د. رمضان أبو علي
يقترن الحديث عن الاستعجال بالذم، بينما يقترن الحديث عن التأني بالمدح، ففي سنن الترمذي بسند حسنه الألباني عن أنس بن مالكٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «التأَنِّي منَ الله والعَجَلَةُ مِنَ الشيْطانِ، وما أحَدٌ أكثرُ معاذيرَ مِنَ الله، وما مِنْ شيءٍ أحبُّ إلى الله مِنَ الحَمْدِ»، ومع مدح التأني وذم الاستعجال إلا أن السُّنة أكدت استحباب الاستعجال في بعض الأمور، منها:
1- أداء الصلاة في وقتها:
يعد أداء الصلاة في أول وقتها من أحب الأعمال إلى الله، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، وفي مسند أحمد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يا علي لا تؤخرهنّ، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً».
2- الجنازة إذا حضرت:
في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ»، وعند ابن أبي الدنيا عن أيوب قال: كان يقال: من كرامة الميت على أهله تعجيله إلى حفرته. (موسوعة ابن أبي الدنيا، 5/ 498).
وفي سنن أبي داود عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ، أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ، مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ، لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ».
3- تزويج المرأة إذا وجدت كفؤاً:
في سنن الترمذي بسند حسنه الألباني عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»؛ فإذا وجد الرجل أو المرأة الشريك الصالح فيستحب الاستعجال بالزواج وعدم التعلل للتأخير بكماليات لا ضرورة لها أو أوهام لا رصيد لها في الواقع.
4- أداء الحقوق إلى أهلها:
استحب الإسلام أداء الحقوق لأهلها على الفور، فمن اشترى شيئاً فالأفضل أن يبادر بدفع ثمنه، ومن استدان بشيء فالأفضل أن يبادر بسداد دينه، وفي «حلية الأولياء» عن حاتم الأصم قال: كان يقال: العجلة من الشيطان إلا في خمس؛ إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدَّيْن إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب. (حلية الأولياء للأصفهاني، 8/ 78).
وإن قضاء الدَّيْن معين على الهروب من المطل الذي عده الإسلام ظلماً، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»، كما يبادر المسلم إلى سداد دينه لأن مغفرة ذنوبه متوقفة عليه، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ».
5- إطعام الطعام إذا حضر الضيف:
قال الغزالي: تعجيل الطعام، فذلك من إكرام الضيف، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (متفق عليه)، وَمَهْمَا حَضَرَ الْأَكْثَرُونَ وَغَابَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضر فِي التَّعْجِيلِ أَوْلَى مِنْ حَقِّ أُولَئِكَ فِي التأخير إلا أن يكون المتأخر فقيراً أو ينكسر قلبه بذلك فلا بأس فِي التَّأْخِيرِ.
وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) (الذاريات: 24) أَنَّهُمْ أُكْرِمُوا بِتَعْجِيلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (هود: 69)، وَقَوْلُهُ: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذاريات: 26)، والروغان الذهاب بسرعة، وقيل: في خفية، وقيل: جاء بفخذ من لحم، وإنما سمي عجلاً لأنه عجله ولم يلبث. (إحياء علوم الدين، 2/ 16).
6- التوبة إذا أذنب:
قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133)، وقال عز وجل: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة: 48).
فالاستعجال في الإقبال على الطاعات محمود في الإسلام قبل أن ينشغل الإنسان أو تضعف همته أو يوسوس له الشيطان بترك الطاعة.
7- تعجيل الفطر عند الصيام:
في الصحيحين عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
8- الصلح بين المتخاصمين:
في الصحيحين عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».
المصدر: المجتمع