تبدأ القمة العربية الدورية السادسة في العاصمة السودانية الخرطوم غدًا الثلاثاء الثامن والعشرين من مارس 2006م، وسط العديد من المشكلات والملفات، والتي حاولنا في موقع (إخوان أون لاين) تناول أهمها لتنوير القارئ العربي والمسلم ببعض مشكلات وطنه العربي والإسلامي الكبير.
وكان من المهم في هذا السياق الإطلالة التالية على اتجاهاتِ الرأي العام الإعلامي العربي إزاء القمة مع نضوج هذه الآراء ليلة بدء فعاليات القمة، على أن يتبقى في سلسلةِ التغطيات هذه ملف المغرب العربي بكل تشابكاته.
وسائل الإعلام العربية والرأي العام العربي.. تشكك حول القمة
كتب- حسين التلاوي
اهتمَّت وسائلُ الإعلام العربية المرئية والمسموعة والمقروءة بالقمةِ العربيةِ الدورية الـ6 والتي تُعقد يوم الثلاثاء في العاصمةِ السودانية الخرطوم، ويأتي هذا الاهتمام باعتبار القمم العربية المنتدى الرسمي العربي الأرفع في مستواه، إلى جانب حساسية الظرف الذي تنعقد فيه القمة من استمرارٍ لتفاقم الوضع في العراق إلى جانبِ الضغوط التي تُمارس على الحكومة الفلسطينية المقبلة برئاسة حركة المقاومة الإسلامية حماس بالإضافة إلى تردي الوضع في إقليم دارفور غرب السودان التي تستضيف القمة.
وعلى الرغم من هذا الإجماع على الاهتمام بالقمة العربية إلا أن تقديرات وسائل الإعلام العربية للقمة اختلفت، فهناك وسائل إعلام قالت بـ"تاريخية" هذه القمة، إلا أن البعض شكك في فاعلية القمة؛ نظرًا للظروفِ السياسية التي تمرُّ بها الشعوب والأنظمة العربية على حدٍّ سواء بالإضافةِ إلى رأي ثالث قال بعدم وجود أية جدوى من انعقاد القمة العربية؛ نظرًا لفقدان جامعة الدول العربية أية أدوات من أجل تنفيذ أية توصيات تصدر عن القمة العربية، ناهيك عن إصدار القمم العربية توصيات ذات فاعلية.
وفي هذا السياق، يكون من المناسب إلقاء الضوء على "الفرق" التي انقسمت إليها وسائل الإعلام العربية في نظرتها إلى النسخة الجديدة من القمة العربية.
ترحيب بقمة "بيت العرب"
عمدت بعض وسائل الإعلام العربي إلى الترحيب "الحار" بالقمة العربية القادمة واستخدام تعبيرات مثل "بيت العرب" لوصف جامعة الدول العربية إلى جانب أفراد الملفات الصحفية والبرامج الخاصة بهذه القمة في تغطية شاملة لها، وتنقسم وسائل الإعلام هذه إلى نوعين رئيسيين:
الأول: وسائل إعلام تُسيطر عليها الحكومات العربية وتسعى إلى إظهار الحكومات بمظهر الحريص على التضامن العربي، وذلك على الرغم من عدم مشاركة بعض قيادات تلك الدول العربية في القمة المقبلة، وتأتي وسائل الإعلام المصرية والسعودية في مقدمة الوسائل الإعلامية التي رحبت بالقمة بكل ما تحمله من مضامين العمل العربي المشترك، وإذا نظرنا إلى الصحف المصرية سنجد أنَّ الصحفَ القوميةَ تتحدث عن القمة العربية باعتبارها الملاذ الأخير للشعوب العربية في وجه التحديات المختلفة، كما استخدمت وسائل الإعلام المصرية القمة من أجل تحسين صورة النظام عن طريق التركيز على المقترحات المصرية المختلفة إلى القمة؛ وذلك على الرغم من غياب الرئيس حسني مبارك نفسه عن القمة بما يعتبر ضربةً لفكرة عقد القمم من الأساس إلى جانب ما يشير إليه ذلك من عدم مصداقية الطرح الإعلامي الرسمي بتأييد القمة وكيل المديح لها.
