في تطور لافت يهدد بتبديد الآمال المعقودة على تنفيذ مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، انتقل الخلاف بشأن تفسير بنود الاتفاق من الأروقة الدبلوماسية إلى الميدان. فبعد أسبوع من التوقيع الذي كان يفترض أن يمهد لمفاوضات الملف النووي خلال ستين يوماً، اندلعت اشتباكات ليلية بين طهران وواشنطن الجمعة، وتجددت لليلة الثانية على التوالي، لتطرح تساؤلات جوهرية عن مصير "مذكرة إسلام أباد" وقدرتها على الصمود أمام هذه التحديات المتصاعدة.

تعود جذور هذه الاشتباكات إلى محاولة الولايات المتحدة فتح مسار عبور بديل للمسار الإيراني في مضيق هرمز، ما دفع الحرس الثوري الإيراني إلى إطلاق النار على السفن التي حاولت استخدام هذا المسار وإصابة عدد منها. وقد اعتبرت واشنطن هذا الإجراء خرقاً للاتفاق، فيما تؤكد طهران أنّ ترتيبات حركة المرور في المضيق تقع ضمن صلاحياتها استناداً إلى البند الخامس من الاتفاق المؤقت، معتبرة أن استحداث واشنطن مساراً بديلاً يُعد انتهاكاً فعلياً للاتفاق. وفي ظل تبادل الاتهامات، شنّت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" ليل الجمعة ـ السبت هجمات على مناطق ساحلية في جنوب إيران، ولا سيما في منطقة سيريك، وهي هجمات قللت طهران من أهميتها، معلنة في الوقت ذاته أنها ردّت بضرب أهداف أمريكية في المنطقة.

كذلك تكررت الهجمات الأمريكية، الليلة الماضية، حيث استهدفت، بحسب الحرس الثوري الإيراني، خمسة مواقع مراقبة ساحلية. وبدوره، أعلن الحرس الثوري أنه رداً على هذا الهجوم، استهدف "ثماني منشآت بنيوية مهمة" تابعة للولايات المتحدة في قاعدة علي السالم بالكويت والأسطول الخامس بالبحرين. وهدد بأنّ التعامل مع السفن التي تحاول عبور المسار الذي أنشأته الولايات المتحدة في مضيق هرمز "سيكون أكثر صرامة"، متوعّداً بأن الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية سيكون أقوى من ذي قبل.

خيارات طهران للرد

وفي هذا السياق، كشف مصدر إيراني مطلع لـ"العربي الجديد" أنّ طهران بعثت خلال اليومين الماضيين "رسائل شديدة اللهجة" إلى الجانب الأمريكي عبر الوسطاء، أوضحت فيها أنّ التحرّكات الأمريكية في مضيق هرمز، من خلال السعي لفتح ممر بديل، وكذلك الهجمات الأخيرة، تمثل "تهديداً جوهرياً لمستقبل مذكرة التفاهم".

وأضاف المصدر أن الجهات الإيرانية المعنية تدرس حالياً، إلى جانب الرّد العسكري المباشر، مجموعة من الإجراءات الدبلوماسية أيضاً للردّ على "الخروق" الأمريكية للمذكرة، من بينها تعليق المفاوضات الفنية مع الجانب الأمريكي وعدم المشاركة فيها قبل إنهاء تلك الخروق. كذلك لم يستبعد المصدر الإيراني أن تقدم طهران على خطوات إضافية أخرى في حال استمرار الهجمات والتحركات الأمريكية في مضيق هرمز، مشيراً إلى أن فرص إجراء المفاوضات المتعلقة بقضايا الاتفاق النهائي "تراجعت بشكل كبير" في ظل هذه التطورات الساخنة.

