محسن محمد صالح
أصدر الرئيس محمود عباس نحو 500 قرارٍ بقوانين، و280 مرسوماً رئاسياً، وعدداً أكبر من القرارات الرئاسية منذ سنة 2007 وحتى سبتمبر 2026. تُظهر الأرقام أننا أمام "مصنع" أو "شلال" من القرارات التي تَحكم الحياة السياسية الفلسطينية (منذ ما يُعرَف بالانقسام)، والمرتبطة بشخص "الزعيم": رئيس منظمة التحرير، ورئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس دولة فلسطين، ورئيس حركة فتح.
وفي الوقت نفسه، فقد نجح عباس خلال هذه الفترة في إحداث هيمنة كاملة على الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية الفلسطينية؛ وتمكن من شلِّ وتحييد المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، ومن وضع المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية للمنظمة تحت سيطرته، بالإضافة إلى حكومة السلطة.
ويَظهر أننا أمام حالة احتكار قيادة، حوَّلت البنية السياسية الفلسطينية إلى بنية "شخصانية"؛ وعمّقت أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وكأن ما فيه من أزمات وتحديات ومخاطر لم تكن كافية. ومنذ اتفاقات أوسلو 1993، وخصوصاً خلال العقدين الماضيين تعمّقت:
- أزمة الشرعية الشعبية.
- أزمة التمثيل الفلسطيني في البنى المؤسسية الناظمة للشعب الفلسطيني.
- أزمة الفصل بين السلطات.
- أزمة البنية المؤسسة للمنظمة وللسلطة.
- أزمة "الديموقراطية" الداخلية، وأزمة التعددية.
وقد أحدث ذلك مفارقات تستحق التوقّف عندها:
المفارقة الأولى، أنه بينما يحتكر الزعيم (الرئيس عباس) كل الصلاحيات، ويمارس سلوكاً سلطوياً منفرداً، فإنّ الشعب الفلسطيني هو من أكثر شعوب العالم تعلّماً وانفتاحاً وحبّاً للحرية، ولديه مئات الآلاف من الكفاءات والخبرات والطاقات، التي لا تجد لها مجالاً داخل المنظومة الضيقة للزعيم.
المفارقة الثانية، أنّ الزعيم بينما ينتزع كلّ الصلاحيات، ويحتكر كلّ السلطات، ويمارس ديكتاتوريته على شعبه؛ فإنّه وفريقه القيادي من حملة بطاقات الـ"VIP"، يعيشون كما يقول هو نفسه "تحت البساطير الإسرائيلية"؛ ولا يستطيع الذهاب لمقر عمله أو دخول مناطق السلطة أو الخروج منها دون موافقة الجندي الإسرائيلي الذي يقف على الحاجز.
المفارقة الثالثة، أنّ محمود عباس يمارس كلّ هذه السلطات، وهو في حالة "انتهاء صلاحية"، حيث أنّه انتُخب قبل أكثر من 22 عاماً لرئاسة السلطة، ولم يحصل له تجديد حقيقي شفاف لا على صعيد السلطة، ولا حتى على صعيد منظمة التحرير التي كان يتم هندسة نتائجها مسبقاً مع استبعاد المنافسين المحتملين.
المفارقة الرابعة، أنّ عباس يمارس بإصرار كلّ هذه الصلاحيات، بالرغم من أنّ استطلاعات الرأي العام الفلسطيني تطالبه في كلّ مرة، وبوضوح لا يحتمل اللبس، ومنذ نحو ثلاث سنوات، بالاستقالة وبنسبٍ تتراوح بين 80 و89 في المائة. كما أنه وفق الاستطلاعات نفسها يخسر في أي انتخابات حرة أمام مرشح حماس، أو أمام مروان البرغوثي وبفارق كبير.
المفارقة الخامسة، أنّ الجمهور الفلسطيني يتهم السلطة التي يقودها عباس بالفساد، وبنسبٍ تزيد عن 80 في المائة، بينما يَرى أغلب الجمهور في الضفة الغربية وقطاع غزة أنها أصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني.