الثاني: وسائل الإعلام المستقلة التي يسيطر عليه القوميون العرب المتطرفون في قوميتهم والذين يرون أن هذه القمم تعتبر وسيلةً من وسائل تعبير العرب عن استمرار وجودهم في مواجهة محاولات الإقصاء التي تمارسها القوى الاستعمارية القديمة، وقد ظهر هذا النوع من الكتابات في وسائل الإعلام المقروءة وبخاصة تلك الصادرة في بلاد الشام وتحديدًا في لبنان التي يتشدد فيها القوميون العرب بصورة تفوق أي جزء آخر في العالم العربي.
حيادية وتشكك
في مقابل النوع الأول، كان هناك نوعًا ثانيًا تناول القمة العربية من حيث كونها المؤتمر العربي الأرفع في مستواه السياسي، وبالتالي فهذا يجعله يستحق الاهتمام، إلا أن هذا الاهتمام لم يعبر عن نفسه لا في صورة تأييد مطلق لانعقاد القمة والقول إن "الحل التاريخي" للمشاكل العربية سوف يصدر منها، ولا في صورة تقليل من الأهمية انعقاد القمة.
ومن بين وسائل الإعلام التي تبنت هذا الاتجاه كانت وسائل الإعلام المقروءة ذات الاتجاه المستقل، فقد حاولت الصحف والمجلات التي تسيطر عليها قوى مستقلة أن تناقش القمة العربية بصورة موضوعية بعيدًا عن "التشنج" ضد أو مع القمة ودلالاتها التضامنية والقومية، وقد غلب على الإعلام ذي التوجهات الموضوعية نبرة تشاؤمية تجاه القمة ودرجة فاعليتها في التأثير على القضايا العربية، فيمكن قراءة الكثير من التشكيك في قدرة القمة والآليات العربية التي يعبر عنها انعقاد القمة على حل المشكلات العربية أو منع المزيد من المشكلات من النشوب.
إلى ذلك كانت هناك الفضائيات العربية المستقلة- أو التي يفترض فيها الاستقلالية- من أمثال إخبارية الجزيرة الفضائية وشبكة الأخبار العربية المعروفة اختصارًا "ANN" والتي تتناول القمة والاجتماعات التحضيرية لها في برامج مخصصة مقدمةً تغطيةً شاملةً لها من أجل التعرف على الرؤى المختلفة للقادة العرب وممثليهم المشاركين في القمة وآراء المحللين السياسيين تاركةً الرأي في النهاية للمشاهد العربي الذي لم تغفل مثل هذه الفضائيات أن تعطيه المساحة للتعبير عن رأيه في هذا الحدث العربي.
لكن النبرة التشككية لم تغب أيضًا عن هذه الفضائيات؛ نظرًا لأنَّ الواقعَ العربي هو الذي يدفع المراقب إلى التشكك حيث لا تزال الملفات الرئيسية وهي القضية الفلسطينية والوضع في العراق إلى جانب الملف السوري اللبناني متفاعلة دون أن تنجح القمم العربية المتوالية في حلها، حيث اقتصر الجهد العربي في هذه الملفات على منع التفاقم وهو المجهود الذي جانبه التوفيق في الكثير من الحالات.
ماذا تعني القمة العربية؟!
