أكدت "الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني" أن استعادة الشرعية الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تتم إلا عبر الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والانتخابات، رافضة أي محاولات لإعادة إنتاج الشرعية من خلال التعيين أو القرارات الفوقية أو الترتيبات السياسية التي تتجاوز إرادة الفلسطينيين.
وقالت الهيئة، في بيان صدر، اليوم الأربعاء: إن القضية الفلسطينية تمر بـ "أخطر مراحلها منذ عقود"، في ظل استمرار الاحتلال في حربه على قطاع غزة، وما وصفته بـ "مشروعه الاستعماري الإحلالي" من خلال الحرب والتطهير والتهجير والاستيطان في الضفة الغربية والقدس، بالتزامن مع أزمة قالت إنها "غير مسبوقة" في شرعية النظام السياسي الفلسطيني.
وأرجعت الهيئة هذه الأزمة إلى "تعطيل الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية، واستمرار إدارة الشأن الوطني بشرعيات فقدت أساسها الديمقراطي والسياسي"، معتبرة أن استمرار تغييب الشعب الفلسطيني عن اختيار قيادته خلال السنوات الماضية أسهم في إضعاف المشروع الوطني وتعميق الانقسام وتراجع الثقة بالمؤسسات، فضلاً عن إضعاف القدرة على مواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
وشددت على أن القضية، من وجهة نظرها، "ليست خلافاً على موعد انتخابات، ولا نزاعاً على إجراءات قانونية أو مراسيم رئاسية»، وإنما تتعلق بمصدر الشرعية ذاته، متسائلة: «هل تبقى الشرعية ملكاً للشعب، أم تتحول إلى امتياز يُدار بقرارات فوقية؟".
وقالت الهيئة إن موقفها ينطلق من مبدأ مفاده أن "لا شرعية تعلو على إرادة الشعب، ولا شرعية تستمر مع التغييب المتعمد لتلك الإرادة"، محذرة من أن أي محاولة لإعادة إنتاج الشرعية بعيداً عن الإرادة الشعبية، أو الالتفاف عليها عبر قوانين أو مراسيم أو ترتيبات سياسية، من شأنها تعميق الأزمة وتهديد الوحدة الوطنية والتعددية السياسية، فضلاً عن تكريس التفرد بالقرار.
"لا للتعيين.. نعم للانتخابات"
وأكدت الهيئة أن المدخل إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني يبدأ بالاحتكام إلى مبادئ الديمقراطية، وفي مقدمتها الانتخابات، مشيرة إلى أن هذا الحق "مكفول نصاً في نظام منظمة التحرير الفلسطينية نفسه".
وأضافت: "لا للتعيين، نعم للانتخابات"، مؤكدة أن الشرعية الوطنية "ليست ملكاً لأي شخص أو مؤسسة أو فصيل"، ولا يجوز احتكارها أو تمديدها أو إعادة تعريفها بقرارات أحادية.
وشددت على أن الشرعية في النظام الوطني الفلسطيني "تنبع من الشعب الفلسطيني وحده، في الوطن والشتات"، وأن تجديدها لا يكون إلا عبر إرادته الحرة، معتبرة أن إعادة بناء النظام السياسي ينبغي أن تبدأ بـ "إعادة بناء شرعيته، وليس بإعادة ترتيب موازين القوى داخله".
وفي السياق ذاته، قالت الهيئة إن الانتخابات لا ينبغي أن تكون استجابة لضغوط خارجية أو اشتراطات غير وطنية، ولا وسيلة لإضفاء "شرعية شكلية" على واقع فقد ثقة الشعب، بل هي "حق سياسي ودستوري أصيل"، معتبرة أنها تمثل المدخل الطبيعي لإنهاء الانقسام وتجديد المؤسسات الوطنية.
دعوة لإعادة انتخاب المجلس الوطني
ودعت الهيئة إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية من خلال إعادة انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية، بوصفه "المؤسسة الجامعة للشعب الفلسطيني".
ورأت أن التغيرات التي طرأت على البنى الاجتماعية والسياسية والواقع الوطني والنضالي الفلسطيني "تخطت مرحلة الكوتا الفصائلية"، داعية إلى أن يستند الوزن الحقيقي للقوى والفصائل إلى إرادة الشعب، مع التأكيد على احترام المكانة التاريخية لهذه القوى ودورها في الذاكرة الوطنية.