المفارقة السادسة، أنه بالرغم من الحالة السلطوية الشاملة التي يمارسها عباس، فإنّه في مواجهة المخاطر الوجودية التي تعيشها القضية الفلسطينية يفتقد للرؤية والبوصلة والبرنامج للخروج من المأزق الفلسطيني؛ وفي الوقت نفسه لا يُتيح بيئة مؤسسية حاضنة ومستوعبة للقوى والكفاءات الفلسطينية للتفاعل الإيجابي للخروج من الأزمة.
المفارقة السابعة، أنّه بينما غادر الاحتلال الإسرائيلي مربع أوسلو، وانشغل قادته الحاليون بتنفيذ خطة "الحسم" وتفكيك السلطة لفلسطينية إلى بلديات أو كانتونات، والضم الفعلي للضفة الغربية وإغلاق الملف الفلسطيني، وأصبح عباس وفريقه في أمسّ الحاجة لتحقيق اصطفاف فلسطيني فعَّال؛ فإنّه ما زال يقدم نفسه كجهةٍ جديرة بالثقة لِمطاردة المقاومة الفلسطينية، والحلول مكانها في قطاع غزة ونزع أسلحتها، مع الالتزام بعدم إشراكها في المنظومة السياسية الفلسطينية، وعدم استيعابها في بنية منظمة التحرير ومؤسساتها.
المفارقة الثامنة، أنّه بينما تجاوز كثير من الفلسطينيين ملاحظاتهم على عباس ومنظومته، وسعوا إلى المشاركة في انتخابات المجلس الوطني، المزمع عقدها في نوفمبر القادم، ورضوا بالتوافق على الحد الأدنى المشترك في مواجهة المشروع الصهيوني؛ فإنّهم وجدوا أنفسهم في دائرة التجاهل والاستبعاد؛ ورأوا بأعينهم كيف تتم "هندسة" التمثيل لفلسطينيي الخارج، كما حدث في المجمعات المنتقاة في دول الخليج وأوروبا.. مما أوجد حالة واسعة من الاستياء والشعور بأن القيادة تستخف بعقول الناس، وتسرق إرادتهم وحقّهم في التمثيل العادل.
المفارقة التاسعة، أنّ شرعية منظمة التحرير وتمثيلها كمؤسسة للشعب الفلسطيني لا تعني بالضرورة شرعية القيادة المتحكمة فيها، وفرق كبير بين المنظمة كبيتٍ للشعب الفلسطيني وبين قيادة مزمنة متسلطة عليها. والربط التلقائي بين "الشرعيتين" غير صحيح دستورياً وقانونياً وسياسياً وأخلاقياً؛ وينبغي لعباس وفريقه ألا يرفعوا عصا الشرعية في غير مكانها.
* * *
ما زال الرئيس عباس للأسف يراهن على قدرته على الاستمرار باحتكار القرار من خلال سيطرته على حركة فتح، وسيطرته على الموارد المتاحة، وعلى مفاتيح التعيين؛ ومن خلال الدعم السياسي والمالي العربي والدولي، ومن خلال التحكُّم في أدوات إدارة "اللعبة" الانتخابية. كما يراهن على الخوف والعداء من الإسلاميين وخط المقاومة في البيئة الإقليمية والدولية؛ ويراهن أيضاً على حالة الخوف لدى الكثيرين من حدوث فراغ سياسي في حال إسقاطه أو سقوط منظومته.
إنّ إدراك خطورة المرحلة يتطلب من الرئيس عباس وفريقه (وخصوصاً حركة فتح التي تُشكِّل البنية الأساسية الفعالة لماكينة الرئيس) تحمّل مسئولياتهم التاريخية، والتقدّم على الأقل باتجاه الحد الأدنى المشترك مع القوى الفلسطينية. وبصراحة، فإن كاتب هذه السطور يرى أن رصيد التجربة غير مطمئن، ولا يمكن البناء عليه، ويرجو أن يكون مخطئاً. ولذلك فإن على القوى والفعاليات والرموز الفلسطينية المخلصة تَحمُّل مسئولياتها هي الأخرى للدفع باتجاه الخروج من المأزق الفلسطيني.
x.com/mohsenmsaleh1