في الوقت الذي رحَّب فيه البعض بالقمة العربية، وتشكك البعض الآخر في فاعليتها، كان هناك فريق نفى تمامًا وجود أية فائدة لانعقادِ القمم العربية، مشيرًا إلى أنَّ إلغاءها يعتبر خطوةً جيدةً، ومن ثَمَّ كرَّس وسائل الإعلام المتاحة أمامه من أجل الترويج لتلك الأفكار، إلا أن تيارين اثنين يمثلان هذا الفريق وهذان التياران يتعارضان فيما بينهما في المنطلقاتِ وإن كانا يتفق في فكرةٍ واحدةٍ وهي عدم فاعلية انعقاد القمم العربية، وهذان التيارات هما:
أولاً: تيار يرفض القمة لعدم فاعلية المنظومة العربية:
يرى أنصار هذا التيار أنَّ الفكرةَ القوميةَ العربية أصبحت غير فاعلة في حل المشكلات العربية، وبالتالي فعلى العرب أن ينسوا هذا الإطار العربي الواحد ويحاولون الاندماج في المنظومة العالمية التي- وفق هذا التيار- لا تعترف بالقومياتِ وتعامل الشعوب وفق معايير واحدة، ومن أبرز ممثلي هذا التيار مجموعة من الكتاب في الصحفِ الكويتية التي انهالت على القمة العربية بالنقد الحاد الذي وصل إلى حدِّ الاستهزاء وليس فقط مجرَّد الانتقاد الساخر، وقد ركَّز هذا التيار على اختيار السودان كمستضيف للقمة وهو الاختيار الذي يرى دعاة هذا التيار أنه غير مناسب لكون الكويت دولةً مأزومةً بالدرجة الأولى إلى جانب أن بعض وسائل الإعلام استغلت ذلك للدلالة على عجز النظام العربي الذي أوصله إلى الدرجة التي تكون فيها الدولة المستضيفة للقمة هي دولة تُعاني انتشار الاضطرابات والحركات الانفصالية.
ولعل مرد تحامل بعض تيارات الإعلام الكويتي تحديدًا على منظومة العمل العربي المشترك التي تتمثل في القمة يعود إلى فشل هذه المنظومة في منع الغزو العراقي للكويت إلى جانب عجزها عن توفير القوى اللازمة لإنهاء الغزو، وهو ما وفرته قوات التحالف الدولي التي لا تزال تواصل "حلها لمشكلة الغزو" في العراق حتى الآن وهو ما يحظى بتأييد هذه التيارات التي وصفت ذات مرة القتلى الأمريكيين في العراق بـ"الشهداء".
ثانيًا: تيار يرفض القمة ويدعو لبديل:
يتبنى هذا التيار أفكار التخلي عن المنظومة العربية التي تُمثلها فكرة القمة العربية والعمل على تأسيس نظام بديل لها يكون قادرًا على الاستجابة للمتطلبات العربية المختلفة ويراعي الواقع العربي المتردي، وقد عبَّرت افتتاحية لجريدة (الوطن) العمانية عن هذه الفكرة عندما أشارت إلى عدم اهتمام المواطن العربي بهذه القمة التي تعقد يوم الثلاثاء لما يراه على وسائل الإعلام كل يوم من انهيار للعرب.
أي أن هذه الرؤى الإعلامية تنقل نبض الشارع العربي الذي يريد بالفعل أن يكون هناك شيء ما يسمى "التضامن العربي" و"بيت العرب" ولكن ليس بالصورة الحالية التي تكشف عجز النظام السياسي العربي بصورة أكبر مما تعمل على حل مشكلاته، وتنطلق وسائل الإعلام تلك من منطلقات قومية، فهي لا تسعى إلى إسقاط النظام العربي ككل، ولكن تدعو إلى إحلال نظام بديل.
وتشترك في هذه الرؤية العديد من وسائل الإعلام الحكومية والمستقلة، وإن كانت الحكومية منها تنحو نحو تأييد عقد القمة على الأقل على مستوى الإعلام المرئي، فنرى البرامج والتغطيات على شاشات التليفزيون، فيما نرى الانتقادات والدعوات إلى التغيير على صفحات الجرائد التي تسيطر عليها حكومات هذه الدول.
أما وسائل الإعلام المستقلة التي تدعو إلى تحريك الأمور الراكدة في الواقع العربي وإيجاد منظومة جديدة تتفق مع هذا الواقع ومتطلباته فتتوزع على وسائل الإعلام الإسلامية والتي تكون في الغالب إما صحفًا أو مواقع إنترنت ذات الطابع الدعوي الغالب والذي يعتبر متابعة الشئون السياسية نوعًا من الدعوة الإسلامية في الجانب السياسي، بالإضافة إلى تيار يسار الوسط وهو ما يمثله في الغالب التيار الناصري الذي يعبر عن نفسه في بعض وسائل الإعلام الحكومية بالدول العربية كالبرامج الثقافية في التليفزيون المصري إلى جانب الصحف المستقلة التي يديرها كبار رموز هذا التيار بالإضافة إلى مواقع الإنترنت التي تكون في الغالب إخبارية.
