تقترب الإمارات من توقيع صفقة جديدة في الساحل الشمالي الغربي لمصر، لتتعاظم محفظة أراضيها بالمنطقة الاستراتيجية التي ترتفع أهميتها السياحية بشكل كبير.

وذلك في الوقت الذي تتوالى فيه تحذيرات معارضين من مخاطر على الأمن القومي مع صفقات يرونها غامضة وبلا شفافية، وبرغم تعالي أصوات أثرياء مصريين أغضبتهم قرارات إدارية وإجراءات جبائية اتخذتها إدارة منتجعات تابعة لمستثمرين إماراتيين.

والصفقة الإماراتية الجديدة بالبقعة الساحرة من البلاد، من المقرر أن يبرمها مستثمر إماراتي –لم يُعلن عن اسمه- قبل نهاية العام الجاري، بقيمة 135 مليار جنيه (2.7 مليار دولار)، لتدشين منشآت سياحية وفندقية في مساحة 642 فدانا بمنطقة "الجفيرة"، وبنظام المشاركة مقابل نسبة سنوية بين 20 و30 بالمئة من العوائد المستقبلية لمصر مع حصة عينية من الوحدات.

وبحسب "الشرق بلومبيرج"، ارتفعت القيمة السوقية لأرض "الجفيرة" العامين الماضيين، مدفوعة بزخم أحدثه مشروع تطوير "رأس الحكمة" المجاور منذ العام 2023 الذي شهد قرار العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب، بتخصيص أرض "الجفيرة"، لصالح بنك الاستثمار القومي، (حكومي) لتسوية مديونيات البنك، الذي فوض "هيئة المجتمعات العمرانية" للاختيار بين عروض استثمارية إماراتية وقطرية.

"الجفيرة" موقع استراتيجي يتبع مركز الضبعة بمحافظة مطروح، عند الكيلو 190 بطريق (الإسكندرية- مطروح)، على البحر المتوسط بين "الضبعة" و"رأس الحكمة" التي تبعد عنها بنحو 35 كيلومترا، ضمن الساحل الشمالي الممتد من العلمين إلى السلوم بطول 500 كيلومتر على البحر المتوسط، وبظهير صحراوي عمقه 280 كيلومترا، وبمساحة 160 ألف كيلومترمربع، ويضم 6 تجمعات سياحية: سيدي حنيش، ورأس الحكمة، والضبعة، وغزالة باي، وسيدي عبدالرحمن، والعلمين.

وتنضم الصفقة إلى سلسلة من الصفقات الخليجية القديمة في الساحل الشمالي الغربي، منذ عهد المخلوع حسني مبارك كمشروع "مراسي" لرجل الأعمال محمد العبار، أو الجديدة كـ"رأس الحكمة" لصندوق أبوظبي السيادي شباط/فبراير 2024، بقيمة 35 مليار دولار مقابل حصة 35 بالمئة من الإيرادات، بجانب صفقة الديار القطرية" بمنطقة "علم الروم" في نوفمبر 2025، بقيمة 29.7 مليار دولار، مقابل 15 في المائة من الأرباح.

وبالتزامن مع الحديث عن الصفقة الإماراتية الجديدة، أكد رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي، الأحد، اهتمام العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي بملف الساحل الشمالي، كاشفا عن توجيهات السيسي، بتقديم التيسيرات لتشجيع الاستثمارات لتحويل الساحل الشمالي وجهة سياحية وعمرانية واستثمارية مستدامة.

انتقادات ومخاوف

وتأتي الصفقة في الوقت الذي تفجرت فيه الكثير من الأزمات بين الملاك المصريين للوحدات الفندقية والشاطئية في الساحل الشمالي بمنتجع "مراسي" إحدى المشروعات الكبرى التي تمتلكها الإمارات بالساحل الشمالي.

 

وانتقد محللون توسع نظام الانقلاب في مبادلة وتسوية المديونيات الحكومية بالأصول والأراضي الاستراتيجية، مؤكدين أن التفريط بالأصول لتسوية المديونيات لن يسد العجز المالي بل يحرم الشعب من أصوله السيادية ويمنع الفرص البديلة لاستثمار أفضل بإدارة الأصول.

وحول سداد المستثمر 100 مليون جنيه كجدية حجز قبل نحو شهرين على أن يتم سداد قيمة الأرض على 6 سنوات، انتقد مصريون "سداد قيمة ذلك الأصل الاستراتيجي بالتقسيط على مدار 6 سنوات"، مؤكدين أن "المبالغ المدفوعة خلال تلك المدة لن تغطي حجم الدين الحكومي الذي طرحت الأرض لأجل سداده".

