لا تتوقف المؤسسات البحثية الصهيونية عن رصد السياسة التركية إزاء كيان الاحتلال الصهيوني، وسط مستوى تحريضي غير مسبوق، على اعتبار أن علاقاتهما تجاوزت مرحلة حرجة، وما كان يُنظر إليه سابقا على أنه أزمة دورية، مجرد نوبة غضب أخرى من تلك النوبات المألوفة بينهما، أصبح مواجهة استراتيجية متعددة الأبعاد.
ذكر الخبير في الشئون التركية بمركز ديان بجامعة تل أبيب، والباحث بمجموعة تامرور - بوليتوجرافيا البحثية، هاي إيتان كوهين يانروجاك، أن "مسألة غزة لا تزال في قلب توتر العلاقات التركية الإسرائيلية، ولا يزال الفلسطينيون هم محور الاهتمام، ولا يزال المسجد الأقصى مصدرا للتوتر العاطفي الشديد، لكن تركيا لم تعد تتحدث فقط عن الحرب أو الاحتلال، بل تُصوّر إسرائيل كتهديد إقليمي وأخلاقي وقانوني واقتصادي، بل وحتى أمني، لتركيا نفسها، وببطء وثبات، يتحول حدث محلي إلى رؤية عالمية".
رصد إحصائي
وأضاف في مقال نشره موقع"زمان إسرائيل"، وترجمته "عربي 21" أن أبرز إحصائية في الرصد ليست فقط مدى الانشغال التركي بإسرائيل، بل طبيعته أيضًا، فمن بين 293 مصدراً جمعت خلال الربع الثاني من 2026، تمثل المؤشر الأكثر تكراراً بنزع الشرعية عنها، حيث ورد 143 مرة، يليه الانشغال بعملياتها في غزة، ثم دعوة المجتمع الدولي للتحرك ضدها، بواقع 72 مرة لكل منهما، وظهر اتهامها بالإبادة الجماعية 54 مرة، والقلق الإنساني 45 مرة، والمساعدات الإنسانية التركية لغزة والضفة 44 مرة".
وأشار إلى أن "أنقرة تتحدث بشكل أقل عن عملية سياسية، وأكثر عن نضال قانوني وأخلاقي ضد إسرائيل، ويؤكد تحليل الكلمات المفتاحية هذا الأمر، حيث وردت كلمة إسرائيل 1649 مرة، وغزة 650 مرة، ومحاكمة 259 مرة، واحتلال 211 مرة، والأقصى 188 مرة، وإبادة جماعية 170 مرة، والقدس 149 مرة، فيما ورد مصطلح دولتان 24 مرة، والدولة الفلسطينية 20 مرة ، وحدود 1967، 14 مرة فقط".
وأكد أن "تركيا تنقل الصراع من الساحة الفلسطينية إلى الساحة الإقليمية، والرئيس رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان لا يكتفيان بإدانة أعمال إسرائيل في غزة أو لبنان أو الضفة، بل يُصوّرونها كقوة مزعزعة للاستقرار، تسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإلحاق الضرر بسوريا ولبنان، والتغلغل بشرق المتوسط ، والتأثير على طرق التجارة والطاقة، وجرّ الأكراد إلى حرب مع إيران، وبذلك، تُبرّر تركيا تدخلاً أوسع نطاقاً ضد إسرائيل، لأن أمنها، بحسب أردوغان، لا يبدأ من حدودها فحسب، بل يمتد إلى حلب ودمشق وبيروت".
وأوضح أن "هذا لم يعد بنظر السياسة التركية، صراعاً إسرائيلياً فلسطينياً، بل خريطة جديدة للصراع على زعامة المنطقة، لاسيما عند الحديث عن تحويل القدس والمسجد الأقصى إلى آلية تعبئة دائمة، فكل اقتحام من اليهود لهما، وكل تصريح إسرائيلي، وكل قرار ببناء استيطاني، أو تغيير وضع الأماكن المقدسة، يُترجم فوراً إلى التركية على أنه "غارة"، و"تهويد"، و"إخلال بالوضع الراهن"، و"حرب على الهوية الإسلامية"، وهذا ليس مجرد شعور ديني، بل سياسة".
خصوصية القدس
وأضاف أن "القدس" تُمثل لأنقرة جسراً مع العالم الإسلامي والفلسطينيين، وتطلعات القيادة الإقليمية، وعندما يتحدث وزير داخليتها عن رغبته بأن يصبح "حاكم القدس"، فإنه ليس مجرد تصريح شعبي، بل دليل على رؤية تاريخية لا تعتبر الماضي العثماني متحفا، بل مادة خام للسياسة الخارجية، وهنا تحوّل تركيا سياستها من أداة دبلوماسية إلى صراع قانوني وأيديولوجي، وتشجع على إجراء التحقيقات ضد المسئولين الإسرائيليين، ورفع الدعاوى القضائية، وإصدار أوامر الاعتقال، وتدعو لفرض عقوبات، وتصورها بأنها منتهكة للقانون الدولي".
