عامر شماخ
على امتداد التاريخ، استخدمت الدعوة الإسلامية كلَّ وسيلة مشروعة أتاحها العصر؛ فمن حلقات العلم التقليدية في المساجد، إلى الكتب والمجلات، ثم الإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى المنصات الرقمية التي غدتِ الساحةَ الأوسع لتبادل الأفكار وصناعة الوعي، لقد فرض العصر الرقمي واقعًا جديدًا، أصبح فيه الهاتف المحمول نافذة الإنسان الأولى على المعرفة، ومن ثم، فإن الاكتفاء بالوسائل الدعوية التقليدية وحدها يعني التخلي عن فرصة ثمينة للوصول إلى شرائح واسعة، خاصة فئة الشباب.
لا شك أن المسجد ظل، عبر القرون، القلب النابض للدعوة؛ منه انطلقت كلمات الهداية الأولى، وفي رحابه تشكّلت أجيال حملت العلم والأخلاق إلى العالمين، ورغم التحوّلات المتسارعة التي فرضها العصر الرقمي، فإن مكانة المسجد لم تتراجع؛ لما يتميز به كمؤسسة تربوية واجتماعية وثقافية، لكنّ الاعتراف بهذه المكانة لا يعني الاكتفاء به وحده؛ إذ العالم يتغيّر من حولنا، وقد تبدّلت أنماط الحياة، فوجب أن يمتد صوت المسجد إلى خارج جدرانه، عبر الوسائل الرقمية، وأن يتكاملا في أداء الرسالة، فخطبة الجمعة التي تُلقى على المنبر يمكن أن تتحول إلى مقطع قصير يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، والدروس الدينية يمكن أن تُحفظ في مكتبة رقمية.
نحو خطاب تفاعلي يواكب جمهور اليوم
في الحقيقة، التحول الرقمي ليس موجة عابرة، وإنما واقع جديد يعيد تشكيل المشهد الإعلامي والمعرفي بأكمله، وقد انتقل الجمهور فعليًّا إلى هذا الفضاء الرحب؛ من ثم، فإن نجاح الدعوة لا يرتبط فقط بسلامة الرسالة، بل بفهم طبيعة هذا الجمهور، الذي بات يفضّل المحتوى السريع، والواضح، والجذّاب بصريًّا، فالرسالة باتت بحاجة إلى عرض ذكي يلفت الانتباه ويحافظ على اهتمام المتلقي حتى النهاية.
لقد أتاحت المنصات الرقمية فرصًا هائلة أمام العمل الدعوي، وسهّلت الوصول لجمهور أكثر سهولة واتساعًا، غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب رؤية واضحة، ومهارات جديدة، وخطابًا مختلفًا عن الخطاب التقليدي، فالجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًّا، بل أصبح شريكًا في صناعة المحتوى، فلا مجال للخطاب الدعوي الأحادي، وإنما أصبح الداعية بحاجة إلى إجادة الحوار والتفاعل الإيجابي، والإجابة عن الأسئلة بلغة هادئة ومقنعة.
كيف نطوّر وسائل الدعوة لجمهور اليوم؟
تطوير وسائل الدعوة الإسلامية على المنصات لا يعني تغيير الرسالة، بل تطوير الأدوات وطريقة العرض لتناسب سلوك الجمهور، وهذا يتطلب من الداعية:
1- الانتقال من الخطاب التقليدي إلى المحتوى الرقمي:
لم يعد الناس يعتمدون على الدروس والمقالات الطويلة، بل على المقاطع القصيرة المركّزة، والإنفوجراف البسيط، والفيديوهات التوضيحية، والرسائل الإيمانية الخفيفة سهلة الفهم، ويُستخدم «البودكاست» أحيانًا في الموضوعات الفكرية والقضايا الجدلية التي تحتاج إلى شرح عميق.
2- تعزيز المصداقية العلمية والمرجعية الشرعية:
في زمن تدفق المعلومات تصبح المصداقية أهم من الانتشار، لذلك من المهم ربط المحتوى بمؤسسات علمية معتبرة مثل الأزهر الشريف كمرجعية وسطية يمكن الاستناد إليها في ضبط الخطاب الديني، فالمحتوى الناجح هو الذي يحافظ على صدقيته، والبعد عن الإثارة المصطنعة، أو الجدل الذي ينتج الضجيج أكثر مما ينتج الوعي.
3- فهم خوارزميات المنصات:
نجاح الدعوة الرقمية يعتمد على فهم كيف تنتشر المقاطع، وكيف يحدث التفاعل، ومن ثم سهولة وصول الآخرين إلى حساب أو صفحة الداعية، وذلك باستخدام العناوين الذكية من دون مبالغة، والأسئلة المفتوحة، والنقاش، واستطلاعات الرأي والبث المباشر.. كلُّ هذا مع الحفاظ على الأمانة العلمية، وعدم التلاعب في المحتوى من أجل «الترند».
