رغم التضييق الذي شهدته انتخابات الاتحادات الطلابية منذ سنواتٍ عديدةٍ فإن أُسر النشاط ظلت المعقل الرسمي الأخير للطالب لممارسة نشاطه، إلا أن هذا المعقل أيضًا امتدت له يد الهدم والتضييق مؤخرًا.
ولم تبرح يد النظام أن تمتد بالتخريب في هذه الورقة الرسمية الأخيرة، وبعد أن تحوَّلت الاتحادات الطلابية إلى مجرَّد أشباحٍ ليس لها وجود على أرض الحياة الطلابية، وتحوَّل طلاب الاتحادات إلى مجرَّد دُمَى في أيدي الإدارات الجامعية تُحركها كيف تشاء بعيدًا عمَّا فيه مصلحة الطلاب أو الجامعة؛ لذلك كانت الأسر هي المعقل الأخير أمام الهيمنة المفضوحة للنظام داخل الجامعات المصرية.
وقد بدأ سوس النظام ينخر في هذا المعقل تارةً بالتضييق على نشاط الأسرة وإحالة أفرادها إلى التحقيقات والفصل دون أسبابٍ، بل والاعتقال أحيانًا، وتارةً بفرض شروطٍ تعجيزيةٍ للموافقة عليها، وإن لم تصلح هذه أو تلك فإن آخر الدواء شطب الأسرة كلها.
والراصد لحركة وتاريخ النشاط داخل الجامعة يرى أن هذه الأسر كانت نواةً لمشروعاتٍ خدميةٍ ضخمةٍ في المجتمع فيما بعد، بل إن بعضها تواصل واستمرَّ بعد تخرج الطلاب وتعدت خدماتها أسوار الجامعة.
"إخوان أون لاين" طاف على بعض الجامعات مستعرضًا نشاط بعض الأسر وتاريخها، محاولاً استكشاف تأثير هذه الأسر في المحيط الموجودة فيه لعلها تكون الخطوة الأخيرة في تسجيل تاريخٍ مضيء لآخر معاقل الحرية بالجامعات المصرية.
عزيمة وإصرار
تكريم الأوائل أحد أنشطة أسرة صلاح الدين

في جامعة القاهرة تتردد أسماء بعض الأسر كعلاماتٍ مميزةٍ لهذه الجامعة العريقة، والتي نطوف معها سريعًا بدايةً بكلية الطب؛ حيث تحتل أسرة "صلاح الدين" مكانةً كبيرةً بين طلاب الكلية منذ ما يزيد عن 15 سنةً متواصلةً تُمارس فيها الأسرة نشاطها تحت المظلة الرسمية لإدارة الكلية حتى العام قبل الماضي، والذي تمَّ فيه تجميد نشاط الأسرة، ثم تمَّ رفض تسجيلها العام الماضي، ولكن طلاب الأسرة أبوا إلا أن يستمر اسم الأسرة باقيًا رغم محاولات الشطب والطمس لتاريخها.
يقول هشام محمد- أحد أعضاء الأسرة-: أسرة "صلاح الدين" تقدم خدماتٍ متعددة لطلاب الكلية، ولهذه الخدمات تأثير قوي وفعَّال، وعلى سبيل المثال كنا حتى العام قبل الماضي نقوم بعمل ملازم الامتحانات لفرق الكلية الست بأسعار زهيدة، وكنا نوزع على كل دفعةٍ ما يقارب الـ400 ملزمة؛ ولقوة تأثير هذا الأمر في الطلاب قامت إدارة الكلية منذ عامين بطباعةِ هذه الملازم وتوزيعها مجانًا على الطلاب.
ويوضح أن الأسرة قامت بعمل مشروع "العائلة الطبية"، والذي يعطي الحق لأي طالبٍ بالكلية وأسرته بإجراء الكشف المجاني عليهم عند أي طبيبٍ بقصر العيني، كما تقوم الأسرة كل عام بتوزيع 3000 كارت للمستفيدين من هذه الخدمة، وهناك أيضًا ندوات ومعارض CD وشرائط محاضرات ومجلات طبية، ويتم فيها بيع بعض الأدوات الطبية بأسعار مخفضة.
