يواصل الاحتلال تصعيد استهدافه لحي البستان في بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير الواقع الديموجرافي والجغرافي في القدس المحتلة.

ويُعد الحي، الواقع على مسافة أمتار قليلة من الأقصى، أحد أبرز الأحياء الفلسطينية التي تواجه مخططات الهدم والتهجير، في إطار مشروع استيطاني يستهدف إحكام السيطرة على محيط البلدة القديمة.

موقع استراتيجي

ويحتل حي البستان موقعًا استراتيجيًا يربط بين عدد من أحياء سلوان، الأمر الذي يمنحه أهمية خاصة في مخططات الاحتلال الرامية إلى تطويق المسجد الأقصى بسلسلة من البؤر والمشاريع الاستيطانية.

ويأتي استهدافه ضمن مخطط أوسع يشمل عدة أحياء مقدسية، بهدف تقليص الوجود الفلسطيني وتعزيز سيطرة الاحتلال على المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة، صعّدت سلطات الاحتلال عمليات هدم المنازل في الحي، ما أدى إلى إزالة عشرات البيوت الفلسطينية وإجبار عدد من العائلات على مغادرة منازلها.

وتزايدت وتيرة عمليات الهدم بصورة لافتة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، مستغلة انشغال العالم بالأحداث الجارية لتنفيذ مخططاتها في القدس.

هدم للمنازل واستهداف للأراضي

ولم تقتصر الاعتداءات على هدم المنازل، بل امتدت إلى استهداف الأراضي الفلسطينية، عبر إصدار أوامر بمصادرة مساحات واسعة بذريعة إقامة حدائق عامة أو مواقف للمركبات. ويرى سكان الحي أن هذه الإجراءات ليست سوى مرحلة أولى تمهد لإقامة مشاريع استيطانية دائمة، بعد إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين.

وتستند سلطات الاحتلال في كثير من إجراءاتها إلى قوانين وتشريعات فرضتها خلال السنوات الماضية، أبرزها قانون "كامينتس"، الذي شدد العقوبات المتعلقة بالبناء الفلسطيني، ومنح بلدية الاحتلال صلاحيات واسعة لتنفيذ أوامر الهدم وفرض غرامات باهظة، مع تقليص قدرة الفلسطينيين على الطعن القانوني أو تأجيل تنفيذ القرارات.

وفي المقابل، تحرم سلطات الاحتلال الفلسطينيين من الحصول على تراخيص بناء عادلة، ما يدفع كثيرًا من العائلات إلى البناء اضطرارًا لتلبية احتياجاتها السكنية، قبل أن تتحول تلك المنازل لاحقًا إلى هدف لعمليات الهدم بحجة عدم الترخيص، في سياسة توصف بأنها أداة لتفريغ القدس من سكانها الفلسطينيين.

كما تروّج المؤسسات الاستيطانية لروايات تاريخية ودينية تزعم أن المنطقة كانت تضم ما يسمى "بستان الملك"، وتسعى إلى توظيف هذه المزاعم لتبرير تحويل أراضي الحي إلى مشاريع سياحية وحدائق توراتية تخدم المستوطنين، في محاولة لفرض رواية الاحتلال على حساب الهوية العربية والإسلامية للقدس.

تطويق الأقصى

ويؤكد مراقبون أن ما يجري في حي البستان لا يمكن فصله عن المشروع الصهيوني الأشمل الهادف إلى تطويق المسجد الأقصى والبلدة القديمة من مختلف الجهات، عبر استهداف أحياء سلوان والشيخ جراح ووادي الجوز وجبل الزيتون، بما يغير التركيبة السكانية ويعزز الوجود الاستيطاني في قلب المدينة المقدسة.

وبرغم جرائم الاحتلال في الهدم والضغوط المتواصلة، يواصل أهالي حي البستان تمسكهم بأرضهم ومنازلهم، ويخوضون معركة يومية للدفاع عن وجودهم، مستندين إلى صمودهم وإلى جهود المؤسسات الحقوقية والإعلامية التي تعمل على توثيق الانتهاكات وفضح سياسات التهجير القسري التي يتعرضون لها.

وفي المحصلة، يمثل حي البستان نموذجًا واضحًا لمعركة القدس المحتلة، حيث تتقاطع سياسات الهدم والمصادرة مع المشاريع الاستيطانية والروايات التوراتية لإعادة تشكيل المدينة بما يخدم أهداف الاحتلال.

ومع استمرار هذه المخططات، يبقى صمود أهالي الحي وتمسكهم بحقهم في البقاء العامل الأهم في مواجهة محاولات اقتلاعهم وطمس الهوية الفلسطينية في محيط المسجد الأقصى المبارك.