وقالت إن اعتماد الانتخابات يضع مختلف القوى السياسية "في ميزان وطني" تحترم فيه إرادة الشعب، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تقدير تاريخ تلك القوى ونضالاتها.
وأشارت إلى إمكانية تشكيل هيئة قانونية، تنبثق عن الحوار الوطني، لتحديد آليات اختيار أعضاء المجلس الوطني في الحالات التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات "تعذراً حقيقياً"، وبعد استنفاد جميع الوسائل الممكنة.
وأكدت، في المقابل، أن هذه الاستثناءات لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة دائمة أو ذريعة لمصادرة حق الشعب في اختيار ممثليه.
رفض الإقصاء والاحتكار
كما أعلنت الهيئة رفضها لأي قوانين أو مراسيم أو اشتراطات سياسية من شأنها إقصاء أي مواطن أو فصيل من المشاركة السياسية، مؤكدة أن حق الترشح والانتخاب "حق أصيل" لا يجوز مصادرته إلا وفق أحكام القانون والقضاء المستقل.
ورفضت كذلك "كل أشكال التعيين والمحاصصة والكوتا التي تحل محل الإرادة الشعبية"، معتبرة أن الشعب "لا يفوض أحداً ليختار ممثليه نيابة عنه".
وربطت الهيئة بين استعادة الشرعية ومعركة التحرر الوطني، معتبرة أن القضية ليست شأناً إدارياً أو تنظيمياً داخلياً، بل جزء من إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني.
وقالت إن الفلسطينيين، في ظل مواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير، يحتاجون إلى مؤسسات تستمد قوتها من ثقة الشعب، وقيادة تستند إلى تفويضه، ونظام سياسي يقوم على الشراكة والمساءلة، لا على الاحتكار والأمر الواقع.
وحذرت من أن مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي لا يمكن أن تتم، وفق رؤيتها، عبر مؤسسات معطلة أو شرعيات متآكلة أو إقصاء قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني عن المشاركة في صناعة القرار الوطني.
دعوة إلى تحرك سياسي وشعبي
ودعت الهيئة جميع القوى السياسية والشخصيات الوطنية والنقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والتجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات إلى "توحيد الجهود" للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تجديد شرعياته الوطنية.
كما دعت إلى العمل من أجل ضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، باعتبارها المدخل الديمقراطي لإعادة بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني.
وأعلنت أنها ستستخدم «جميع الوسائل الشعبية والسياسية والقانونية المشروعة» لمواجهة أي إجراءات تنتقص من حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم أو تحاول الالتفاف على إرادتهم، مؤكدة أن الدفاع عن هذا الحق هو دفاع عن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
وختمت الهيئة بيانها بالتأكيد على أن معركة الانتخابات، من وجهة نظرها، ليست بهدف استبدال أشخاص بآخرين أو إعادة توزيع المواقع داخل النظام السياسي، وإنما هي معركة من أجل إعادة الاعتبار لمبدأ تعتبره أساسياً في الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو أن "الشعب هو صاحب القرار، وهو مصدر الشرعية، وهو وحده من يملك حق تفويض قيادته وتجديد مؤسساته".
وأكدت أن هذا المبدأ يمثل "خطاً فاصلاً" بين بناء نظام وطني ديمقراطي قادر على قيادة مرحلة التحرر، وبين استمرار أزمة سياسية تستنزف طاقات الشعب الفلسطيني وتضعف قدرته على مواجهة الاحتلال ومخططاته.
يأتي بيان "الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني" في وقت يدفع فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس باتجاه مسار انتخابي واسع لإعادة ترتيب المؤسسات الفلسطينية وتجديد شرعيتها، إذ أعلن في فبراير الماضي دعوة الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر 2026، فيما أعلنت الرئاسة في تموز/يوليو تحديد 28 نوفمبر موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من العام المقبل، وفق ما أعلنته الرئاسة الفلسطينية.
وكان عباس قد قدّم عام 2026 باعتباره «عام الديمقراطية الفلسطينية»، في سياق خطة تشمل الانتخابات المحلية وانتخابات المجلس الوطني والانتخابات العامة، فيما شهد العام بالفعل إجراء الانتخابات المحلية في نيسان/أبريل، كما عُقد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" وانتُخبت هيئاتها القيادية الجديدة.