وتابع "أن تركيا تسعى في الوقت نفسه لتشكيل تحالفات إقليمية ودولية حولها، وتظهر مبادرة "R4" مع مصر والسعودية وباكستان، بجانب محاولات تفعيل أطر إسلامية وتركية إضافية، مثل مبادرة "جيران سوريا"، أنها لا تكتفي بالتصريحات، بل تحاول بناء بنية إقليمية تُعلي شأن التهديد الإسرائيلي، وتُشكل القضية الفلسطينية محورًا تنظيميا ضدها".
وأكد أن "المراقبة الإسرائيلية للاتصالات والاجتماعات رفيعة المستوى بين تركيا وقيادة حماس مع رئيس جهاز مخابراتها، تظهر أنها في الوقت نفسه تجري اتصالات مع السلطة الفلسطينية، بما فيه التعاون في الأمن الداخلي، وهي تمارس هنا لعبة مزدوجة ظاهريًا، تُظهر نفسها كطرف يعمل في إطار حل الدولتين؛ وفي الواقع، تواصل منح حماس شرعية سياسية".
وأشار إلى أنه في الوقت نفسه، "لا تبدو إسرائيل مجرد مراقب بريء من المدرجات لهذه التطورات التركية، فقد بدأ مسؤولوها الكبار بتصوير تركيا كتهديد استراتيجي طويل الأمد، بل وأحياناً أكثر خطورة من إيران، وأصبحت ردود فعلهم أكثر شخصية وقسوة ورمزية هجمات على أردوغان، وإشارات إلى احتلال شمال قبرص، وأخيرًا الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن كأداة للضغط السياسي، وهكذا توقفت إسرائيل عن مجرد الدفاع عن نفسها ضد الخطاب التركي، وبدأت بالرد بنفس لغة الذاكرة التاريخية، والهوية، والأخلاق، وإلقاء اللوم".
طموحات إقليمية
وأضاف "أن الأزمة الإسرائيلية التركية لم تعد فردية، بل تنافسًا استراتيجيا طويل الأمد، وبهذا المعنى، فإن ردود كبار المسؤولين الإسرائيليين ليست مجرد رد على الخطاب التركي، بل تعبير عن تغيير أعمق في طريقة تفسيرهم لطموحات أنقرة الإقليمية، مما يخلق واقعًا جديدًا، فعلى مدى سنوات طويلة، اتسمت العلاقات بفترات التوتر تستبدل بمحاولات للمصالحة، والأزمات تُعتبر أحداثًا عابرة يمكن إدارتها أو احتواؤها، لكن بعد النفوذ التركي في سوريا مع سقوط الأسد، فإن الجانبين يبتعدان عن النمط الدوري الذي يمكن إدارته أو احتواؤه".
وأوضح "أن القناعة الإسرائيلية تتزايد بأن تركيا لم تعد مجرد لاعب مشكل، بل عامل يسعى للتأثير في تشكيل النظام الإقليمي الجديد، ومن ثم تتغير طبيعة الصراع أيضاً، ومع تحوّل الخطاب بينهما من نقاش حول أحداث محددة إلى مواجهة حول الهوية والتاريخ والشرعية وتصورات النظام الإقليمي، يتقلص هامش المرونة السياسية الذي ساد في الماضي، ولم يعد الصراع مجرد نقاش حول قضية واحدة في غزة، أو الضفة، أو القدس، أو حماس، بل أصبح تدريجياً صراعاً بين رؤيتين مختلفتين للشرق الأوسط، ومكانة كل دولة فيه".
وختم بالقول إن ما يحصل بين أنقرة وتل أبيب لم يعد نزاعاً سياسياً، بل تنافساً على النفوذ والسردية وتشكيل الواقع الإقليمي، مما يفسر ازدياد حدة التوتر بينهما، بل تغيّر طبيعة الأزمة نفسها، مع استمرار تركيا في اعتبار القضية الفلسطينية وسيلة لتحقيق أهدافها الإقليمية".
تقدم هذه القراءة الإسرائيلية لواقع ومستقبل العلاقات مع تركيا، أن هناك إدراكا يتصاعد لدى الاحتلال بأن سياسة أنقرة تعكس رؤية استراتيجية شاملة، وليست مجرد خطاب سياسي، وبالتالي يتعمق التحول من أزمة دبلوماسية مستمرة إلى تنافس استراتيجي بين قوتين إقليميتين، وترجيح بأن يستمر في التأثير على علاقاتهما في السنوات القادمة.