4- الجمع بين المسجد والمنصة أو بين الواقع والافتراضي:
يمكن تفعيل الدور الدعوي للمسجد، على نطاق أوسع، بربطه بالشبكة الدولية، عن طريق البث الحي للخطب والدروس والاحتفالات والمنتديات والمناسبات الاجتماعية وغيرها؛ لضمان وصولها إلى أكبر شريحة ممكنة خارج الحي، وحبذا لو قام الشباب بهذه المهمة، فهُمُ الأجدر بإدارة المواقع الإلكترونية، والأكثر تأثيرًا في العالم الافتراضي.
5- استغلال الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الدعوي:
من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن تحليل اهتمامات الجمهور، وتحديد أكثر القضايا الدينية تداولاً، ويمكن تقديم التطبيقات الذكية التي تقدم فتاوى فورية على أسئلة الجمهور، ويمكن عن طريقه ترجمة المحتوى إلى لغات متعددة، إلى آخر تقنياته التي لا حصر لها، التي يمكن توظيفها لخدمة الأغراض الدعوية.
تحديات كبيرة
رغم الفرص الدعوية الكبيرة التي تتيحها المنصات، فقد صحبتها تحديات كبيرة كذلك، فرضتها البيئة الرقمية التي تشهد تغييرات في كل لحظة، وتتنافس فيها الأفكار على جذب انتباه المستخدمين؛ وعليه، فإن نجاح الداعية في هذا الفضاء لا يتوقف فقط على جودة الرسالة التي يقدمها وحدها، بل يعتمد أيضًا على فهم هذه التحديات والتعامل معها بوعي وحكمة.
فوسط الزخم الهائل للمحتوى قد يضيع المحتوى الجاد إذا لم يقدم بأسلوب جاذب، دون أن يتخلى عن رصانته وقيمته العلمية، ويبرز تحدٍّ آخر يتمثل في الإغراء الذي تقدمه الخوارزميات بمنح انتشار أكبر للمحتوى المثير للجدل، وهو ما يدفع البعض إلى التورط في هذه الخديعة، فتفقد الرسالة الدعوية كثيرًا من قيمتها وأهدافها، ومن التحديات تقديم محتوى سطحي وسريع، إرضاء لطبيعة المستخدمين، فيؤدي ذلك إلى الإخلال بالمفاهيم، واختزال ما لا يصح اختزاله، غير ما يواجهه الداعية في التعليقات من نقد حاد واستفزاز وتشويه، وهذا يتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة وضبط النفس.
ضوابط للداعية في البيئة الرقمية
رغم تعدد التحديات، فإنها لا ينبغي أن تُفهم بوصفها عوائق تمنع الحضور الدعوي في الفضاء الرقمي، بل باعتبارها واقعًا يحتاج إلى استعداد أفضل، لتغدو الدعوة الرقمية أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر تأثيرًا في المجتمعات المستهدفة، ويبقى النجاح الحقيقي للدعوة مرهونًا بالجمع بين الثبات والتجديد، وبالتزام الضوابط التي تبني الثقة مع الجمهور، دون أن تفقد هويتها أو رسالتها الإنسانية، ومن هذه الضوابط:
1- وضوح المقصد: فالدعوة في جوهرها رسالة هداية وإصلاح وبناء، وليست منافسة على الشهرة أو سباقًا نحو تصدّر قوائم المشاهدة.
2- الموثوقية العلمية: فسهولة النشر لا تعني سهولة الإفتاء، وسرعة تداول المعلومات لا تغني عن التثبت من صحتها.
3- احترام عقل المتلقي: فالجمهور الرقمي اليوم أكثر اطّلاعًا، وأكثر قدرة على التدقيق والتحقق، ولم يعد يقبل الخطاب الذي يعتمد على التلقين أو المصادرة.
4- تبسيط اللغة وربط الناس بواقعهم: فاللغة المعقدة والمصطلحات الصعبة على الفهم تبعد الجمهور الرقمي بدلاً من أن تقربه، وكذلك عدم ربط الناس بواقعهم وتحدياتهم اليومية.
5- الالتزام بأخلاقيات الحوار: من الصبر، وسعة الصدر، والقدرة على إدارة الاختلاف باحترام، في ظل فضاء مفتوح يمثل النقاش والنقد والتعليقات الحادة جزءًا أصيلاً فيه.
6- مواكبة التطور التقني: فأدوات صناعة المحتوى تتطور بسرعة فائقة، والجمهور يداوم على الأنماط الجديدة من العرض والتفاعل؛ لذا، صار من كفاءة العمل الدعوي التعلُّم المستمر، واكتساب المهارات الرقمية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يخدم أهداف ومبادئ الدعوة الإسلامية.