تقويض الإدارة الإيرانية للمضيق

إلى ذلك، قال القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين كنعاني مقدم، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ الولايات المتحدة تواصل خرق مذكرة التفاهم مع إيران، سواء في لبنان أو مضيق هرمز، قائلاً إنّ الإدارة الأمريكية أقدمت على "مغامرة" بإنشاء ممر جديد جنوب الخليج بالتعاون مع سلطنة عُمان ودون موافقة إيران، معتبراً أنّ الهدف من ذلك هو الالتفاف على البند الخامس من المذكرة وتقويض سيادة إيران على إدارة المضيق وسلب قدرتها الرادعة.

وأضاف أن هذه التصرفات الأمريكية استدعت رداً إيرانياً مباشراً أدخل الجانبين في "عملية تبادل ضربات"، ما يؤشر على أن الاتفاق المكون من 14 بنداً بات متوقفاً عند مرحلة التحقق من تنفيذ التعهدات. وتابع كنعاني مقدم بأنه لا توجد آفاق لاستمرار الاتفاق، موضحاً أن بلاده لن ترى مبرراً لتنفيذ بنود الاتفاق ما لم تتوقف الولايات المتحدة عن مغامراتها، وتخفض قواتها في المنطقة، وتمنع الكيان الصهيوني من مهاجمة جنوبي لبنان.

تجهيز لحرب قادمة؟

كذلك رأى الخبير الإيراني علي رضا تقوي نيا أن المواجهات الأخيرة مع الولايات المتحدة تعكس "استياءً أمريكياً بالغاً" من عدم عودة الأوضاع في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب، حيث إن الملاحة البحرية فيه لا تزال تخضع للسيطرة الإيرانية.

 وفي حديث له مع "العربي الجديد"، اعتبر تقوي نيا أن الولايات المتحدة حاولت، من خلال إنشاء ممر مؤقت جنوبي المضيق، ممارسة ضغوط لتغيير الواقع فيه، إلا أن إجراءات الحرس الثوري الإيراني، بحسب قوله، أغلقت هذا المسار، مشيراً إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعت إلى ثلث مستوياتها السابقة قبل الحرب، ما أدى إلى تكدس مئات السفن وتعطل آلاف البحارة خلف المضيق.

وشدد الخبير الإيراني على أن إيران لن تسمح لأي طرف بتغيير موازين الأمن التي قال إنها "تشكلت" بعد الحرب، قائلاً إن ثمة قراراً اتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بالرد بشكل قاسٍ ومضاعف على أي عدوان أمريكي، مهما كانت ذرائعه. ويبدو أن الرد الإيراني في هذه المرحلة لن يكون على نحو ينهي مذكرة التفاهم، لحاجة طهران إلى مزاياها الاقتصادية استعداداً لجولات أخرى من الحرب، حيث يقول الخبير الإيراني إنّ طهران تمكّنت بعد التوصل إلى المذكرة من بيع نحو 40 مليون برميل نفط مباشرةً، وهو ما ساهم في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط الاقتصادية التي قال إن الطرفين الأمريكي والصهيوني يسعيان لاستغلالها لإثارة الاضطرابات الداخلية.

وأكد تقوي نيا أن هذه التهدئة لا تعني إنهاء الحرب أو إحلال السلام، بل هي فترة "إعداد وتجهيز" لجولات قادمة من الحرب. وأشار إلى أنّ صانع القرار في إيران يوازن بـ"ذكاء" بين المرونة التكتيكية والتحصين الاستراتيجي، عبر بناء مخزونات عسكرية وغذائية كافية للمرحلة القادمة عندما تستأنف الحرب، مؤكداً أن إدارة الدولة تتطلب واقعية بعيدة عن الشعارات، وذلك لضمان الجاهزية التامة للجولات المقبلة، وللحيلولة دون وقوع البلاد في أزمات اقتصادية يراهن عليها الأعداء.

