لم تكن رغد عاشور تعلم أن صباح ذلك اليوم سيحمل النهاية لحلمٍ رافقها سنوات طويلة، وأن اسمها سيُضاف إلى قائمة الشهداء قبل أن تتمكن من تحقيق طموحها بأن تصبح طبيبة.

في قطاع غزة، حيث تتقاطع الأحلام يوميًا مع الموت، يواصل الطلبة مسيرتهم التعليمية برغم الحرب وما خلفته من خوف ودمار، متمسكين بأمل صناعة مستقبل أفضل.

وبينما كانت رغد عائدة إلى منزلها، كانت تسير نحو قدر آخر لم يخطر ببال أحد.

لم تكن رغد عاشور تعلم أن صباح ذلك اليوم سيحمل النهاية لحلمٍ رافقها سنوات طويلة، وأن اسمها سيُضاف إلى قائمة الشهداء قبل أن تتمكن من تحقيق طموحها بأن تصبح طبيبة.

مساء اليوم السابق، جلست رغد بين أفراد عائلتها وصديقتها المقربة إسراء مروان.

ضحكت كثيرًا، وتبادلت الأحاديث والذكريات، وبدا على وجهها ذلك الفرح الهادئ الذي اعتاده الجميع.

لم يكن أحد يدرك أن تلك الساعات ستكون الأخيرة، وأن ابتسامتها ستتحول مع شروق الشمس إلى ذكرى موجعة.

اغتيال لرحلة لم تكتمل

وفي صباح اليوم التالي، استهدفت طائرات الاحتلال مركبة في شارع شركة جوال غرب مدينة غزة أثناء عودتها إلى منزلها، لتنتهي حياة رغد قبل أن تتمكن من إكمال رحلتها التعليمية، وقبل أن تخطو الخطوات الأولى نحو الحلم الذي عاشت من أجله سنوات طويلة.

لم تكن رغد طالبة عادية. كانت الابنة الوحيدة لوالدتها بين خمسة أشقاء، وكانت تدرس في الصف الحادي عشر، وتحمل قصة بدأت بالفقد مبكرًا جدًا. فعندما كانت في عامها الثاني فقط، فقدت والدها الذي استشهد في مصر إثر مضاعفات مرضية وتليف أصابه خلال رحلة جمع فيها بين الدراسة والعلاج.

كبرت رغد وهي لا تعرف ملامح أبيها إلا من خلال الصور، لكن شيئًا واحدًا ظل حاضرًا في حياتها أكثر من أي صورة؛ حلمه الذي ورثته عنه. كانت تريد أن تصبح طبيبة.

 

تقول عمتها أم محمود بصوت يثقله البكاء: “رغد لم تتوقف يومًا عن الاجتهاد. كانت تدرس بإصرار كبير، وتتحمل التعب من أجل الوصول إلى المعدل الذي يؤهلها لدخول كلية الطب. كانت ترى في ذلك تحقيقًا لحلم والدها قبل أن يكون حلمها هي”.

وتضيف بحرقة: "كانت تقول دائمًا إنها تريد أن تصبح طبيبة مثلما كان يتمنى أبوها. كان شهيد علم، وكانت تسير على خطاه".

 

أما صديقتها المقربة إسراء مروان، فما زالت عاجزة عن استيعاب الخبر.

تقول: "كانت معي الليلة الماضية. جلسنا طويلًا، وضحكنا كثيرًا، وتحدثنا عن الأيام القادمة، وكانت تستعد لحضور فرح ابنة خالتها يوم الإثنين، وكانت مصرة على البقاء معنا وقتًا أطول”.

وتتابع بصوت مكسور: "استيقظت على خبر استشهادها، شعرت أن الدنيا توقفت. لو كان أي شخص آخر ربما كنت سأحاول تقبل الأمر، لكن رغد كانت عندي قبل ساعات فقط. كانت تضحك وكأنها تودعنا دون أن نعلم".

وتصفها قائلة: "كانت من أطيب الناس الذين عرفتهم، محبة للحياة، متفوقة في دراستها، وذات أخلاق عالية. لم تكن تشبه أحدًا".

الحلم بارتداء معطف الطب الأبيض

الصدمة لم تتوقف عند أصدقائها، فقد كانت والدتها التي ربت ابنتها يتيمة الأب تنتظر أن تراها تكبر وتحقق حلمها الذي طالما تحدثت عنه.

كانت تحلم بأن ترى ابنتها المتفوقة ترتدي المعطف الأبيض وتبدأ رحلتها نحو الطب، لكن الحرب سبقتها إلى ذلك الحلم.

ويقول خالها مجد عاشور: "نحن من ربينا رغد بعد رحيل والدها. عاشت وهي تحمل حلمه، وماتت وهي متمسكة به. كانت تريد أن تصبح كما أراد لها أبوها".

رحيل قبل اكتمال الحلم

ورحلت رغد تاركة خلفها مقعدًا فارغًا في صفها الدراسي، وكتبًا لم تكمل قراءتها، وأمًا لن ترى ابنتها تحقق الحلم الذي انتظرته سنوات، وصديقات ما زلن يبحثن عن تفسير لغيابها المفاجئ.

وتردد إسراء السؤال الذي بات يتكرر على ألسنة كثيرين في غزة: "ما ذنب رغد؟ إلى متى سنعيش هذا الخوف؟ أصبحنا نخشى حتى السير في الشوارع".

لم تتمكن رغد من إكمال مرحلتها الدراسية أو الوصول إلى كلية الطب التي رسمتها في أحلامها، لكنها رحلت وهي تحمل قصة كاملة من الصبر والكفاح والانتظار.

رحلت الفتاة التي عاشت عمرها تبحث عن أثر والدها في الصور، لتنتهي رحلتها ملتحقة به، تاركة وراءها حلمًا لم يكتمل، ووجعًا سيبقى طويلًا في قلوب كل من عرفها.

​و ​نعت وزارة التربية والتعليم العالي، ببالغ الحزن والأسى، الطالبة في الصف الحادي عشر، رغد حسين عاشور، التي ارتقت شهيدة اليوم الاثنين إثر قصف إسرائيلي غادر استهدف مدينة غزة.

​ويأتي ارتقاء الطالبة عاشور لينضم إلى سلسلة الاستهدافات المستمرة بحق الطلبة، حيث كان قد استشهد قبل يومين فقط الشقيقتان الطالبتان، زينة ولانا حسين الصفدي، في قصف صهيوني مماثل استهدف قطاع غزة ، مؤكدة أن هذه الجرائم تمثل انتهاكاً صارخاً لكافة المواثيق الدولية والحق الإنساني الأساسي في التعليم والحياة الآمنة.

​وطالبت الوزارة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والتعليمية حول العالم بـ«تدخل دولي عاجل وفوري» للجم اعتداءات الاحتلال، وتوفير الحماية الكاملة للطلبة والكوادر التعليمية والمؤسسات التربوية التي تواجه استهدافاً مستمراً.

​وتقدمت الأسرة التربوية بكل طواقمها بخالص التعازي والمواساة لعائلات الشهيدات وزملائهن، سائلين المولى عز وجل أن يتغمدهن بواسع رحمته ويسكنهن فسيح جناته ويلهم ذويهن الصبر والسلوان.