في تطور جديد يعكس حجم التحول في مسار الصراع الدامي في السودان، أعلنت الجمعة قوة عسكرية تابعة لمليشيا"الدعم السريع "وتحديدا ما يعرف بـ"المجموعة 26"، استسلامها وتسليم نفسها بكامل عتادها للقوات المسلحة السودانية.

وقالت وكالة الأنباء السودانية الرسمية إن قوة تتبع "المجموعة 26" في "الدعم السريع" سلمت نفسها للقوات المسلحة بكامل عتادها.

وقد استقبل القائد النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة" هذه المجموعة برفقة قيادات من الجيش وجهاز المخابرات العامة.

وقال النور أحمد آدم في تصريحات صحفية إن القوات المسلحة والقوات النظامية استقبلت المجموعة التي أعلنت استسلامها، مؤكدا أن عمليات الاستلام المماثلة متواصلة، وأن عددا من أفراد مليشيا الدعم السريع انضموا إلى القوات المسلحة خلال الفترة الماضية.

وأضاف أن "الميليشيا تفتقر إلى المبادئ والقضية والاستراتيجية"، معتبرا أن الدعم الكبير الذي تتلقاه من جهات أجنبية لن يغيّر من نتائج المعركة، وأن أهدافها لا تتجاوز المصالح الشخصية.

وهنأ النور أحمد آدم القوات المسلحة والقوات المساندة بما وصفه بالانتصارات التي تحققت في محاور بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، مؤكدا استمرار تراجع ميليشيا الدعم السريع في تلك المناطق.

ودعا المواطنين في دارفور وكردفان إلى عدم الانسياق وراء الفتن، وحث أفراد الميليشيا على تسليم أنفسهم والانضمام إلى القوات المسلحة، مشيرا إلى أن الدولة السودانية ترحب بكل من يترك القتال ويعود إلى صفوفها، داعياً إلى توحيد الجهود من أجل بناء السودان.

من جانبه، قال القائد النقيب عثمان النور حسب خليل، أحد أفراد القوة التي سلمت نفسها، إنه انضم إلى القوات المسلحة قادما من بارا مع المجموعة المستسلمة، داعيا زملاءه إلى اللحاق بهم وترك القتال.

وأضاف أن أسباب استسلامهم تعود إلى ما وصفه بالحرب ذات الطابع العنصري والجهوي، فضلا عن شعورهم بالتهميش في حقوقهم.

انشقاقات مستمرة

ولا يمكن قراءة حادثة استسلام "المجموعة 26" بمعزل عن سلسلة الانشقاقات التي عصفت بالمليشيا خلال الأشهر الماضية، والتي تشير بوضوح إلى حالة من التصدع الداخلي العميق.

ويعتبر الحدث الأبرز في هذا السياق انشقاق القائد النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة"، في أبريل 2026، والقبة هو أحد المؤسسين الأوائل للدعم السريع وأبرز قادتها في معارك كبرى كالفاشر، ويحمل انضمامه للجيش واستقباله لرفاق الأمس كمستسلمين دلالات ميدانية تؤكد أن الخلل بات بنيويا.

وفي قراءة تحليلية لمسار هذه التطورات، يرى رئيس وحدة الدراسات السياسية والأمنية بـ"المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الإستراتيجية" مختار نافع، أن مستقبل قوات الدعم السريع يتجه نحو "استنزاف مستمر".

وأوضح نافع أن مليشيا الدعم السريع تعيش حالة من النزيف البشري "حيث أصبحت الانشقاقات ظاهرة شبه أسبوعية تضرب صفوفها".

ويعزو الباحث هذا التصدع المتسارع إلى التأثير العميق الذي أحدثه انشقاق "النور القبة"، والذي استثمر مكانته التاريخية داخل الدعم السريع لاستقطاب المجموعات التي كانت تدين له بالولاء، وسحبها تباعا للانضمام إلى صفوف القوات الحكومية.

ويؤكد ولد نافع أن حالة النزيف الراهنة قد لا تفضي إلى انهيار دراماتيكي وسريع لقوات الدعم السريع في المدى القصير، إلا أن تداعياتها العميقة ستنعكس بشكل تدريجي ومؤلم على موازين القوى في الميدان.

 

ويربط نافع تراجع مليشيا الدعم السريع بعامل حاسم يتمثل في الاعتماد المتزايد للدعم السريع على "المرتزقة"، مبينا أن هؤلاء المقاتلين يفتقرون إلى الحافز المعنوي والروح القتالية، وتنحصر دوافعهم في جني الأموال، مما يجعل التعويل عليهم للاستمرار في قتال طويل الأمد أمرا بالغ الصعوبة.