وبصفة عامة لا يتوقف ممثلو هذا التيار عن الدعوة إلى تطوير الآليات والمنظومات العربية كلما سنحت الفرصة من انعقاد قمة عربية أو مؤتمر عربي ذي أهمية خاصة.
القمة في ميزان الإعلام العربي
إذن يتضح مما سبق أن الإعلام العربي يستند في متابعته لأخبار القمة العربية القادمة إلى المنطلقات السياسية حيث نجد النبرة الغالبة في أي منبر إعلامي يستند إلى توجه سياسي معين.
كما أن المطلب الرئيسي في مختلف وسائل الإعلام هو إيجاد بدائل للآليات السياسية العربية الرئيسية والتي تمثلها جامعة الدول العربية التي تعتبر القمة العربية التعبير الرئيسي عنها، إلى جانب ذلك يمكننا القول إن النظم العربية لم تترك القمة العربية- مثل عادتها في أي حدث- دون استغلال إعلامي لها من أجل دعم هذا النظام أو ذاك.
البيان الختامي للقمة.. عن ماذا يعبر؟
من الجيد في هذا الإطار أن نُلقي نظرةً على البيانِ الختامي للقمة العربية والذي صاغه وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعاتهم التحضيرية التي سبقت القمة، وتبدو من النظرة الأولى على المسودةِ أن البيان الختامي سيكون واقعيًّا، إلا أنَّ هذه الواقعية جعلته "وثيقة إدانة" للمنظومة السياسية العربية.
ففي تعامله مع الملف العراقي، لم تشر مسودة البيان الختامي إلى اقتراح بانسحاب أمريكي مباشر من العراق، حيث التزم الواقعية في هذا السياق إلا أن هذا يعني بوضوح أن العرب غير قادرين على تسوية المشكلة العراقية، وهو الأمر الصحيح في الواقع.
كما تشير مقررات البيان الختامي بخصوص القضية الفلسطينية إلى استمرار تمسك جامعة الدول العربية بالثوابت العربية؛ حيث طالب بالعمل على إعادة اللاجئين الفلسطينيين وتأسيس دولة فلسطينية عاصمتها مدينة القدس، وقد تمسك البيان بذلك؛ نظرًا إلى صعوبة التخلي عن هذه الثوابت، فلا القدس ولا عودة اللاجئين من الملفات التي يمكن القيام فيها بما يسميه العرب والصهاينة "تسويات".
الملف اللبناني السوري غلب في تعاطي البيان الختامي معه صوت العقلانية؛ حيث دعا إلى التضامن مع سوريا ضد الضغوط الدولية إلى جانب التأكيد على استقلالية لبنان وضرورة التوصل إلى قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ووفق المسودة الأخيرة للبيان الختامي للقمة العربية، فإن القرار الأبرز سيكون التوصية بإنشاء مجلس السلم والأمن العربي من أجل التصدي للنزاعات العربية والعمل على تسويتها وإدارتها، كما سيكون هذا المجلس من مهامه تأسيس قوة حفظ سلام عربية عندما تستدعي الضرورة، وهو ما يعتبر توجهًا جديدًا من جانب القيادات العربية نحو الاستفادة من التجارب الأخرى في تأسيس مثل هذه المجالس ومن بينها الاتحاد الأفريقي.
كما شهدت المفاوضات بين وزراء الخارجية العرب توافقًا على التجديد للأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وذلك بعد بحث التحفظات على أداء موسى وجامعة الدول العربية في الفترة التي تولاها.
إذن تضمنت المواقف العربية الواردة في تلك المسودة بعض العناصر الأساسية وهي العقلانية والواقعية والتمسك بالثوابت- قدر الإمكان- إلى جانب التطلع إلى تطوير المنظومة العربية، والتمسك بفكرة الإجماع العربي وعدم الرغبة في إثارة المزيد من النزاعات وهو الأمر الذي تمثَّل في التوافقِ على شخص عمرو موسى بدلاً من تشويه صورة القمة العربية أمام وسائل الإعلام بالخلاف حول مثل هذه القضية التي تُعتبر هامشية في ظل الملفاتِ التي ينبغي أن تتصدى لها جامعة الدول العربية.