- د. عاصم: النظام لا يريد من الطلاب إلا كلمة "آمين"
- د. القزاز: لا فصلَ للسياسة عن التعليم.. والتنظيمات السرية هي البديل
تحقيق- سلمى البحيري
لعبت الحركة الطلابية المصرية دورًا كبيرًا في الحركة الوطنية الرامية إلى تحقيق الاستقلال التام، ومقاومة الملك الفاسد؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يقول المؤرخ الفرنسي "والتر لاكير": "لم تلعب الأحزاب دورًا في الحركة الوطنية مثل الدور الذي لعبه الطلاب"، وتعد فترة الأربعينيات هي الفترة التي اكتمل فيها شكل الأحزاب داخل العمل الطلابي؛ فمنذ الثلاثينيات احتل حزب "مصر الفتاة" المركز الأول، وجاءت في المقام الثاني جماعة الإخوان المسلمين حتى بداية الأربعينيات عندما نجحت المنظمات الماركسية في تحقيق وجودها بين صفوف طلاب الجامعة.
![]() |
|
الحركة الطلابية لعبت دورًا بارزًا في الحياة السياسية بمصر |
ومع بداية العام الدراسي (أكتوبر 1945م) قامت محاولة أخرى لتكوين جبهة طلابية لعب فيها الشيوعيُّون والطليعة الوفدية الدور الأساسي في التنظيم، وتجاوزت دعوة الجبهة- هذه المرة -حدود الجامعة لتمتد إلى طلاب الأزهر والمعاهد العليا والفنية، فعقدت اجتماعها بكلية الطب ضم ممثلين للطلاب اتخذوا قرارًا بتكوين "اللجنة التحضيرية للجنة الوطنية للطلبة".
أما الفترة بين (1946- 1952م) فكانت فترة النشاط السياسي داخل الجامعة مقسَّمةُ بين الوفديين والشيوعيين والإخوان المسلمين كقوى سياسية أساسية، إلى جانب قلة سارت في ركاب الحزب الاشتراكي "مصر الفتاة"، وكان مظهر النشاط السياسي الوطني تنظيم المظاهرات الإضرابات في المناسبات الوطنية المختلفة حتى قيام ثورة يوليو وتشكيل "هيئة التحرير" يناير 1953م، فاستطاع التنظيم الجديد أن يستقطب عددًا من الطلاب كما استقطب بعض أعضاء هيئة التدريس، وأصبح النشاط السياسي محظورًا داخل الجامعة، ولم يتم استئنافه إلا في الستينيَّات، غير أنه كان قاصرًا على أعضاء "الاتحاد الاشتراكي العربي"، و"منظمة الشباب"، أما العناصر السياسية الأخرى فاتجهت إلى العمل السرِّي.
وجاءت الحركة الطلابية في السبعينيِّات بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970م وتولِّى الرئيس السادات السلطة في مصر، فكان عهدًا جديدًا يتسم بالانفتاح الاقتصادي والتبعية لأمريكا وللكيان الصهيوني والتخلي عن القضايا العربية، وكانت هذه السياسة الجديدة بعيدةً كل البعد عن طموحات وآمال فرسان الحركة الطلابية المصرية الذين تصدوا للسادات من بداية عهده، مطالبين بالثأر خاصةً حين أعلن أن عام 1971م هو عام الحسم.
![]() |
|
المظاهرات الطلابية كانت وراء التعجيل بقرار العبور |
واجتاحت مظاهرات الطلاب جميع أنحاء الجمهورية، مطاِلبةً بالثأر، وواجهتها سلطة السادات بكافة أشكال العنف من ضرب وتعذيب واعتقال، فقد أعلن السادات أن عام 1971م هو عام "الحسم" و لم يحرِّك ساكنًا، وأعلن أن عام 1972م هو عام "الضباب"!، ولهذا لن يستطيع الدخول في معركة؛ مما أشعل نيران الغضب في صدور الطلاب.
وعمَّت مظاهراتهم جميع أنحاء مصر حتى بدأ السادات يشعر تجاهها بالقلق؛ خوفًا من أن يتضامن بقية طوائف الشعب مع الطلاب؛ ولهذا قرر السادات التعجيل بقرار العبور في السادس من أكتوبر 1973م.
