القلوب لغز عجيب لا سيطرة للإنسان على قلبه، فهو بيد خالقه يقلبه كيف يشاء.
والأمر المحير أننا في بعض الأحيان نتعامل مع قلب غليظ وفي لحظة، بقدرة الله نجده وقد لان واطمأن، ولا ندري ماذا يحدث سوى أن هناك حتماً قوة تحركه كيف شاءت.
تعرضت لموقف رأيت معية الله وحنانه وكيف أن القلوب التي كنا نظنها غليظة تتبدل في لحظة من كلمة تنفذ إلى سويداء القلب بأمر ممن خلقه فتُضيء ظلامه ويغمره النور فيصبح بصيرًا.
فقد كنت مع مجموعة من الأخوات في إحدى الأسواق، ولفت نظر الجميع بائعة ملابسها غير لائقة، تكشف أكثر مما تستر فتفوهت إحدى الأخوات بقولها: الله يخلصنا من أشكال هؤلاء، فبادرت بقولي: ادعي الله لها بالهداية، فردت من فورها: هؤلاء لا فائدة منهم ألا ترين ما أرى من ابتذال، وبالفعل كانت ملابسها غير لائقة تمامًا.
حزنت على الفتاة وأنا أردد في نفسي قول الله سبحانه: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (الزخرف: 66). ودعوت لنفسي ولها بالهداية، ولكن لم تطاوعني نفسي بالحديث معها.
انتهينا من التسوق وطلبت الأخوات المصعد ونادوا عليَّ لألحقهم، وبينما أنا متجهة ناحيتهم مررت على الفتاة مرة أخرى ولكن لم نكن وحدنا، فقد سخرني الله سبحانه للحديث معها ومحاولة مساعدتها لعل الغشاوة تزال من على عينيها، ومن أجل الله ألقيت عليها السلام فردت بفتور توقعًا منها أني سأتكلم عن ثيابها، ولكني فاجأتها بقولي: هل تعلمين أنك جميلة جدًا ووجهك صبوح منير تبارك الرحمن، نظرت ليَّ متعجبة وهي تقول: تقصدين وجهي أنا، قلت لها: نعم عزيزتي وجهك نور ورونق وجمال، حاولي أن يدخل هذا الوجه الجنة ما استطعتِ.
كانت الفتاة في حيرة من أمرها، ولكن جذبت عيونها زخارف الدنيا وكأنها لم تسمعني، فقالت وهي تشير إلى قطعة ذهبية قائلة: أرأيت هذا الجمال هل هو ماس؟! إن فصوصه تتلألأ، قلت لها بود وحنان: هل تحبين أن تمتلكي مثل هذا وأفضل كثيرًا وقطعًا كبيرة ولا تدفعي دولارًا واحدًا؟!
قالت: وكيف تتحقق هذه المعجزة؟ قلت لها بشكل مباغت: هل تصلّين؟ وكانت الإجابة بالنفي، فقلت لها: حتى تحصلين على هذه المجوهرات وأفضل منها مفتاح بابها الصلاة، تقابلين مالك ذلك الباب وتطلبين منه المفتاح، فالصلاة هي مفتاح الجنة.
قالت: هل تتكلمين بشكل جدي أن أحصل على ما أريد من مجوهرات ومجانًا، قلت لها: نعم، فهذه الجنة عرضها السماوات والأرض، وفيها أقراط من الذهب والفضة والماس وغيرها كثير.
نادت عليَّ إحدى الأخوات قائلة: هلمي هذه هي المرة الثالثة التي نطلب فيها المصعد انتظارًا لقدومك.
فقلت للفتاة بسرعة: لا تنسي وجهك الجميل، عاهدي نفسك أن تساعديه على دخول الجنة، وابدئي صلاتك، أدرت ظهري للحاق بالأخوات فلحقتني الفتاة مهرولة وأمسكت بيدي قائلة: أعدك أني سأصلي.
خرجت من المكان وقد ضخ قلبي دم الفرحة والسعادة وتوكلت على الله أدعوه وما زلت، أن يمن عليها بالرجوع إليه.
سبحانه لم يتركها وحدها للشيطان، بل كان معها وسخر لها من يحاورها، وهكذا كلنا لسنا وحدنا.
فأينما تولينا فثَم وجه الله الودود.
وبالطبع إن بدأت صلاتها بالفعل ولقاء يومي مع الله يتكرر أكثر من مرة ويجعل عملها بعد ذلك موافقًا لنيتها، فلن تحتاج بعد ذلك أن يحدثها أحد عن ثيابها وسوف ويتغير كل شيء بالتدريج أو مرة واحدة حسب فضل الله عليها، فالعلاقة بالله سبحانه مع حبه والخضوع له طواعية تجعل تنفيذ أوامره سهلة ميسرة محببة للنفس، ولذلك كان تركيزي معها منصبًا على الصلاة وليس الثياب.
نسأله سبحانه برحمته أن يمن علينا بقلب لين خاشع مخبت محب متوكل عليه.
المصدر: المجتمع