عزلة مجتمعية

وعلى الصعيد الاجتماعي، يبرز ولد نافع سببا جوهريا آخر لتراجع مليشيا الدعم السريع يتمثل في فقدانها شبه الكامل لحاضنتها الشعبية.

 

وأضاف أن "المجازر المروعة والانتهاكات الواسعة التي ارتكبها عناصر الدعم السريع أدت إلى تشويه سمعتها بشكل غير مسبوق، حتى داخل مجتمعاتها المحلية".

ورأى أن هذا السخط الشعبي المتنامي جعل الانتماء للمليشيا بمثابة وصمة عار ينبذها المجتمع، مما أفقدها القدرة على تجنيد دماء جديدة من السودانيين، ودفعها لزيادة ارتهانها للمرتزقة كخيار وحيد لتعويض خسائرها".

تحول إقليمي

وعلى المستوى الخارجي والإقليمي، يشير رئيس وحدة الدراسات السياسية والأمنية بـ"المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الإستراتيجية" إلى أن تحولات استراتيجية تعصف بتحالفات الدعم السريع "فمن جهة، تعاني الأطراف الدولية الداعمة لحميدتي من حالة إنهاك جراء انخراطها في دعم صراعات وجبهات مفتوحة في مناطق أخرى من العالم، ومن جهة أخرى، أجرت بعض دول الجوار التي كانت تشكل سندا للدعم السريع مراجعات لمواقفها بعد تأكدها من أن الصراع سيكون طويل الأمد".

ولفت إلى أن دول الجوار السوداني بات تدرك أن التداعيات الكارثية للصراع في السودان على أمنها القومي، لتصل إلى قناعة تامة بغياب أي أفق لانتصار الدعم السريع، مفضلة البحث عن تسويات تقيها مخاطر الفوضى.

تراجع الإمدادات

وفي سياق متصل أظهرت الانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش السوداني والقوات المساندة له في محور ولاية شمال كردفان حجم الإسناد اللوجستي الأجنبي الضخم الذي تعتمد عليه مليشيا الدعم السريع.

 فبعد المعارك العنيفة التي أفضت إلى استعادة السيطرة على مدن إستراتيجية وحيوية مثل "بارا"  و"جبرة الشيخ" فرت مليشيا الدعم السريع مخلفة وراءها خسائر فادحة وترسانة عسكرية متطورة.

وقد عثرت القوات المسلحة السودانية في مخازن قوات الدعم السريع، وتحديدا في مدينة جبرة الشيخ، على طائرات مسيّرة، وأنظمة دفاع جوي، وأجهزة تشويش واتصالات متقدمة، فضلا عن مركبات مصفحة وصواريخ مضادة للدروع وكميات كبيرة من الذخائر.

وتفيد تقارير صحفية  أن هذه الأسلحة النوعية تدفقت إلى الدعم السريع عبر جسور إمداد انطلقت أساسا من قواعد ومطارات في شرق وجنوب ليبيا، متخذة من المثلث الحدودي الرابط بين السودان وليبيا ومصر ممرا رئيسيا لها.

ووفق تقارير صحفية فإنه ومع تنبه الجيش السوداني لخطورة هذا الشريان اللوجستي، كثّف من رقابته الجوية ونفذ ضربات استباقية أسفرت عن تدمير قوافل تهريب عسكرية، واستهداف طائرات شحن حطت في مطار نيالا بدارفور، مما وجه ضربة لقدرة الدعم السريع على استدامة تسليح قواتها بسهولة.

وأجبر استمرار الضغط الجوي المكثف للجيش السوداني شبكات التهريب على تغيير استراتيجيتها وسلك مسارات صحراوية وعرة وأكثر خطورة، مما أدى إلى إبطاء وصول الإمدادات وإضعاف فاعليتها الميدانية.

وكان تقرير أممي صدر في نيسان/أبريل الماضي كشف عن وجود شبكة إمداد معقدة تنشط عبر الأراضي الليبية لصالح الدعم السريع، ولا يقتصر دورها على ضخ السلاح والمعدات عبر الحدود، بل يشمل أيضا استجلاب مقاتلين مرتزقة من جنسيات مختلفة، بمن فيهم مقاتلون كولومبيون، في محاولة لسد العجز المتفاقم في صفوف الدعم السريع.

تجدر الإشارة إلى أنه منذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني ومليشيا "الدعم السريع" حربا أسفرت، بحسب تقديرات أممية، عن مقتل الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، فيما تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية  في العالم.