أما في فترة الثمانينيَّات والتسعينيَّات فأخذت الحركة الطلابية مَلمَحًا جديدًا مع مقتل الرئيس السادات، وتولَّى الرئيس مبارك السلطة بعده والذي سار على طريق سلفه، وبالتالي كان من الطبيعي أن يتخوَّف من الحركة الطلابية التي أصدر ضدها قرارًا عام 1984م في تعديله للائحة 79، وبموجب هذا القرار أصبح عمل الميليشيات العسكرية التي شكَّلها السادات داخل الجامعة وأطلق عليها- كذبًا- اسم "الأمن الجامعي" لا يتوقف عند حماية منشآت الجامعة فقط، بل و"أمنها"، وبالطبع لم يحدد مبارك ما هو المقصود بكلمة "أمنها"، وتركها مطَّاطة؛ حتى يُسهِّل مهمة هذه الميليشيات في اعتقال الطلاب وشطبهم من الانتخابات ووضع القيود والعراقيل أمامهم.
ونحن الآن في العقد الأول من الألفية الثانية، وما زلنا مع الحكم التعسفي من شطبٍ واعتقالٍ ومضايقاتٍ بلغ منها الطلاب الحلقوم حتى هجروا الانتخابات الطلابية التابعة لإدارة الجامعة، وصنعوا اتحادًا جديدًا- "الاتحاد الحر"- في محاولةٍ منهم لرسم شكلٍ للاتحاد المطلوب داخل الجامعة، ولكنَّ التضييقات والمنغِّصات الإعلامية تابعت هذه الانفراجة في العمل الطلابي، فأثقلت الفكرة بالأحمال؛ مما أقعدها عن مواصلة الطريق، والبحث عن حلولٍ ورؤى جديدة.
![]() |
نحاول في هذا التحقيق- وبعد هذا الرصد السريع لملامح الحركة الطلابية المصرية- أن نكون على وعي بالحال الذي وصلنا إليه، والأسباب التي أدَّت إلى هذا الأمر، وما الذي حوَّل جامعاتنا إلى هذه الحال بعد أن كانت- ولعقود طويلة- منارةَ وشعلةَ العمل السياسي في مصر كلها، ومنها كانت تنطلق الشرارة الأولى لأي فكر سياسي بنَّاء أو هدَّام، فأصبحت خاويةً على عروشها، يَخشى طلابها وأساتذتها الحديث في السياسة، ويكاد العمل السياسي بها أن يصبح كالجسد المريض الذي تتدهور حالته يومًا بعد يوم، فلا طبيبَ يعالج، ولا أحد يهتم أو يسأل، وأصحاب القضية إما معتقلين، أو مفصولين، أو مضيَّقًا عليهم، أو غائبين عن الوعي..
في البداية تؤكِّد منة سمير- الطالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، والتي تميل للفكر الليبرالي- أنها لم تسمع عن انتخابات اتحاد الطلاب، وأنها لم ترَ لطلاب الاتحاد نشاطًا سوى نشاط الرحلات، مشيرةً إلى أن اتحاد الطلاب يشترك فيه الأصدقاء بدعوة كل واحدٍ منهم للآخر، ولم يقم على برنامج يدفعنا للمشاركة فيه، ولم نرَ أي نشاطٍ سياسي داخل كليتنا.
وبناءً على ما سبق كان رأي منة إلغاءَ النشاط السياسي داخل الجامعة، واعتبرته أمرًا طبيعيًّا، ولن يضرها أو يفيدها في نفس الوقت، ولكنها مع هذا تتمنى أن تعرف حقوقها داخل الجامعة، وترى لائحةً تعرف ما لها وما عليها من حقوق.
![]() |
|
الانتخابات داخل وخارج الجامعات عبارة عن مسرحية هزلية!! |
بينما رفضت فداء الكيلاني- الطالبة بكلية التجارة- بشدة فكرة إعدام العمل السياسي داخل الجامعة على الرغم من الشطب والحقوق المستحلَّة لإدارة الجامعة على حساب طلاب النشاط السياسي المُعارِض لإدارة الجامعة، وفسَّرت ما يحدث من تضييق بالأمر الطبيعي الذي اعتاد الناس عليه وليس في الجامعة فقط، ولكن في انتخابات المحليَّات، ومجلسي الشعب والشورى، فكلها مسرحيةٌ واحدةٌ، وفصولها متكررة، وعلى الرغم من مدى سوء هذه المنظومة الفاشلة إلا أننا ما زلنا نمارس العمل السياسي حتى ولو كان تحت الضغوط.
