د. علي شيخون
يستيقظ رجل ليجد أن قرار تمويله اتخذته خوارزمية لم ترَ وجهه، وأن الأسعار تتغير أمامه بحسب ما تعرفه الأنظمة عن رغباته، وأن مستشاره المالي برنامجٌ يجيب في ثوانٍ عمّا كان يستغرق أياما، فالذكاء الاصطناعي دخل عالم المعاملات من أوسع أبوابه: يُقرض ويقيّم ويستثمر ويسوّق، ويعرف عن جيوب الناس ما لا يعرفونه عن أنفسهم.
وهذا الواقع يفرض على من يتعامل في المال مهارات جديدة، أن يفهم كيف تُتخذ القرارات المالية التي تمسّه، ويميّز متى تخدمه الخوارزمية ومتى توجّهه، ويوظف الأدوات بدل أن يكون مادة خاما لها، والمعاملة نفسها تتبدل بنيتها عقود تُنفَّذ تلقائيا دون توقيع ولا مجلس، وتمويل يُحسم في دقائق وسعر يتقرر لكل مشترٍ على حدة.
وأهمية الموضوع أن هذا التحول يمسّ جوهر المعاملة ذاتها؛ فالعقد الذي قام في الفقه الإسلامي على الرضا والوضوح والعدل بين متعاقدَين يعرف كل منهما ما له وما عليه، صارت تصنعه أنظمة لا يرى المتعامل كيف تفكر ولا لماذا قررت. ومن يفهمها وظّفها في تدبير ماله، ومن يجهلها تلقّى قراراتها كقدَر غامض، فتتحول الفجوة المعرفية إلى فجوة مالية. والمسلم معنيٌّ مرتين لأنه متعامل يحفظ ماله ووعيه في سوق تديرها الخوارزميات، ولأن قيم معاملاته من صدق وشفافية وعدل ونهي عن الغرر هي ما يبحث عنه العالم وهو يضع ضوابط هذه التقنية. فكيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المعاملات اليوم وغدا؟ وكيف نتعامل معه بوعي المستفيد لا استسلام التابع؟ وما الذي يقدمه ميزان المعاملات الإسلامية لهذا المستقبل؟ هذا ما يرسمه المقال.
الوجه المشرق وما يقدمه الذكاء الاصطناعي للمتعامل
أبرز عطايا الذكاء الاصطناعي إعادة توزيع القوة في السوق، فالاستشارة الاستثمارية التي كانت حكرا على الأثرياء تقدم برامجُ الاستشارة الآلية جوهرها للمدّخر الصغير بكلفة زهيدة أو مجانا. والسرعة وجه ثانٍ فطلب التمويل الذي كان يستغرق أسابيع يُدرس في دقائق، وقد يعني وصول السيولة في وقتها الفرق بين نجاة مشروع وتعثره. وأعمق أثرا وصولُ الخدمات المالية إلى من كانوا خارجها؛ فملايين بلا سجل مصرفي صارت الأنظمة تقيّم جدارتهم من مؤشرات بديلة كانتظام الدخل والمعاملات الهاتفية، ففتحت التمويل الأصغر لبائع متجول وحرفية في قرية نائية، وهو معنى قريب من مقصد الشريعة في ألا يبقى المال (دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7).
ورابعها التدبير اليومي فتطبيقات تصنّف النفقات وتنبه إلى الاشتراكات المنسية وتكشف أنماط الإنفاق -محاسبةُ نفسٍ بلغة العصر-حتى كشف الاحتيال صار حارسا آليا يوقف العملية المشبوهة قبل أن يشعر بها صاحبها. غير أن هذه المزايا وجه واحد من العملة.
الوجه الآخر مزالق يجب الوعي بها
أولها: أن الأنظمة التي تخدمك تدرسك؛ فالتي تعرف دخلك ومواعيد ضعفك أمام الشراء تعرض المغريات في لحظة أقل مقاومتك، فإعلان بعد منتصف الليل، وخصم «ينتهي خلال ساعة»، وتمويل بضغطة زر عند صفحة الدفع استدراج مدروس يستهدف قرارك قبل أن تتخذه، ومن لا يدرك أنه مستهدَف ظن كل رغبة تلح عليه رغبته هو وقد صنعتها شاشته.
وثانيها: غموض القرار الآلي فالنظام الذي رفض تمويلك أو خفّض تصنيفك لا يشرح لماذا، وقد يبني على انحياز خفي في بياناته مثل حيّ سكنك أو معاملات أشباهك، والفقهاء حين منعوا الغرر والجهالة قصدوا حماية المتعامل من التزام لا يعرف حقيقته ولا مآله، والمقصد نفسه يقتضي ألا تُبنى فرص الإنسان على قرارات مغلقة يقع عليه أثرها وهو محجوب عن سببها.
وثالثها: ثمن الخصوصية فبياناتك المالية سلعة تُجمع وتُحلل وقد تُباع، ومن ملك تاريخك المالي ملك عنك صورة أدق مما عند أقرب الناس إليك، وحفظُ البيانات المالية اليوم جزء من مقصد حفظ المال لأن تسريبها باب لسرقته.
وآخرها: أن التقنية سلاح بيد المحتالين، أصوات مزيفة تقلّد قريبك، ورسائل تحاكي مصرفك، ومنصات وهمية أشد إقناعا من الحقيقية؛ فالأداة التي ترفع كفاءة السوق ترفع كفاءة الاحتيال بالقدر نفسه.