 

وأشاروا إلى مخاوفهم من "تحول الساحل الشمالي من مصيف للمصريين إلى تكتل استثماري خليجي تديره شركات رأس مال أجنبي عبر نموذج المشاركة والإدارة"، ملمحين إلى أن "تركز الاستثمارات الإماراتية في مساحات متلاصقة وممتدة من رأس الحكمة وصولاً إلى الجفيرة وسيدي عبدالرحمن يمثل نوعا من الاحتكار في سوق الاستثمار العقاري والسياحي المصري، ويصيب المستثمر المحلي بخيبة أمل".

وتتزايد انتقادات المصريين للصفقة مع ربطهم لها بصفات متزامنة وسابقة، بقطاعات الصحة والمستشفيات والدواء والتعليم والزراعة والموانئ والغاز والكهرباء والبتروكيماويات والفنادق والمنتجعات السياحية والأراضي الاستراتيجية على البحرين المتوسط والأحمر، والمناطق الحيوية في القاهرة.

 

وقبل أيام جرى الحديث عن شراء بنك "الإمارات دبي الوطني مصر"، محفظة الأفراد ببنك "HSBC – مصر"، لتتعاظم محفظة الدولة الخليجية المالية في مصر مع حضورها بـ5 بنوك هي: "أبوظبي الأول"، و"الإمارات دبي الوطني"، و"أبوظبي الإسلامي"، "أبوظبي التجاري"، و"المشرق"، إلى جانب شركة "فوري" للمدفوعات الإلكترونية.

 

وتعاظمت حصص الإمارات في السوق المصري منذ العام 2022، مع تملكها حصص بشركات: "موبكو للأسمدة"، و"أبوقير للأسمدة"، و"الإسكندرية للحاويات"، ومؤخرا سرى الحديث عن صفقة بيع محطة "جبل الزيت" بالبحر الأحمر بقدرة 580 ميغاواط- لشركة "ألكازار إنيرجي" الإماراتية بـ420 مليون دولار، وغيرها من الصفقات في مجال استخراج الغاز والبترول وطاقة الرياح، ناهيك عن عقود تستحوذ بها دبي وأبوظبي على جزء كبير من أعمال الموانئ المصرية.

 

طبيعة الاستثمار لا المستثمر

وفي قراءته الاقتصادية للصفقة الإماراتية الجديدة في الساحل الشمالي الغربي لمصر، وكيف تؤكد على سطوة الإمارات على المنطقة الاستراتيجية من البلاد، وما تكشفه عن تراجع حصص المستثمرين المصريين من تلك البقعة من البلاد لصالح المستثمر الأجنبي، تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور أحمد ذكرالله، لـ"عربي21".

وقال: "إذا صح خبر إبرام شراكة جديدة مع مستثمر إماراتي لتطوير 642 فدان بمنطقة الجفيرة فنحن أمام تطور مهم في نمط إدارة واستغلال الأصول، ومن وجهة نظري ليست المشكلة بجنسية المستثمر في حد ذاتها؛ فمصر بصفة عامة تحتاج الاستثمار الأجنبي، ولكن المشكلة في طبيعة الاستثمار الذي تعول عليه الحكومة منذ 10 سنوات تقريبا، وحجم الأصول التي يتم إسنادها، ومدى قدرة الدولة على الاحتفاظ بالسيطرة الاقتصادية والاستراتيجية على هذه المناطق".

 

وأكد أن "هذا موضوع مهم؛ ولكن هناك نقطة مهمة أخرى، هي ما تحصل عليه الدولة، والمجتمع المصري في مقابل تلك الصفقة"، مبينا أن "الأمر أكبر من أن يكون سطوة إماراتية بالرجوع إلى تاريخ هذه الأرض (الجفيرة) سنجد أنها خُصصت لبنك (الاستثمار القومي) عام 2023، لتسوية ديون حكومية، ثم جرى تفويض هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاختيار عرض لتطويرها بنظام المشاركة مع مستثمر إماراتي نتحدث عنه حاليا".

ولفت إلى أن "هذا الأمر يفتح قضية أكبر من الصفقة نفسها؛ وهو: هل أصبحت الأراضي والأصول العامة أداة متكررة لتسوية المديونيات بإعادة تدويرها في صفقات استثمارية؟"، موضحا أن "هذا النموذج قد يوفر سيولة للدولة في الأجل القصير، ولكنه يحتاج إلى قدر كبير من الشفافية والتقييم المستقل حتى لا تتحول الأصول الاستراتيجية إلى وسيلة لسد فجوات مالية مؤقتة على حساب الأجيال القادمة".

 

ويرى أن "الأدق اقتصاديا ألا نتحدث عن سيطرة إماراتية؛ فنحن نتحدث عن مشروعات أخرى لقطر ومشروعات ثالثة ربما للكويت، والأدق من وجهة نظري الحديث عن الاختلال الذي يحدث في هيكل ملكية وتطوير إدارة الأصول لأن المواقع المتميزة والاستراتيجية أصحبت بصورة متزايدة في يد عدد محدود للغاية من المستثمرين الأجانب".