ويستطرد قائلاً: ولأننا في كلية عملية وأغلب طلابها يحتاجون إلى الدروس الخصوصية، فإننا نقوم بالاتفاق مع بعض الأساتذة لتخفيض الأسعار لغير القادرين، كما نقوم كل عامٍ برحلاتٍ لدور الأيتام ورحلات أخرى ترفيهية.
ويؤكد هشام أن من أهم الأعمال التي تلاقي صدًى واسعًا داخل وخارج الكلية المهرجان الفني الذي تُقيمه الأسرة كل عام، وهو يتم منذ أربع سنوات ويحضره ما يقارب الـ1000 طالب وطالبة.
18 سنة نشاط
كما لا يخفى أيضًا اسم أسرة "النور" بكلية الصيدلة جامعة القاهرة عن الأضواء وسباق النشاط بالجامعة، والتي بدأ نشاطها منذ عام 1989م، أي منذ ثمانية عشرة عامًا، وظلت تعمل بشكلٍ رسمي منذ نشأتها حتى عام 2001م، وهو العام الذي شُطبت فيه الأسرة، ولكنها تعمل بشكلٍ غير رسمي حتى الآن.
الطالب محمد محيي بالفرقة الرابعة وأحد أعضاء الأسرة يُوضِّح أن الأسرة تمارس نشاطها بكل قوةٍ بالكلية، وقد فازت سنة 2000م بانتخابات اتحاد الطلاب، ويقول: كانت كليتنا وكلية دار العلوم هما الكليتان الوحيدتان اللتان فازتا وقتها بانتخاباتٍ حرةٍ ونزيهةٍ بالجامعة، وكانت عميدة الكلية وقتها هي الدكتورة نادية مرسي، والتي رفضت شطب الطلاب من قوائم المرشحين، وتصدت لأوامر الأمن في موقفٍ لا يُنسى لها؛ ولذلك كانت هي أقل عميدة لكلية الصيدلة؛ حيث لم يتم التجديد لها!!.
![]() |
|
دعم المقاومة من أهم أنشطة الطلاب |
ويضيف: أن أكبر نشاط للأسرة هو الحفلة السنوية التي تُقيمها منذ 18 عامًا ويحضرها ما يقرب من 1000 طالب وطالبة، ويتم فيها عرض أفلام يقوم بإعدادها وتمثيلها وإخراجها الطلاب، وكانت الحفلة تقام داخل الكلية طوال هذه الأعوام، ولكن منذ سنتين ولشدة التضييق علينا فإننا نُقيمها خارج الكلية!!.
ويستطرد محيي: نقوم أيضًا بعمل معارض دورية للطلاب وإفطار جماعي في رمضان يحضره ما يقارب الـ1000 طالب، كما نُقدِّم مذكرات الامتحانات لطلاب الفرقة الأولى كل عام.
وعن دور أسرة "النور" في خدمة المجتمع يقول محيي: لقد قمنا العام الماضي بحملة تنظيف للكلية، وأطلقنا على هذا اليوم "يوم صيدلة"، وقمنا فيه بتنظيف مدرجات الكلية وتفاعل الطلاب معنا.
كما نُوفِّر للطلاب أدوات المعامل بسعرٍ مخفض؛ حيث نتفق مع بعض المحلات على أن تقوم بتخفيض أسعار الأدوات للطلاب.
ومن تاريخ الأسرة أن مقرر الأسرة سنة 1995م كان الداعية الإسلامي الدكتور خالد أبو شادي.
وعن التضييقات التي تتعرض لها الأسرة في نشاطها يقول محيي: الشطب في الانتخابات ومحاصرة قوات الأمن لأسوار الكلية عن ممارسة أي نشاطٍ، وتمزيق اللوحات التي نقوم بتعليقها، والتحقيقات والفصل المتواصل لأقل الأسباب، ومنعنا من التحدث مع الطلاب في المدرجات، كل هذه وغيرها تضييقات نتعرض لها، ولكنها لن توقفنا عن العمل بإذن الله.
