محمد خير موسى

"يَنقلب الإنسانُ في مجتمع الإنجاز إلى عاملٍ يستغلُّ نفسَه داخل مشروعه الخاص فيجتمع فيه المستغِلُّ والمستغَلُّ، ويجتمع فيه السيِّدُ والعبدُ، ويتحوّل صراعُ الطبقات إلى صراعٍ داخليٍّ مع النفس" (بيونج تشول هان، مجتمع الاحتراق النفسي؛ ص45).

متدفّقا بالحركة ومتخما بالأدوات ومسكونا بالقلق والسرعة وتوتّرِ العجلة؛ يخرج الإنسان الحديث إلى يومه؛ فتتزاحم في يده وتزدحم في رأسه مفاتيحُ وأصواتُ العالم كلّه، وتنساب حوله الشّاشات كأنها جدارٌ شفّاف يطوّق إدراكه ويعيد ترتيب انتباهه ثم يبقى في عمقه محتاجا إلى جهةٍ واحدة تردّ عليه نفسه وتجمع شتاته وتعيده إلى معنى وجوده، فيطول ركضه بحثا عن راحةٍ تغدو كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء فتفرّ منه كلما اقترب. ويتكاثر جمعه للأخبار وغوصه في المنشورات والتغريدات المتدفقة رجاء أن يعثر على حقيقةٍ واحدة تمسك قلبه من التبدّد، وتتوالى مشاهدُه طلبا لامتلاءٍ داخليّ يتسع فراغه طردا مع اتساع صخب الخارج، فتنبثق أمام البصيرة صورةٌ قرآنية تتجاوز البيان إلى الصّدمة وترسم هيئة الإنسان حين تغيب جهة السماء عن قلبه، ويصير السؤال موازنة بين إنسانين وطريقين ومصيرين.‎

"أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الملك: 22). المُكِبُّ على وجهه في هذه الآية صورةُ إنسانٍ انقطعت عنه جهةُ العلوّ فهبطت رؤيته إلى الأرض وحدها، فصار يلتقط من تراب اليوميات فتاتَ المعنى كما يلتقط الجائع فتاتَ الخبز، واندفع في التفاصيل انحدارا متصلا حتى تبهت الغاية الكبرى،

واستحالت نفسه إلى ساحة مطالب متتابعة تُضرِم القلق ثم تُورِث العطش، واستحال عقله آلة ماهرة في الحساب والتدبير والسرعة تُحسن إدارة المشهد الخارجيّ في حياته غير أنّها عاجزةٌ عن صياغة داخله وأعماقه على بصيرةٍ وسكينةٍ وتمييز.

وتظهر هذه الهيئة بوضوحٍ في زمن الحداثة؛ إذ يهيمن منطقُ السوق فيتسلّل إلى تعريف الإنسان لذاته، فيحسب نفسَه مشروعا يُقاس كلَّ يومٍ بالأرقام والانطباعات، ويعيش تحت ميزان المقارنة والتصنيف فيجمع في صدره صورةَ السيّد حين يأمر نفسَه بالإنجاز، وصورةَ العبد حين يلهث وراء الرضا والتقدير، ثم تمتدّ الفكرة إلى عالم الصور؛ فتغدو الشاشة ميدان اللقاء وتغدو اللقطة بطاقةَ تعريفٍ بالمكانة ويصير المشهد مادةَ الحكم والتقييم، فتدار العلاقات بما يُعرَض ويُنشر أكثر مما تُدار بما يحقّق المعنى، ويتحوّل الوعي ومنهجيّة التفكير وبناء الأفكار شيئا فشيئا من وزن الحقائق إلى وزن الإشارات وعدّاد الإعجابات، حتى يُعاد تعريف الواقع وتُعاد صياغة الإحساس بحسب ما يُرى ويعرَض؛ أكثر من مقدار ما يكون محلا للإدراك والفهم.

ويتعمّق الانكباب حين يصير الزمن غنيمة تُختصر في ظاهر اليوم، ثم تُبدَّد في باطنه فيُؤخَذ الإنسان بفتنة السرعة كأنها خلاصه، ثم يقف أمام الساعات التي ربحها عاجزا عن تحويلها إلى حياةٍ ذات معنى. وقد عبّر إريك فروم في "فنّ الحبّ" (ص110) عن هذه المفارقة بقوله: "إن الإنسان الحديث يحسب أنه يربح الوقت بالسرعة ثم يصرف الوقت الذي ربحه في قتله".