اختزال الأمن القومي

وفي إجابته على السؤال: مع استمرار بيع الساحل الشمالي لمستثمرين أجانب وما يتبع ذلك من سطوة على المصريين ما المخاطر الاستراتيجية والتي تمس الأمن القومي المصري من تلك السطوة؟، أكد ذكر الله، أنه "لا ينبغي اختزال الأمن القومي في البعد العسكري، فقط فهناك أمن قومي اقتصادي وعمراني وغذائي وأمن يتعلق بالسيطرة على الموارد والأصول الاستراتيجية"، مبينا أن "الساحل الشمالي ليس مجرد شريط من منتجعات عمرانية؛ بل منطقة ذات مساحة هائلة، لها أهمية اقتصادية وعمرانية واستراتيجية".

وشدد على أن "الخطر الحقيقي في تركيز مساحات واسعة من النشاط الاقتصادي والعمراني في يد عدد قليل جدا من المستثمرين ورءوس الأموال الأجنبية، وخصوصا إذا ما اقترن هذا التركيز بحقوق تطوير وإدارة طويلة المدى، حيث نتحدث عن حق انتفاع طويل المدى، يقابله غياب منافسة حقيقية من رأس المال المصري".

"ولذلك أعتقد أن القضية أكبر من أنها تخص مستثمر إماراتي أو قطري أو خليجي ولكن القضية في أن يتحول الاستثمار الأجنبي إلى بديل عن المستثمر المصري، وأن يصبح المستثمر الأجنبي أكثر قدرة على الوصول إلى الأراضي الاستراتيجية والأصول العامة"، وفق الخبير المصري الذي أوضح أن "مصر تحتاج إلى استثمار أجنبي لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى استراتيجية واضحة لتضمن أن يكون الاستثمار الأجنبي مكملا للمحلي وليس بديلا عنه".

السؤال الأهم

رئيس قسم الدراسات الاقتصادية في "أكاديمية العلاقات الدولية"، وبحسب رؤيته الاقتصادية وتقييمه لما ورد من أرقام حول الصفقة من قيمة مالية وطرق السداد وحصة الدولة بنسبة 20 إلى 30 بالمئة، قال إن "أهم سؤال اقتصادي ليس كم مليار سيدخل خزينة الدولة، لأنه لا توجد شفافية ولا أرقام ثابتة معلنة فالحديث عن 275 مليار جنيه حديث عن إيرادات المشروع كإيرادات مستهدفة".

ويعتقد أن "أهم سؤال اقتصادي هو كم تبلغ القيمة الاقتصادية الحقيقية للأرض اليوم؟، وكم ستصبح قيمة الأرض بعد تطوير المنطقة؟، وما نصيب الدولة من هذه القيمة المضافة التي سيدرها المشروع؟، وإذا كانت مصر تقدم أراضي استراتيجية ذات قيمة مرتفعة فلابد أن يكون العائد متناسب مع القيمة الاستراتيجية، ومع قيمة الأصل، وليس فقط مقابل حفنة من الأموال تدخل خزينة الدولة".

وفي تقديره لأهمية نظام المشاركة في الإيرادات كبديل جيد، وما قد يطاله من انتقادات كتحول الدولة من صانع للسياسات الاستثمارية إلى شريك بلا قرار على أرضها مقابل عوائد قليلة، قال ذكرالله: "نظريا نظام المشاركة أفضل كثيرا من البيع المباشر للأرض؛ ولكن نجاح نظام المشاركة يتوقف على شروط العقد".

وأوضح أنه "إذا كانت الدولة تحتفظ بالأرض وتحصل على نسبة عادلة من الإيرادات والأرباح، مع وجود رقابة، ومراجعة دورية، وحقوق للدولة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، فهذا يكون نموذجا جيدا، أما إذا كانت المشاركة شكلية، ويملك المستثمر حق الإدارة والتسويق والتسعير والتطوير لفترات طويلة، وتحصل الدولة في النهاية على نسبة محدودة من الإيرادات، فإننا نكون أمام بيع غير مباشر للقيمة الاقتصادية للأصل حتى لو لم نستخدم كلمة بيع".

وأكد أننا "نحتاج معرفة من بيده تحديد أسعار الوحدات؟، ومن يدير المشروع؟، ومن يتحمل تكاليف البنية الأساسية؟، وكيف تُحسب الإيرادات؟، وهل النسبة الحكومية من إجمالي الإيرادات أم من صافي الأرباح؟، وماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات؟، وما الضمانات إذا تعثر المستثمر؟، هل تستطيع الدولة تغيير شروط التخطيط والتنمية بما يتوافق مع المصلحة العامة؟".

وخلص للقول: "كل تلك الأسئلة مطلوب الإجابة عليها بشفافية ووضوح وكما جاءت في العقود المبرمة، وإذا كانت هذه الإجابات لصالح الدولة نكون هنا قد نجحنا في إدارة عقود انتفاع، أما إذا كان غير ذلك، فهي عقود بيع حتى لو لم نقل ذلك".