تحقيق- عصام فؤاد
تخرَّجت من سنوات ولا تجد وظيفة.. لن تستطيع العمل في شركة (بابي) لأنه أصلاً لا يملك واحدة.. تفتش في دائرتك فلا تجد (أونكل) يعينك في إحدى الوظائف، لا تيأس ولا تحزن فلن تكون وحيدًا في شارع البطالة، انظر حولك لتجد حوالي ستة ملايين شاب لهم مثل ظروفك ويعانون مثل معاناتك، فقط بضعة الآف منهم استطاعت أن تجد الحل، نعم لا زال هناك حل، لا تتوجَّسْ أو تَرتبْ فلن نحاولَ السطوَ على جنيهاتك القليلة مقابل تعيين وهمي كما تفعل شركات النصب والاحتيال هذه الأيام، كل ما نطلبه منك هو أن تتخلَّى قليلاً عن ما يُسمَّى (البرستيج) وعن عبارة "أنت أكيد بتهزر؟"، ولتدعْ أصحاب التجربة- وهذا الشرط الأخير- يقدِّمون لك الحل.
"أنا لن أجلس في بيتي أنتظر دوري في القوى العاملة لأنه لن يأتي، ولكني سأنزل إلى الشارع وأبحث عن مصدر لرزقي وعن (لقمة عيشي)".. هكذا لخَّص عيد الحل من وجهة نظره ونظر العديدين ممن يفترشون الأرض أسفل كوبري أكتوبر بميدان رمسيس.
المناداة على السلع بكلمات مقتضبة ومفسرَّة تشبه العناوين الإخبارية علمته الردَّ السريع الوافي، فقال اسمي عيد وعندي 37 سنة، أقيم بدار السلام، وحاصل على معهد فني صناعي عام 1987م.. عيد متزوج وعنده طفلان أكبرهما في السادسة من عمرها، كان همه عند التسجيل أن يصلَ صوتُه إلى الجميع كي يجأرَ بظلمِ الحكومة التي لم ترحمهم عندما تركتهم في الشارع دون وظيفة، وتريد أن تمنعَ رحمةَ الله عندما تطاردهم بلديات المحافظة وشرطة المرافق ليلَ نهارَ لمنعهم من البحثِ عن رزقِ أسرهم أو لإجبارهم على دفع "اليومية" أو "الأتاوة" لضباط وأمناء الشرطة كي يتركوهم في حالهم.
ورغم عدم استفادة عيد من مؤهله الدراسي إلا أنه يأمل في تعليم أبنائه تعليمًا "جيدًا" حتى لا يصيبهم ما أصاب أباهم، وبرغم يأسه الكامل في الحصول على وظيفةٍ حكوميةٍ محترمةٍ إلا أن الأمل لا زال يداعبه بين الحين والآخر يغريه بإمكانية تعيينه في "الميري" كي يكفيَ نفسَه المشقةَ و"المرمطة" التي يراها في الشارع كلَّ يوم على حدِّ تعبيره.
الرصيف بوابة للزواج
أحد الشباب يبيع الفشار

حاتم لا يوافق عيدًا في رأيه، مؤكدًا أنه لا يريد وظيفة الحكومة التي لن تعطيَه سوى 150 جنيهًا شهريًّا وبعض الفتات كحوافز كل سنة، حاتم عمره 35 سنة، لم يتزوج بعد ويأمل في الزواج قريبًا بعد أن أستطاع العمل على الرصيف في تدبير المتطلبات الرئيسة للزواج، الشيء الوحيد الذي يؤرقه ويغيظه هو هؤلاء الجنود والضباط الذين تركوا "الحرامية" وتجَّار المخدرات وتفرغوا لمطاردة "الغلابة" الذين يبحثون عن رزقهم بالحلال.
الحذاء على الرصيف ثمنه لا يتجاوز العشرين جنيهًا (حوالي 4 دولارات)، أتى به هؤلاء البائعون من الورش الصغيرة بمنشية ناصر وباب الشعرية ومسطرد، وهو في رأيهم لا يقل كفاءةً عن نظيره بالمحلات التي يباع الحذاء فيها بأضعاف الثمن؛ لأن افتراش الأرصفة يوفِّر نفقاتِ إيجار المحلات ومصاريفها من كهرباء وعمالة بالإضافة للضرائب.
وكما ستجد بين الباعة أعمارًا مختلفة.. صبيةً وشبابًا وكهولاً، تستطيع أيضًا إذا أرهفت سمعك لنداءات الباعة على بضائعهم أن تلحظَ لهجاتٍ عديدةً وكلماتٍ إقليميةً جاءوا بها من بلادِهم في صحبةِ أحلامهم بتوفير مسكن والقدرة على بناء أسرة، فهذا طاهر من ديروط بمحافظة أسيوط وصلاح عياض من مركز أبو تشت بمحافظة قنا وغيرهم من مدن الوجه البحري والقبلي.
الكل يريد أن يحكيَ لك مشكلته علَّه يجد عندك الحل، أن يجد لقمة عيشه ويعيش باحترامه دون أن يطاردَه أحد، ولكن إشارة مراقب الطريق "الناضورجي" أنهت اللقاء سريعًا مع انتفاضة الباعة وجريهم ببضاعتهم، حيث يختبئون حتى لا يقعوا في قبضة رج