ويؤكد محيي أن الأسرة ستظل باقيةً ومستمرةً، وقد قدمنا أوراقها هذا العام، وتم إبلاغنا بضرورة تغيير اسم الأسرة، وأن الأمن هو مَن طلب هذا الأمر، وقيل: إنه بحجة عدم تكدير الأمن العام والمحافظة على الوحدة الوطنية، كما طلبوا عدم تسجيل بعض الأسماء في الأسرة وإلا سيتم شطب الأسرة!!.
من الصفر
وفي جامعة حلوان يبرز نفس الاسم أسرة "صلاح الدين" بكلية التجارة، إلا أن عمرها يقل 5 سنواتٍ عن نظيرتها في طب قصر العيني، فمنذ أكثر من عشر سنوات تمارس الأسرة نشاطها داخل الجامعة رغم حظرها منذ عدة سنوات من جانب إدارة الجامعة، ولكن هذا الحظر لم يحجب الأسرة ولم يمنعها من ممارسة نشاطها والوجود بين الطلاب كل عام.
![]() |
|
أحد المهرجانات الفنية لطلاب جامعة حلون |
ويتحدث عبد العزيز مجاهد- أحد أبرز أعضاء الأسرة- قائلاً: الطالب الوحيد القادر على الحديث مع الطلاب في المدرجات وخارجها هو طالب أسرة صلاح الدين؛ وذلك لوجودها القوي والفاعل وسط الطلاب، بينما هناك أسر أخرى لا تتعدى مجرد حجرة أو مقر وُضعت عليه لافتة باسم الأسرة، فضلاً عن طلاب الاتحاد الحكومي والذين لا نسمع عنهم ولا نراهم.
وحول فكرة إنشاء الأسرة يُوضِّح مجاهد أن أسرة "صلاح الدين" بدأت كفكرةٍ من جانب بعض الطلاب عن طريق كرسي ولافتة ورقية كُتِبَ عليها اسم الأسرة، ثم تطوَّر الأمر تدريجيًّا إلى لوحةٍ من القماش ومقرٍّ ثابتٍ، ثم أصبح لنا الآن بفضل الله ثلاثة مقرات دائمة داخل الجامعة؛ فمقرها الرئيسي عند مدرج 15 والمقر الثاني بجانب السكاشن والثالث بجانب مدرج 18، ونجد كل عام إقبالاً قويًّا من الطلاب الجدد للتسجيل في الأسرة يصل إلى 100 طالبٍ من الفرقة الأولى فقط.
ويشير إلى أن الأسرة تبدأ نشاطها مع بداية العام الدراسي بتوزيع دليل الفرقة الأولى وجداول المحاضرات وإقامة المعارض التوضيحية واستقبال الطلاب الجدد، كما يقوم طلاب الأسرة بتجهيز "شنطة" رمضان كل عام ويتم توزيعها على العمال داخل الجامعة، كما تقوم الأسرة بتقديم بعض العون للطلاب غير القادرين بتزويدهم بالكتب الدراسية التي يتقدَّم بها بعض الأساتذة لإعانتهم.
ويؤكد أحمد مجاهد أن أسرة صلاح الدين تعتبر صاحبة أكبر دورةٍ رمضانيةٍ لكرة القدم بالجامعة كلها، وهي "دورة القدس"، والتي تُقام للعام الثامن على التوالي، موضحًا أن العام الماضي اشترك فيها 90 فريقًا والفريق مكون من 10 أفرادٍ، أي أن عددَ المشاركين بالدورة قارب الألف طالب، وهو أضخم عملٍ طلابي بجامعة حلوان كلها.