واستهجنت عبلة النبراوي- الطالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- الضغوط الأمنية الموجَّهة ضد طلاب الإخوان قائلةً: "ما دام هناك مَن يقدم شيئًا نافعًا للطلاب والجامعة فمرحبًا به، ولماذا تُغلق الأبواب أمام هذا الفكر، وتُسلب منه حريته؟!".
وأكَّدت أن الحكومة ترغب في محو الفكر السياسي عند الطلاب جميعًا، مشيرةً إلى أن طلاب كليتها لا يعرفون أسماء الوزراء، وبعضهم لا يعرفون مَن هم رؤساء مصر!!.
وتساءلت: لماذا نفتقد داخل الجامعة أفكارًا سياسيةً متعددةً تكون على نفس درجة ونشاط طلاب الإخوان؟!، وحصر النزاع السياسي بين طلاب النشاط وطلاب الإخوان فقط ليس أمرًا مفيدًا.
أنعام
أما سمية علي- الطالبة بكلية دار العلوم من طالبات الإخوان المسلمين- فترى أن العمل السياسي داخل الجامعة واتحاد الطلاب يُعدَّان نموذجًا للحياة البرلمانية، ونموذجًا مُصغَّرًا لانتخابات النقابات والمحليات ومجلسي الشعب والشورى، ومَن يشارك فيها من الطلاب فإنها تعتبر فترة إعداد له لتأهيله للمشاركة في العمل السياسي خارج الجامعة بعد التخرُّج.
وتضيف سمية أن نشاط الطلاب لا يتوقف على العمل السياسي فقط؛ فهناك أنشطة ثقافية وفنية، ويعتبر المشاركون فيها كوادرَ لهذا المجال في المستقبل، وبالتالي تعود بالصالح على الهيئات الثقافية والفنية والاجتماعية في المستقبل؛ لأن الطالب يتدرَّب منذ الصغر على إدارة هذه الأمور.
واعتبرت سمية أن ما تفعله إدارة الجامعة- بتحريضٍ من أمن الدولة والحكومة- من فصل العمل السياسي عن الحياة الجامعية إنما يعبِّر عن رغبةٍ في خلق أجيال جديدة ليس لها أهداف غير الحياة مثل الأنعام، وذلك يُعدُّ خطرًا كبيرًا على مستقبل مصر.
وأكَّدت أن طلاب الإخوان المسلمين يتعاملون مع كل التيارات السياسية من الاشتراكيين والليبراليين والأحزاب المختلفة- مثل الوفد والغد- وحركة كفاية، وسيظل التعامل ما دام الهدف واحدًا، وإن كنا نختلف معهم فإن الاختلاف يُثرينا ويُقوِّي ساحة العمل السياسي.
وأشارت سمية إلى أنه على الرغم من التضييقات على النشاط داخل الجامعة إلا أننا ما زلنا نمارس العمل السياسي، وستظل ممارستنا له حتى بعد الانتهاء من المرحلة الجامعية، وأبواب النقابات تستقبلنا لنمارس سياستنا في أخذ حقوقنا.
![]() |
|
د. مدحت عاصم |
وعن رغبة النظام وتصوره للعمل السياسي داخل الجامعات يؤكد الدكتور مدحت عاصم- أستاذ الجراحة بكلية الطب جامعة القاهرة- أن النظام يريد سماع كلمة "آمين" من كل الطلاب، يريد طلابًا تتحرك بأزرار، لا تبتكر، لا تعبِّر عن آرائها، مضيفًا أن إدارة الجامعة تتعامل مع الطلاب المُعارِضين أو المنتمين لأي فكر سياسي أو أي حزب غير الحزب الحاكم بأسلوب ممارسة الضغط؛ حتى يصل الطالب إلى درجة اليأس والملل من ممارسة العمل السياسي داخل الجامعة وبالتالي خارجها.
ويرى د. عاصم أن الانتخابات الطلابية الأخيرة في الجامعات المصرية تُعدُّ جرس إنذار ومؤشرًا خطيرًا يعلن عن وأد الانتخابات الحرة النزيهة داخل مصر؛ حيث كان التدخل الأمني أوسع، وعمليات الشطب كانت في الماضي تتم على استحياء، أما الآن فإنها تتم بكل تبجُّح وفجور، بل ويزيد على ذلك تحديد الأشخاص الفائزين بالمقاعد من غير انتخابات، وإن تمت فهي انتخابات صوريّة.
وبعد إقامة الطلاب للاتحاد الحر والعراقيل التي تعرض لها طوال العامين الماضيين لا يجد د. عاصم أملاً في قيام فصيل آخر بمثل هذه المهمة، ولا يتوقع قيام الاتحاد الحر هذا العام؛ لأسباب كثيرة..
ويشير د. عاصم إلى أن فترة السبعينيّات والثمانينيّات كانت أكثر حرية داخل الجامعة، وإن كان هناك تدخل من قِبل إدارة الجامعة وقتها فإنه لم يكن يتم بصورة معلنة مثل ما يحدث الآن، فعملية الشطب لم تكن موجودة قبل ذلك؛ فهي فكرة مبتدعة ومُفتَكَسة.
أما فترة التسعينات فيرى المهندس صلاح فطين أن الانتخابات الطلابية الآن تختلف كثيرًا عمَّا كان في التسعينيات، فهو- رغم انتمائه للتيار الإسلامي وقتها- كان أمينًا لاتحاد الطلاب، فكل الضغوط الأمنية في هذه الفترة كانت شطب وتزوير، ولكن سرًّا، أما الآن فهي تتم في تبجُّح، وقد تفشَّت هذه الظاهرة في كل الجامعات.
ويضيف فطين أنه على الرغم من كونه وقتها أمينًا لاتحاد الطلاب، ولكنه عندما قام طلاب الاتحاد بمظاهرة عام 1993م لما حدث في الحرم الإبراهيمي كان رد الأمن هو اعتقال كل الطلاب!!.
سجن.. هي الكلمة التي بدأ بها الدكتور يحيى القزاز- الأستاذ بكلية العلوم جامعة حلوان- والتي وصف بها الحياة الجامعية من غير سياسة ونشاط طلابي وانتخابات، متسائلاً: لماذا يعد الناس السياسة شيئًا خارجًا عن إطار الحياة الطبيعية؟!، فإذا حدث فساد في التعليم فذلك فساد، وإصلاحه يُعدُّ سياسة، والدروس الخصوصية ومحاربتها سياسة، فالسياسة تحيط بنا كالماء والهواء، ولا يمكن فصلها عن الحياة العامة.
![]() |
|
د. يحيى القزاز |
ويؤكد د. القزاز أن العمل السياسي داخل الجامعة يعتبر صورةً مختزَلةً للعمل السياسي داخل الدولة كلها؛ فاتحاد الطلاب يُعد صورةً مصغرةً لانتخابات مجلس الشعب؛ فالمُرشَّحون من الطلاب مثل مرشحي مجلس الشعب، وباقي الطلاب هم الشعب.
وأضاف أن الحرية والديمقراطية قبل أن تكون موروثًا حضاريًّا فهي موروث تربوي، والجامعة تعتبر معملَ تفريخ للكوادر الطلابية، ولا يمكن الفصل بين التعليم وبين العمل السياسي، على الرغم من أن اللائحة الطلابية الجديدة ترفض ممارسة العمل السياسي داخل الجامعة، وهذه اللائحة لم نطِّلع عليها حتى الآن؛ فهي لائحة سرية.
وتوقع د. القزاز أنه إذا استمر الضغط على العمل الطلابي فستنفجر في وجه الدولة التنظيمات السرية، وتمثِّل هذه التنظيمات خطرًا أكبر على الدولة.
ويرى أن الأمن الذي يشتد في قمع الطلاب؛ لِمَا يمثلونه من خطورةٍ كبيرةٍ بالنسبة لهم ربما لا يدركون أن طالب اليوم هو موظف أو عضو نقابة غدًا، مؤكدًا أن الطلاب قوة حيوية لا يستهان بها على مر العصور؛ فالحركات الطلابية لها آثار كبيرة وتاريخ طويل، ومنها مظاهرات النكسة التي طالب فيها الطلاب بالتحقيق مع مسببي النكسة ومعاقبتهم، وغيرها من المظاهرات التي خلَّفت لنا شهداءَ داخل الحرم الجامعي.