وتزداد الصورة وضوحا حين يُختزل النجاح في معيارٍ واحد يتجسّد في مطاردة الكمّ والظهور والسبق، ويصوغ منطقُ السوق الرغبات ويعيد تعريف الاحتياج الإنساني ويبيع صورة السعادة على هيئة تجارب ومظاهر، فينشأ كائنٌ تفيض يداه بالأشياء ويضيق صدره عن السكينة وتزدحم حوله الأصوات وقلبه خالٍ من كلمةٍ جامعة، ثم يستيقظ ضمير الشريعة في وسط هذا الضجيج بحديثٍ نبويٍّ موجز يجعل الفراغ نعمة ذات حساب، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاريّ في صحيحه: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ".

ويضع ابن القيم الميزان في موضعه حين يقول في "الفوائد" (ص59): "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها"، فتغدو العبودية في حقيقتها استردادا للوقت من قاتله واستردادا للقلب من تشتته واستردادا للإنسان من انكبابه على وجهه.

وتجيء الحكمةُ الأولى من حِكَمِ ابن عطاء الله السكندريّ لتأكيد هذا المشهد كأنها ميزانٌ يُوزن به قلبُ الإنسان الحديث في لحظةٍ واحدة، إذ يقول: "من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرّجاء عند وجود الزلل"، فإذا جعل القلبُ عملَه عمادَ وجوده صار رجاؤه تابعا لسلامة الأداء فيبدأ القصور من أعماق الإنسان ابتداء ثمّ يظهر في العمل، لأن القلب حين يربط قيمته بسلامة الأداء وحدها يجعل مصيره معلقا على ميزانٍ سريع التقلب،

فيصير كلّ تعثرٍ عنده كأنّه سقوط وكلّ نقصٍ كأنّه هدمٌ لمعناه. وتبدأ النّجاة حين يعيد الإنسان ترتيب ما في داخله، فيقدّم العبودية على التملّك ويجعل الغاية فوق التفاصيل الاستعراضيّة، ويجعل الوجهة أعلى وأهمّ من صخب اللحظة العابرة في الطريق، فتتحول الاستقامة إلى عادةٍ يوميةٍ متصلة، ويصير السير على الصراط المستقيم أثرا ممتدا لاتصال القلب بالله تعالى وليس مجرد حركةٍ تنفيذيّة سلوكيّة على الطريق.

ويظهر هذا المخرج يوم يستعيد الإنسان نفسَه من بين الأصوات المتراكمة، فيقيم في قلبه سكينة تردّ إليه الفهم بعد أن بعثرته العجلة، ويأخذ خلوة قصيرة يراجع فيها حسابه ويعيد ترتيب أولوياته ويقيم عبادته بحضورٍ يلين به قلبه، ويجعل القراءة غذاء للعقل يعيد إليه نظامه بعد فوضى المؤثرات، ويختار صحبة صالحة تشدّ عضده عند المنعطفات، ويثبت له مقصدٌ واضح يلمّ شعث يومه ويجمع مبعثره، فيخرج إلى العالم وقد استقام باطنه فاستقامت خطواته فيمشي على الأرض وقلبه مرفوع إلى جهة السماء.

وتجيء خاتمة الآية ميزانا مفتوحا لكل إنسان في كل زمان: "أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الملك: 22)؛ فالمشي المكبّ يورث ضيق المعنى وتيه الوجهة واحتراق الداخل، ولكنّ المشي السويّ يورث سكينة القلب ووضوح الطريق ورشد العمل، وحين يختار الإنسان الاستواء في الباطن قبل الاستواء في الظاهر ويردّ أدوات الحداثة إلى موضعها ويجعلها خادمة لمعنى أعلى، ويعيد تعريف النجاح بما يليق بكرامة الإنسان وحقيقة العبودية وأفق الآخرة، يصير في الدنيا عاملا بالحق ثابتا على المقصد عارفا بربه مستقيما في مشيته، فلا يبرحُ حتى يبلغ.

x.com/muhammadkhm