ميزان المعاملات الإسلامية أمام التقنية الجديدة
قامت المعاملات في الإسلام على رضا المتعاقدَين ووضوح المعقود عليه ومنع الغرر والغش والعدل في الثمن والشروط: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: 29)، وقد صيغت هذه القواعد لمعاملة بين إنسانين يتقابلان، وسؤال عصرنا كيف تعمل حين يكون أحد الطرفين نظاما آليا؟
خذ الرضا مثالاً، فالعقد الذكي ينفّذ شروطه تلقائياً دون توقيع ولا مجلس، ولا إشكال في هذا أصلاً فالفقه عرف التعاقد بالفعل والكتابة والإشارة والعبرة بدلالة الفعل على الرضا؛ الإشكال في رضا مبني على جهل، من موافقة على شروط لم تُقرأ صاغتها أنظمة تعلم أنها لن تُقرأ ودفنت فيها ما لو عُلم لما وُوفق عليه. فالتقنية لم تُلغِ شرط الرضا بل كشفت كم صار شكليا، والميزان الإسلامي يعيد الاعتبار لرضا قوامه العلم.
ومثل الرضا الشفافية: قال صلى الله عليه وسلم: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما»؛ والتبيين واجب على مالك المعلومة تجاه من لا يملكها؛ والخوارزمية اليوم هي المالك الأوحد للمعلومة، مثل تكلفة التمويل الحقيقية وهامش التسعير وأسباب القبول والرفض فمقتضى الميزان حق المتعامل في معرفة أسس القرار الذي مسّه، وهو عين ما تطلبه تشريعات حوكمة الذكاء الاصطناعي باسم «قابلية التفسير»، والمفارقة أن ما يصوغه المشرّعون اليوم بلغة التقنية صاغه فقه المعاملات قبل قرون بلغة النهي عن الغرر والجهالة.
وكذلك العدل في التسعير فعرضُ السلعة ذاتها بسعرين بحسب استعداد كل مشترٍ للدفع يقترب من معنى تلقّي الركبان الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم لما فيه من استغلال جهل الطرف الآخر بسعر السوق؛ والميزان لا يمانع تفاوت الأسعار بتفاوت الأسواق والأزمان، لكنه يمانع استغلال فجوة المعلومات لأخذ ما لا يُؤخذ لو تكافأ العلم. فهذا الميزان ليس قيدا على التقنية إنما رصيد فقهي جاهز يجيب عن الأسئلة نفسها التي يطرحها العالم بحثا عن ضوابطها.
التربية على التعامل الواعي
الوعي بهذه الأنظمة مهارة تُبنى بالتعلم والتدريب كالقراءة والحساب، وقاعدتها «افهم قبل أن توقّع، وتحقق قبل أن تصدّق، وقرر قبل أن يُقرَّر لك».
فعلى مستوى الفهم ثلاثة أسئلة تحسم معظم القرارات في أي خدمة مالية ذكية: ما البيانات التي تجمعها عني؟ وكيف تكسب من خدمتها المجانية؟ ومن خلفها وهل تخضع لرقابة معتمدة؟ ومن حقك عند أي قرار آلي بالرفض أو التصنيف أن تسأل عن سببه وتطلب مراجعته بتدخل بشري، حق تنص عليه أنظمة حماية المتعاملين في دول كثيرة، ومن لا يعرف حقه لا يطالب به.
وعلى مستوى القرار القاعدة الذهبية: الخوارزمية تقترح والإنسان يقرر؛ اجعل بينك وبين كل عرض مغرٍ حاجزاً زمنياً ولو ليلة، فالعروض المصممة على الاستعجال تفقد سحرها حين تنام عنها، واستخدم التقنية في ضبط التقنية من حدود إنفاق، وإيقاف الإشعارات التسويقية، ومراجعة شهرية للاشتراكات فهذا هو القوام الذي مدح الله أهله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67).
وعلى مستوى الأمان لا تحويل بناء على مكالمة أو رسالة مهما بدت مقنعة إلا بعد تحقق مستقل عبر قناة أخرى، وكلمة سر أسرية للطلبات المالية الطارئة تغلق بابا يدخل منه المحتالون إلى آلاف البيوت.
أما الأبناء فتربيتهم تبدأ من كشف اللعبة أن يعرف الطفل أن الإعلان الذي يلاحقه اختير له تحديداً، ويتدرب المراهق على سؤال من المستفيد من إقناعي؟ قبل كل شراء؛ فجيلٌ سيعيش عمره في سوق تديرها الخوارزميات يحتاج هذه الحصانة كما يحتاج التطعيم.
الذكاء الاصطناعي ماضٍ في إعادة تشكيل المعاملات استأذن أحداً أو لم يستأذن، والسؤال هو موقع الفرد من التحول الرقمي، هل هو متعاملٌ واعٍ يأخذ المنافع ويتقي المزالق، أم مادة خام تقرأه الخوارزميات وتوجهه وهو يحسب أنه صاحب القرار؟
والمطلوب لكل مسلم ثلاث: علمٌ بالحد الأدنى يفهم به الخدمة والقرار الذي يمسّه، وضبطٌ يجعل بينه وبين كل إغراء مسافة تفكير ويبقي زمام قراره بيده، ويقظةٌ تجعل التحقق قبل التصديق عادة تحمي ماله وأهله من احتيال يزداد إتقانا.
وما يملكه المسلم في هذه الرحلة رصيدٌ يسبق التقنية بقرون؛ ميزانُ معاملات قوامه الرضا عن علم، والتبيين لا الكتمان، والكسب بالعدل لا باستغلال الجهل؛ فمن حمله في تعاملاته الرقمية مشى في السوق الجديدة كما مشى التاجر الصدوق في سوقه القديمة، يتغير حوله كل شيء وتثبت قيمته، والآلة مهما بلغت تبقى أداة، والمرء مسؤول عمّا كسبت يداه بها؛ (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) (النجم: 39).