وفي إطار هذا المسار، صادق عباس في يونيو على نظام انتخابي جديد للمجلس الوطني، ينص على انتخاب أعضائه بالاقتراع المباشر وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، مع تخصيص مقاعد للفلسطينيين في الوطن والشتات، والسماح، في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، باللجوء إلى المجمعات الانتخابية أو التوافق أو التعيين وفق ضوابط النظام. كما أُدخلت تعديلات على قانون الانتخابات العامة، من بينها زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي وخفض نسبة الحسم وتعزيز تمثيل المرأة.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة "الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني" إلى "لا للتعيين، نعم للانتخابات" متصلة مباشرة بالجدل حول الآليات التي ستُستخدم لتجديد مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، ولا سيما المجلس الوطني، وليس برفض مبدأ الانتخابات من حيث الأصل. فالهيئة تؤكد أن الشرعية "تُستعاد ولا تُمنح"، وترفض أن تتحول حالات تعذر إجراء الانتخابات إلى مسار دائم للتعيين أو التوافق الفصائلي، وهو ما يضعها في مواجهة سياسية مع أي ترتيبات ترى أنها قد تسمح بإعادة تشكيل المؤسسات التمثيلية بعيداً عن الاقتراع الشعبي.
ويتركز جانب أساسي من الخلاف، وفق مضمون البيان، على طبيعة العلاقة بين الانتخابات بوصفها أداة لتجديد الشرعية، وبين الترتيبات الاستثنائية التي قد تُعتمد في المناطق التي يتعذر فيها الاقتراع. ففي حين أقرت المنظومة الانتخابية التي صادق عليها عباس إمكان اللجوء إلى التوافق أو التعيين في بعض حالات تعذر إجراء الانتخابات في مناطق الشتات، تشدد الهيئة في بيانها على أن مثل هذه الاستثناءات يجب أن تبقى محكومة بضرورة حقيقية وبعد استنفاد الوسائل الممكنة، وألا تتحول إلى قاعدة دائمة أو بديلاً عن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.
ويعكس ذلك نقاشاً أوسع حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة شديدة الحساسية، إذ تتزامن التحركات لإجراء الانتخابات مع مساعٍ لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وتجديد المجلس الوطني، إلى جانب التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية. ومن ثم، فإن معركة الشرعية التي تتحدث عنها الهيئة تتجاوز مسألة إجراء الانتخابات في موعدها إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يملك حق إعادة تشكيل المؤسسات الفلسطينية، وما إذا كان ذلك سيتم عبر الاقتراع المباشر أم من خلال التوافقات والتعيينات والترتيبات السياسية.
وعليه، يمكن قراءة بيان الهيئة بوصفه رسالة سياسية إلى القيادة الفلسطينية والفصائل والقوى الوطنية بأن الدعوة إلى الانتخابات، في حد ذاتها، لا تكفي لضمان تجديد الشرعية، ما لم تكن الانتخابات شاملة وحرة ونزيهة، وتتيح للفلسطينيين في الوطن والشتات اختيار ممثليهم بصورة مباشرة، مع رفض أن تتحول الاستثناءات المرتبطة بصعوبة إجراء الاقتراع إلى وسيلة دائمة لإدارة التمثيل السياسي الفلسطيني.
ويأتي هذا الجدل في ظل محاولة عباس تقديم المسار الانتخابي والإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز شرعيته، في وقت ترى فيه الهيئة أن الأولوية هي ضمان ألا تتم إعادة إنتاج الشرعية عبر قرارات فوقية، وأن تكون الانتخابات، لا التعيين، هي الأساس في تحديد ممثلي الشعب الفلسطيني وتجديد مؤسساته.
يدكر أن الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني هي إطار تنسيقي فلسطيني أُعلن عن تأسيسه في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، في ختام أعمال ملتقى الحوار الوطني الفلسطيني الثالث، وتضم المؤتمرات الشعبية والمبادرات والشخصيات الوطنية المستقلة، بهدف تنسيق العمل الوطني والشعبي بين الفلسطينيين في الداخل والشتات.
وتطرح الهيئة نفسها باعتبارها مظلة لحشد الجهود الوطنية والتعبير عن المواقف تجاه القضايا الكبرى التي تمس القضية الفلسطينية، إلى جانب دعم صمود الفلسطينيين ومواجهة مخططات الاحتلال المتعلقة بالضم والتهجير والاستيطان، وتنظيم حملات إعلامية مشتركة. كما تركز في مواقفها السياسية على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وانتخابية، وتجديد المجلس الوطني الفلسطيني بمشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات.