أعلنت الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري رفضها مشروعَي الخطة والموازنة التي قدمتها الحكومة لعام المالي 2008/2009م، وأكدت الكتلة أن مشروع الخطة والموازنة جاء في غير صالح الفقراء ومحدودي الدخل.
وأكدت الكتلة في ردِّها المكتوب أن مناقشات الخطة والموازنة تستهلك قدرًا لا بأس به من وقت المجلس وبعض أجهزة الدولة، إلا أن العائد من هذا العمل لا يعدو أن يكون مجرد استكمال للشق الإجرائي الذي يتطلَّبه تطبيق المواد الدستورية؛ التي تخص هذا الأمر، أما عن مردود هذا العمل على واقع الاقتصاد المصري وحياة المصريين فلا تمثل أي أثر إيجابي يخلق الاهتمام بأمر الخطة والموازنة لديهم.
وقالت الكتلة إن الدولة لا زالت تعوِّل كثيرًا على دور القطاع الخاص، وتراهن على تنفيذه لنحو 65% من الاستثمارات العامة؛ في حين أن الواقع يشير إلى العديد من تجاوزات القطاع الخاص وعدم أدائه الدور المنوط به؛ حيث تنتشر أنشطة المضاربة في مجالات متعددة، ولم تتغير ملامح مشكلات الفقر والبطالة أو العجز التجاري وغيرها؛ فلا يوجد دورٌ ملموسٌ لهذا القطاع؛ حسب طبيعة الحجم الذي تصوره الخطة العامة للدولة.
وأكدت الكتلة أنه من الطبيعي أن يكون أي اقتصاد ريعي عرضة للتقلُّبات الخارجية، وهذا وضع الاقتصاد المصري؛ حيث لا تزال موارد النقد الأجنبي في مصر كما هي منذ منتصف السبعينيات؛ تعتمد على موارد قناة السويس والبترول والسياحة والعاملين بالخارج.
وفيما يتعلق بالضرائب أشار الرد إلى أن الأرقام الخاصة بحجم الضرائب المستهدفة للعام المالي 2008/2009م تشير إلى تحقيق زيادة في إجمالي الضرائب بنحو 31.2 مليار جنيه وهو ما يمثل زيادةً قدرها 23% من حجم الضرائب المتوقعة للعام المالي 2007/2008م، وبلا شك أن هذه الزيادة تعكس إلى أي حد حجم الأعباء التي يتحملها دافعي الضرائب وشعورهم بأن صانع السياسة المالية في مصر هو جابٍ أكثر منه صانع سياسة تراعي متطلبات النمو الاقتصادي وتحقيق مستوى معيشي مقبول لدى دافعي الضرائب خاصةً أصحاب الأجور والمرتبات.
وتحدث الرد عن المنح، مؤكدًا أن مستهدف العام المالي 2008/2009م حول أموال المنح تصل إلى 4.6 مليارات جنيه مقارنة بنحو 2.2 مليار جنيه في العام المالي 2007/2008م، وهو ما يعني وجود زيادة نسبتها 110%، وهذه الزيادة غير طبيعية وتثير العديد من التساؤلات، وذلك في ظل اتجاه أكبر دولة مانحة لمصر لتقليص حجم المنح المقدمة منها؛ فأمريكا يتوقع أن تصل معونتها لنحو 200 مليون دولار فقط لا غير خلال الأعوام القادمة.
وبالتالي لم تقدم الحكومة مبرراتٍ مقبولةً لهذه الزيادة في حجم ومقدار المنح، إلا أن يكون تأكيدًا لما هو مثارٌ؛ من خضوع الحكومة لشروط بعض الدول المانحة بتطبيق أجندة معينة، والتي انعكس أثرها في إقبال الحكومة على تطبيق شروط ضمن برنامج الخصخصة بالإقدام على بيع بنك القاهرة وتفعيل إصدار قانون الطفل.
وأكدت الكتلة أن الحكومة تحاول تجميل الموازنة؛ حيث زاد الباب الثالث من الإيرادات بنسبة 41%، فارتفع من 74.4 مليار جنيه متوقَّعةً لعام 2007/2008م إلى 105 مليارات جنيه إيرادات أخرى للعام المالي 2008/2009م.
والشاهد في هذا البند زيادة ما يخص الإيرادات الجارية المتنوعة من 10.9 مليارات جنيه إلى 33 مليار جنيه، في حين انخفضت الإيرادات الجارية الرأسمالية من 7 مليارات جنيه إلى 3.7 مليارات جنيه.
والشاهد الثاني هو زيادة حصيلة الفوائد المحصلة من 1.2 مليار جنيه عام 2007/2008م إلى 7.4 مليارات جنيه في مستهدف 2008/2009م، وهو ما يعني زيادة هذا البند بنسبة 53%، وهنا نطالب الحكومة بتقديم بيان بهذه الزيادة ومبرراتها ومصادر الحصول عليها.
وحول برنامج الخصخصة أكد التقرير أن أرقام البيان المالي لعام 2008/2009م تشير إلى أن صافي حصيلة الخصخصة يبلغ مليار جنيه فقط لا غير من إجمالي حصيلة متوقّعة تبلغ نحو 10 مليارات جنيه، وهو ما يعني أن جزءًا كبيرًا لا يستهان به يذهب لعمليات إعادة الهيكلة لشركات تنوي الحكومة بيعها أيضًا في المرحلة المقبلة أو القيام بتنفيذ برنامج المعاش المبكر.
وندعو الحكومة في ضوء هذه النتائج المالية الهزيلة لبرنامج الخصخصة أن تقوم بمراجعته والتوقف عن بيع باقي شركات القطاع العام، والاتجاه نحو إصلاح هذه الشركات، والاستمرار في ممارسة نشاطها لمواجهة ما يقوم به القطاع الخاص المصري والأجنبي؛ من أعمال احتكار، وسوء توزيع وإنتاج لمنتجاته، وهو ما نلمسه في واقع شركات الإسمنت والحديد.
ومما يؤكد ذلك أيضًا أن صافي حصيلة الخصخصة بلغ 172 مليون جنيه فقط من إجمالي حصيلة الخصخصة، والتي بلغت 9.9 مليارات جنيه في العام المالي 2006/2007م، وهو ما يعني تأكيد ما ذهبنا إليه من إهدار إمكانيات الاقتصاد المصري لصالح مشتري هذه الشركات.
وحول قضية الأجور أكد رد الكتلة أن قضية الأجور واحدة من القضايا ذات الدلالة الاجتماعية، والتي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، وقد تمت زيادة الأجور من خلال الزيادة في العلاوة الاجتماعية والتي قدّرت بنحو 30%، ولكن هناك العديد من الملاحظات على بند الأجور يجب أن تُراعَى في هذا الشأن؛ منها أن الرواتب الأساسية لا زالت تمثل نسبةً قليلةً من مخصصات بند الأجور بالموازنة العامة للدولة؛ حيث تبلغ في مستهدف عام 2008/2009م ما نسبته 20% من إجمالي بند الأجور والمقدَّر له نحو 78.6 مليار جنيه، كما أن هناك وضعًا مقلوبًا في مكونات بند الأجور؛ حيث تمثل المكافآت 30% من مخصصات الرواتب الأساسية، وهو ما يمثِّل زيادةً قدرها 10% عن إجمالي مخصصات الرواتب الأساسية.
فهل تستقيم هذه المعادلة المقلوبة، ومما يثير العديد من التساؤلات وجود زيادة كبيرة في مخصصات الأجور الإجمالية والاحتياطيات العامة من 4.4 مليارات جنيه في 2007/2008م إلى نحو 17 مليار جنيه، فإذا كانت مخصصات بنود الأجور محددة ومعروفة فلماذا المبالغة في تقديرات ما يخص الأجور الإجمالية والاحتياطيات العامة؟ أين ستذهب هذه الأموال؟ ومن المستفيد منها؟!
وأكدت الكتلة أن بقاء الأجور في مصر عند هذا الحد المتدني يؤدي إلى وجود ظواهر سلبية، نلمسها جميعًا في واقعنا الاجتماعي؛ من انتشار الرشوة وغيرها، ويمكن معرفة الوضع في مصر عند مقارنتها بدول أخرى؛ ففي دراسة علمية بعنوان "تطوير سياسة الحد الأدنى للأجور والحد من الفقر في مصر" تبيَّن أن نسبة الحد الأدنى للأجر إلى متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تمثِّل 13% بينما في تركيا تبلغ 78% وفي شيلي 42% وفي فرنسا 51%.
كما تحدث الرد عن خطورة الدين العام والارتفاع في نسبة الدين العام، سواءٌ المحلي أو الخارجي؛ حيث بلغ الدين العام المحلي في 30/6/2007 نحو 637 مليار جنيه بما يمثِّل 87.2% من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ الدين الخارجي نحو 29.9 مليار دولار، والملاحظة الجديرة بالذكر أن الدين العام يشهد زيادةً مستمرةً منذ سنوات، وأن أعباء خدمة الدين العام من فوائد وأقساط تبلغ نحو 74 مليار جنيه في موازنة 2008/2009م، وهو ما يعني استمرار الدين كعبء على الموازنة المصرية، وأن الفرص البديلة كانت استغلال هذه المبالغ في مجالات التعليم والصحة وغيرها من الخدمات التي يحتاجها المجتمع المصري خاصةً في مجال الدعم.
وانتقد الردّ تدنِّي الاستثمارات الحكومية التي تشهد انكماشًا من حيث الحجم والنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي أو كنسبة من الإنفاق العام؛ حيث انخفضت مخصصات الاستثمارات الحكومية من 27.1 مليار في عام 2007/2008م إلى 26.5 مليار جنيه في مستهدف 2008/2009م، وهو ما لا يتناسب مع الدور الحكومي في ظل تدنِّي الخدمات العامة وزيادة القضايا المرتبطة بشريحة محدودي الدخل على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي؛ خاصةً في قطاعي التعليم والصحة.
وانتقد الرد ضآلة مخصصات الأغذية للمدارس والمعاهد، وانخفاض مخصصات البحث العلمي، وانخفاض البدل النقدي للعاملين بالمناطق النائية، والعلاقة الخطأ بين الجهاز المصرفي والحكومة، وعدم الاستفادة من انخفاض قيمة الدولار، واستمرار الخلل في الهيئات الاقتصادية.
وقدمت الكتلة العديد من الاقتراحات لزيادة الموارد وتقليل عجز الموازنة، منها:
* فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية، ومن أمثلة ذلك تسقيع الأراضي.
* إعادة النظر في قانون الضريبة على الدخل؛ بحيث يتم إضافة شرائح جديدة إلى الشرائح الحالية، تراعي عملية التصاعد في أسعار الضريبة، وعلى سبيل المثال فإن زيادة الضريبة على الدخل لقطاع الاتصالات فقط بنسبة 10% سوف تؤدي إلى إضافة أكثر من مليار جنيه سنويًّا لخزانة الدولة.
* توصيل الغاز الطبيعي للمنازل، حسبما نادت به العديد من تقارير البنك الدولي، وهو ما سيؤدي إلى توفير أكثر من 10 مليارات جنيه سنويًّا تذهب إلى دعم البوتاجاز المستورد.
* تشغيل محطات توليد الكهرباء التي ما زالت تعمل بالمازوت بالغاز الطبيعي، وهو ما سيؤدي إلى توفير حوالي مليار جنيه سنويًّا.
* وقف دعم تنشيط الصادرات الذي تحصل عليه مجموعةٌ من كبار رجال الأعمال والمستثمرين، والذي يبلغ 2 مليار جنيه في الموازنة الحالية.
* تحصيل المستحقات الضريبية واجبة السداد، والتي بلغت 60 مليار جنيه في العام الماضي؛ منها 37 مليار جنيه مستحقة لمأمورية كبار الممولين، و5 مليارات جنيه ضرائب مستحقة على المؤسسات الصحفية.
* إعادة النظر في اتفاقيات تصدير الغاز الطبيعي المصري، وخاصةً الغاز المصدَّر للكيان الصهيوني؛ مما سيوفر عوائد إضافية تصل إلى 18 مليار جنيه.
* إعادة النظر في السياسة الاقتصادية المتبعة من قِبَل الدولة فيما يتعلق بالإنتاج والاستثمار كمًّا ونوعًا.
* فضلاً عن هذا كله فإن محاربة الفساد الإداري كفيلة وحدها بسداد أي عجز في الموازنة العامة للدولة.
وفي النهاية فإن فشل الحكومة في استغلال موارد الدولة والتوزيع العادل للثروة القومية، ولجوءها إلى الإجراءات السهلة المتمثلة في إضافة المزيد من الضرائب التي تزيد الأعباء على المواطنين؛ يؤكد أنها حكومة غير قادرة على إدارة الوطن، ويجب عليها أن ترحل بعد فشلها المتواصل في حماية محدودي الدخل ودعمها المتواصل وغير المتناهي للأغنياء على حساب الفقراء.