقوق المظلومين، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني.

العودة ليست يوتوبيا

وفي قراءة للواقع الفلسطيني في يوم اللاجئ العالمي، قال صانع المحتوى والباحث الدكتور عاصم الجرادات إن الفلسطينيين لم يتخلوا يوماً عن حقهم في العودة، لكن استمرار الاحتلال والاستيطان وتراجع فاعلية النظام الدولي جعل هذا الحق يبدو بالنسبة لأجيال كاملة وكأنه "يوتوبيا فلسطينية".

وأضاف أن السؤال الحقيقي ليس لماذا يتمسك الفلسطيني بحقه في العودة، بل لماذا فشل العالم في إنهاء أطول قضية لجوء في التاريخ الحديث برغم مرور أكثر من سبعة عقود على نشأتها.

وأكد أن حق العودة سيبقى جزءاً أصيلاً من الوعي الوطني الفلسطيني ما دام الظلم قائماً والعدالة غائبة.

تضامن عالمي مع اللاجئين الفلسطينيين

وتزامناً مع اليوم العالمي للاجئين، شهدت عدة دول فعاليات تضامنية دعماً للاجئين الفلسطينيين ورفضاً لسياسات التهجير.

ففي العاصمة المغربية الرباط، نظم ناشطون وجمعيات حقوقية وقفة أمام البرلمان المغربي رفع خلالها المشاركون شعارات داعمة لحق العودة ومنددة بالانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

كما شهدت كوريا الجنوبية مسيرة جماهيرية حاشدة دعماً للفلسطينيين في قطاع غزة وتأكيداً على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، في مشهد يعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوعي الإنساني العالمي رغم مرور عقود على النكبة.