ويؤكد أن الأسرةَ قامت في العام الماضي فقط بعمل وتوزيع 12 ألف عددٍ من ملازم الامتحانات على طلاب الفرق الأربعة بكلية التجارة، وتقوم كذلك بعمل مكتبة متنقلة لاستعارة الكتب والشرائط الدينية والتعليمية تفتح خلالها باب الاستعارة للطلاب، موضحًا أن عددَ المترددين على المكتبة والمستعيرين للكتب والشرائط يصل إلى 4000 آلاف طالب وطالبة.
100 بلطجي
ويعتبر مجاهد أن أهم الأحداث التي شهدتها أسرة "صلاح الدين" خلال عملها داخل الجامعة كان عام 2003م حين تم إدخال 100 فرد من البلطجية إلى الجامعة للاعتداء على طلاب الأسرة، وتم نقل بعض الطلاب وقتها إلى المستشفيات بعد أن تعرَّض بعضهم لإصابات خطيرة، مشيرًا إلى أن الأسرة تعرضت لمحاولات استئصال ومحو من الوجود عندما تم في العام الماضي اعتقال 29 من أعضاء الأسرة لعدة شهور وتم فصل 35 طالبًا آخر من أعضاء الأسرة لمددٍ مختلفة وصلت إلى 3 سنوات لبعضهم!!.
ويشير إلى أن الأسرة بدأت تخوض انتخابات اتحاد الطلاب منذ أربع سنوات باسم قائمة أسرة صلاح الدين، ولكنها كالعادة يتم شطبها دون أي أسبابٍ قانونية، وقال إن الدكتور رشاد عبد اللطيف- نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب- وعدنا بالموافقة على تسجيل الأسرة هذا العام بشرط أن يتم تغيير اسمها، معتبرًا أن "صلاح الدين" اسم يضر بالوحدة الوطنية- على حدِّ قوله-!!.
أسرة الأضواء
وتعد أسرة "الأضواء" بجامعة المنصورة التابعة لطلاب الإخوان المسلمين أحد أهم المعالم الشهيرة بكلية الطب؛ فتاريخ هذه الأسرة يمتد إلى 29 عامًا، وتعتبر أقدم أسرة في الجامعة كلها، وهي أسرة رسمية يتم الموافقة عليها من جانب إدارة الجامعة، كما تعتبر أسرة "الفجر" بكلية الهندسة من أشهر الأسر بالجامعة أيضًا، وتمارس نشاطها منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وبكلية التربية نجد أسرة "النور"، وفي كلية التجارة لن تخطئ عينك أسرة "النجوم"، وفي كلية الصيدلة لا بد وأنك سمعت بأسرة "الحياة".
![]() |
|
إقبال طلابي على معارض الكتب التي تقيمها الأسر |
يقول عمرو أحمد عبد الباري- أحد أعضاء أسرة الأضواء-: إن الأسرة تُقدم خدماتٍ كثيرة للطلاب، ونحن نبحث عمَّا يحتاجه الطالب ونقدمه لتكون خدماتنا مفيدة ومتميزة عن غيرنا؛ ولذلك فإن الأجيال بكلية الطب تتوارث التعريف بأسرة الأضواء، فأي خريجٍ يعرف طالبًا مستجدًا بالكلية من أقربائه أو أصدقائه فإنه يوصيه بالتعرف على الأسرة ومتابعة إصداراتها، والتي لا يستغنى عنها طالب كلية الطب.
ويضرب عبد الباري مثالاً لهذا الأمر بأن الأسرة تقوم بعمل مكتبة إسطوانات ليزر CD علمية وتعليمية، وهي تعتبر أكبر مكتبة إلكترونية في الجامعة كلها ولا يستغنى عنها أي طالب، بل يتم تداول إصداراتنا في جامعاتٍ أخرى.
ويقول عبد الباري: إن علاقتنا بباقي الأسر الطلابية علاقة طيبة، وهناك تعاون كبير بيننا، فنحن نعمل بروح الفريق، ونشترك في معرض الأسر الذي يتم كل عامٍ بجناحٍ مستقلٍ باسم الأسرة، كما نشارك في الإفطار السنوي للأسر في شهر رمضان كل عام.