إلا أن الخبير الإيراني داود حشمتي رأى أن التوترات الجارية بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز تعكس محاولة من الطرفين لفرض "موازنة منخفضة المستوى" ضمن إطار التفاهم القائم، موضحاً أن جوهر الخلاف يدور حول مسار عبور السفن في المضيق. وقال حشمتي لـ"العربي الجديد" إن إيران تصرّ على أن تمر حركة الملاحة عبر المسار المحاذي لسواحلها، وهو مسار مفتوح لا تُفرض عليه رسوم خلال فترة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، بينما ترى الولايات المتحدة أن العبور يجب أن يحصل من الجانب العُماني.

وأضاف أن ردود الفعل الصادرة، سواء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو من الجانب الإيراني، "تعكس حساسية متزايدة" تجاه هذه القضية، إلا أنه قدّر أن مستوى الحساسية لدى واشنطن لا يصل إلى حد الاستعداد لخوض حرب جديدة بسببها. في المقابل، اعتبر أن القضية تبدو أكثر أهمية بالنسبة إلى إيران، وهو ما يفسر، بحسب قوله، استهداف سفينة سنغافورية تحرّكت من السواحل العُمانية، في إشارة إلى أن طهران لا تبدي تردداً في التصعيد إذا تعلّق الأمر بهذا الملف.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تحاول رفع مستوى الضغوط عبر إشراك مجلس التعاون الخليجي وشركائها الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي "ناتو"، بما يزيد من حساسية الملف ويدفع نحو مواقف أكثر تشدداً.

 وبرغم ذلك، رجّح حشمتي استمرار المسار التفاوضي بين الطرفين، مع احتمال حدوث تأجيلات مؤقتة. ولفت إلى أن إيران تتعامل بقدر من المرونة مع بعض الملفات الإقليمية، مثل لبنان، لكنها تسعى لفرض موقفها بالكامل على الجانب الأمريكي في ما يتعلق بمضيق هرمز.

وفي تقديره، فإن المفاوضات المرتقبة خلال فترة الستين يوماً ستركز أساساً على قضايا الاتفاق النهائي، ولا سيما الملفات المرتبطة بنسبة تخصيب اليورانيوم عند مستوى 60% وبرنامج التخصيب، معتبراً أن الضغوط الحالية قد تؤدي إلى تباطؤ المباحثات، "لكنها لا تعني بالضرورة انهيارها أو تحولها إلى مواجهة عسكرية واسعة".

بدوره، قال الخبير في العلاقات الإيرانية الأمريكية، أسفنديار خدائي، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن من المتوقع استمرار الاشتباكات والهجمات المحدودة، مع بقاء خطر التوسع قائماً نتيجة سوء التقدير. وأضاف خدائي أن هناك تيارين راديكاليين قويين يدفعان باتجاه الحرب؛ أحدهما في تل أبيب وبعض أوساط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويراهن على إخضاع إيران بالضغط، والآخر في إيران يدفع نحو إخراج الولايات المتحدة من المنطقة والقضاء على تل أبيب، برغم وعي الطرفين باستحالة حسم المعركة.

وتابع أن الجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى الحرب، وأن غالبية أركان الدولة تخالف الأقلية الراديكالية، لافتاً إلى أن البلاد تمر حالياً بأسابيع تشييع المرشد الراحل علي خامنئي، ما يستوجب ظروفاً أمنية هادئة وتوفير حماية قصوى لكبار المسئولين.

وأكد أن إيران، في الوقت نفسه، "تدرك أن أي إشارة إلى الضعف ستفاقم الوضع، ولذلك من الطبيعي أن تكون مستعدة للرد على تل أبيب والقواعد الأمريكية، برغم أن هذا الاستعداد قد يغذي سوء التقدير". واستبعد الخبير الإيراني التوصل إلى اتفاق شامل في ظل غياب استراتيجية واضحة لإدارة ترامب، مؤكداً أن استمرار الاشتباكات "ينسف أرضية الثقة الضرورية لأي تفاوض، ويحصر الحسابات في ميزان الحرب".