لم يعد صوت جرافة الاحتلال الصهيوني بالنسبة للفلسطينيين مجرد ضجيج يسبق هدم جدار أو سقف منزل، بل أصبح إعلانًا عن اقتلاع حياة كاملة.
ففي دقائق معدودة، تتحول سنوات من التعب إلى ركام، وتجد عائلات نفسها في العراء، لا لأنها خسرت منزلًا فحسب، بل لأنها خسرت جزءًا من ذاكرتها واستقرارها وإحساسها بالأمان.
وبينما تتكرر هذه المشاهد يومًا بعد آخر في الضفة الغربية والقدس المحتلة، يرى الفلسطينيون أن الهدم لم يعد إجراءً إداريًا كما تدعي سلطات الاحتلال، وإنما سياسة متكاملة لإفراغ الأرض من أصحابها وإعادة رسم الخريطة السكانية بالقوة.
الجرافات لا تغادر
وخلال الأيام الأخيرة، اتسعت رقعة الهدم لتشمل محافظات عدة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
ففي جنوب الخليل جرى هدم منازل ومنشآت في الديرات وإذنا وبيت عوا، بينما سُوي منزل بالأرض في بروقين غرب سلفيت، وامتدت الجرافات إلى بلدة صور باهر في القدس المحتلة حيث أزيلت بناية سكنية كاملة تضم أربع شقق.
ويقول مراقبون إن هذا التوسع الجغرافي يعكس انتقال عمليات الهدم من أحداث متفرقة إلى سياسة يومية تستهدف مختلف المناطق الفلسطينية.
أرقام تكشف حجم الاستهداف
ولا تعكس المشاهد وحدها حجم التصعيد، بل تؤكده الأرقام أيضًا، فقد تسببت عمليات الهدم خلال عام 2025 في تهجير أكثر من 1700 فلسطيني، فيما نفذت سلطات الاحتلال 341 عملية هدم خلال النصف الأول من العام الجاري، دمرت 740 منشأة فلسطينية، إلى جانب مئات إخطارات الهدم الجديدة.
وفي القدس المحتلة، تجاوز عدد عمليات الهدم منذ بداية عام 2026 حاجز المائتي عملية، في مؤشر يعكس تصاعدًا غير مسبوق في استهداف المنازل والمنشآت الفلسطينية.
الترخيص… ذريعة لا أكثر
وتتمسك سلطات الاحتلال بذريعة البناء دون ترخيص لتبرير عمليات الهدم، إلا أن مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية تؤكد أن المشكلة تبدأ أصلًا من نظام تخطيط يقيّد الفلسطينيين ويجعل الحصول على رخص البناء شبه مستحيل، خاصة في المناطق المصنفة "ج" وشرق القدس.
وبذلك يجد الفلسطيني نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما البناء لتأمين مأوى لعائلته مع خطر الهدم، أو الامتناع عن البناء ومواجهة أزمة سكن دائمة.
مسافر يطا… نموذج لسياسة الاقتلاع
وتُعد مسافر يطا جنوب الخليل من أكثر المناطق تعرضًا لهذه السياسة، حيث تتكرر جرائم هدم المنازل والمنشآت الزراعية والحظائر وإخطارات وقف البناء.
ولا يستهدف الهدم المباني فقط، بل يطال مصادر الرزق والبنية الأساسية، في محاولة لإضعاف قدرة السكان على البقاء فوق أراضيهم، بما يخدم التوسع الاستيطاني في المناطق المصنفة “ج”.
القدس… معركة على هوية المدينة
وفي القدس المحتلة، تتجاوز سياسة الهدم البعد العمراني إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي للمدينة.
وفي سلوان، خاصة في البستان وبطن الهوى، تواجه مئات العائلات خطر الإخلاء والهدم، فيما تحذر تقارير حقوقية من أن آلاف الفلسطينيين مهددون بفقدان منازلهم ضمن مشاريع استيطانية تسعى لإحلال المستوطنين مكان السكان الأصليين.
هدم للمنازل ومحو للوجود
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان يرى أن الاحتلال لم يعد يستهدف مباني منفردة، بل بات يستهدف مقومات الوجود الفلسطيني، عبر الجمع بين الهدم، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، واعتداءات المستوطنين، بما يشكل منظومة واحدة هدفها دفع الفلسطينيين إلى الرحيل التدريجي.
ويشير مدير مركز معلومات وادي حلوة جواد صيام إلى أن كثيرًا من العائلات المقدسية تُجبر على هدم منازلها بأيديها لتفادي الغرامات الباهظة، في واحدة من أكثر صور الضغط قسوة، حيث يتحول صاحب المنزل إلى منفذ لقرار هدم بيته.
أكثر من ركام
لم تعد سياسة الهدم، وفق مؤسسات حقوقية ومسؤولين فلسطينيين، مجرد إزالة لجدران وأسقف، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموجرافيا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فكل منزل يُهدم لا يعني خسارة حجر فقط، بل يفتح بابًا جديدًا للنزوح، ويضيّق مساحة الوجود الفلسطيني، ويمنح المشروع الاستيطاني فرصة إضافية للتوسع، في معركة باتت فيها الجرافة إحدى أكثر أدوات الاحتلال حضورًا وتأثيرًا.