على الرصيف المقابل لمقر مجلس الوزراء في مدينة رام الله، يواصل عشرات الجرحى وذوي الشهداء والأسرى الفلسطينيين اعتصامهم المفتوح منذ شهرين، في مشهد يعكس واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية حساسية في الأراضي الفلسطينية.

لكن الاعتصام الذي بدأ للمطالبة بإعادة صرف المخصصات المالية، دخل مرحلة أكثر خطورة بعد محاولة والد أحد الشهداء إلقاء نفسه من أعلى مبنى وزارة الأشغال العامة والإسكان، احتجاجًا على قطع السلطة مخصصات عائلته وعجزه عن توفير أبسط مقومات الحياة، في حادثة أعادت إلى الواجهة حجم الضغوط النفسية والمعيشية التي تعيشها آلاف العائلات.

ويرى المعتصمون أن الحادثة الخطرة جاءت نتيجة مباشرة لاستمرار الأزمة وتعثر الحلول، محذرين من أن تجاهل مطالبهم قد يقود إلى مزيد من الاحتقان والتصعيد.

محاولة انتحار تهز الاعتصام

الأربعاء الماضي، حاول والد شهيد في أواخر الستينيات من عمره، ومن سكان محافظة بيت لحم، إلقاء نفسه من أعلى درج الطوارئ في مبنى وزارة الأشغال العامة والإسكان المقابل لمقر مجلس الوزراء، بعدما تلقى اتصالًا من زوجته أبلغته بانقطاع التيار الكهربائي عن منزلهما بسبب عدم قدرتهما على تسديد الفاتورة.

ولم تنتهِ الحادثة بكارثة، بعدما تمكن أحد المعتصمين من الإمساك به في اللحظات الأخيرة، إلا أن الواقعة تركت أثرًا عميقًا بين المعتصمين، الذين اعتبروها مؤشرًا خطيرًا على حجم اليأس الذي بلغته العائلات المتضررة.

حقوق وطنية لا مساعدات اجتماعية

ويؤكد المعتصمون أن مطالبهم لا تتعلق بالحصول على مساعدات إنسانية، وإنما باستعادة حقوق وطنية كفلها القانون لعائلات الشهداء والجرحى والأسرى.

ويطالبون بإلغاء أو إعادة النظر في المرسوم الصادر في أبريل 2025، والذي أدى إلى نقل ملف المخصصات إلى مؤسسة "تمكين"، والتعامل معهم باعتبارهم حالات اجتماعية تخضع لمعايير الفقر والحاجة، وهو ما يرفضونه بشكل قاطع.

كما يطالبون بإعادة صرف المخصصات الشهرية، وإنهاء سياسة التقليص، وإعادة الاعتبار لملفاتهم باعتبارها جزءًا من المسؤولية الوطنية تجاه من قدموا التضحيات.

المفاوضات تصل إلى طريق مسدود

ويقول الناطق باسم المعتصمين، الأسير المحرر ناصر زيد، إن جميع جولات الحوار مع الجهات الرسمية لم تحقق أي تقدم، مشيرًا إلى أن الحكومة لم تقدم التزامات واضحة بشأن إعادة الحقوق.

ويضيف في تصريح صحفي أن محاولة والد الشهيد إنهاء حياته تعكس حجم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تعيشها العائلات، محملًا الحكومة مسئولية الوصول إلى هذه المرحلة بسبب استمرار تجاهل مطالب المعتصمين.

كما يؤكد أن المعتصمين يدرسون تصعيد خطواتهم الاحتجاجية خلال الأيام المقبلة، بما في ذلك الإضراب المفتوح عن الطعام، إذا استمر غياب الحلول.

جرحى يعيشون على حافة الفقر

داخل خيمة الاعتصام، تتكرر روايات الجرحى عن تدهور أوضاعهم المعيشية منذ توقف المخصصات.

يقول الجريح أبو أحمد، الذي أصيب خلال انتفاضة الأقصى ويعاني إعاقة دائمة: "أحتاج إلى أدوية بشكل يومي، وبعضها لم أعد قادرًا على شرائه منذ أشهر. المخصص كان يساعدني في العلاج وتأمين احتياجات أسرتي، واليوم أعيش على الديون ومساعدة الأقارب”.

ويضيف أن الجرحى لا يطالبون بامتيازات، وإنما بحقوق ترتبط بما قدموه من تضحيات.

أما الجريح محمد خليل، الذي تعرض لإصابة أفقدته القدرة على العمل، فيقول: "منذ توقف المخصصات أصبحت عاجزًا عن دفع إيجار المنزل أو توفير احتياجات أطفالي. نشعر أننا تُركنا وحدنا في مواجهة ظروف قاسية، برغم أننا دفعنا أثمانًا كبيرة من صحتنا وأجسادنا".

فيما تقول والدة أحد الشهداء، والتي تشارك يوميًا في الاعتصام: "نحن لا نطلب صدقة. ابني استشهد وهو يدافع عن وطنه، واليوم نجد أنفسنا نبحث عن ثمن الكهرباء والدواء والطعام".

تحذير من تداعيات إنسانية

وفي بيانهم الصادر بمناسبة اليوم التاسع والخمسين للاعتصام، حمل المعتصمون المسؤولية السياسية والأخلاقية والوطنية لرئيس الوزراء محمد مصطفى وأعضاء الحكومة وكل من يملك القدرة على التدخل لإنهاء الأزمة.

كما جددوا مناشدتهم للرئيس السلطة محمود عباس التدخل العاجل لإعادة الحقوق إلى أصحابها، مؤكدين رفضهم لأي إيذاء للنفس، مع استمرارهم في النضال السلمي والقانوني.

وحذروا من أن استمرار سياسة التجاهل والإهمال قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان واليأس، وينذر بتداعيات إنسانية واجتماعية خطيرة.

اعتصام مفتوح… وأزمة بلا نهاية

وبعد مرور نحو شهرين على بدء الاعتصام، لا تبدو مؤشرات الانفراج قريبة، في ظل تعثر الحوار واستمرار الخلاف حول آلية صرف المخصصات.

وبين خيام الاعتصام، يواصل الجرحى وذوو الشهداء والأسرى انتظار استجابة رسمية تعيد لهم ما يعتبرونه حقًا أصيلًا، فيما تتحول الأيام الطويلة إلى اختبار جديد لقدرة هذه العائلات على الصمود، وسط مخاوف من أن يقود استمرار الأزمة إلى مزيد من الخطوات الاحتجاجية والتداعيات الإنسانية.