- الأبناء يصرخون: آباؤنا زوَّار لا يعلمون عنا شيئًا

- الخبراء: التواصل بين الطرفين ضروري خاصة في مرحلة الشباب

 

تحقيق- روضة عبد الحميد

"لاب توب.. موبايل أحدث صيحة.. ملابس إنف أو سان.. ساعة ريموند ويل.. وأموال ملونة أخضر وووو.." تلك هي الهدايا التي يحملها الأب عائدًا بعد فترة غياب، مهما قصرت هي طويلة بالنسبة لأبنائه، حالمًا بنظرة الفرح التي سيراها في عيونهم، والتي يتوهم البعض أنها عِوَضٌ عن فترة غيابه, ويفرح الأبناء بتلك الهدايا- لا شك- للحظات الأولى لبريقها ولفرحتهم بعودة أبيهم كعودة الروح للجسد ثم بعد يوم.. يومين.. أسبوع على الأكثر تبدأ المشاعر الحقيقية تتجلَّى وتتضح، متمثلةً لدى بعض الأبناء في صور مختلفة، منها رفض داخلي لوجود الأب، فهم لعدم تعوُّدهم على وجوده يحس الأبناء بغربة تجاه هذا الوافد للأسرة، أما الأم فتهتم في تلك الفترة- الإجازة- بأن تكون خاليةً من المشكلات تمامًا لتوفر له لحظات الراحة الهادئة عوضًا عن الفراق الطويل.

 

وحتى لا تتوتَّر العلاقة بينه وبين أبنائه في تلك الأيام القصيرة التي يقضيها معهم تقوم الأم بإخفاء المشكلات عنه، وهي بذلك- عن دون قصد منها- تهمِّش دور الأب، فيموت دوره ويختفي بمرور الوقت، ويمكن أن يهمِّش هو دوره حين يرفض الانصات لشكوى ألام مردِّدًا "أنا آتي شهر هل أنكِّد عليهم فيه؟!".

 

وربما يفرح الأب لعدم سماعه بوجود مشكلات لدى الأبناء أو ربما حاول الأب أن يُقنع نفسه بعدم وجود مشكلات لدى أبنائه لأنه اعتاد من كثرة تردادهم جميعًا لجملة واحدة وإن اختلفت الصيغة أثناء محادثتهم له تليفونيًّا في تلك الدقائق المعدودة: "كله تمام يا أبي.. كلنا بخير يا أبي.. لا توجد مشاكل يا أبي.. أرسل لنا مالاً يا أبي.." فيعتاد الأبناء أن ذلك الأب ليس إلا مصدرًا لمنح المال فقط، وتجفُّ المشاعر، وتموت أو تذوب وتتجمَّد تدريجيًّا مع الوقت تلك العاطفة داخلهم.

 

المشكلة الكبرى أنه قد تتكون لدى الأبناء مشاعرُ داخليةٌ سلبيةٌ تجاه الأب ربما دون قصد منهم، فقد يشعر بعض الأبناء- بعد مرور وقت طويل- بثقل هذا الأب الذي تحوَّل إلى ضيف ثقيل ننتظر بفارغ الصبر رحيلَه عن بيتنا لتعود الحياة إلى طبيعتها.

 

ضيف ثقيل

تخبرنا إيناس أحمد (16 سنة) إحدى ضحايا تلك الغربة: سافر أبي قبل أن أخطو خطواتي الأولى، ولم نكن نراه إلا شهرًا واحدًا كل عام، ودقائق تليفونية مرةً أسبوعيًّا؛ لذا فأنا مخلوقٌ غريبٌ عليه، فقدت العلاقة به تمامًا، وهو كذلك لا يشعر بوجودي، ولست بالنسبة له إلا كائنًا سخيفًا يقوم بحل مشاكله فقط؛ ولهذا أهتمُّ دائمًا ألا يعرف عن مشاكلي شيئًا، وذلك لعدة أسباب؛ أولاً: حتى لا أكون مصدر إزعاج له بمشاكلي، ثانيًا: لأنني أكره تدخلاته وأرفض توجيهاته، ثالثًا: لأنني حين أُخطئ تُنسب أخطائي لأمي؛ لأنني نتاج تربيتها كما يردد، بينما أختي الكبرى أخطاؤها بسيطة وقابلة للعلاج في رأيه، وإن أحسنَت فلأنها تربيته هو، وأنا أتعجب من ذلك التناقض!! هل هو ذنبي أنه لم يكن معي خلال رحلة نشأتي الأولى أو ذنب أمي التي صبرت وبذلت؟! وبالرغم من تعلق أختي الكبرى به وتعلقه بها أيضًا كثيرًا قبل سفره إلا أنه لا يمثل لِكلْتَيْنا إلا حامل هدايا، ومن هنا نضطر لمجاراته وتحمُّل مضايقاته من أجل طلباتنا، أو لأنها فترة وستمر.

 الصورة غير متاحة

 متى يرحل ؟!

 

تكمل إيناس قائلةً: أما عن إحساسنا بثقله فقد كانت له مسبباتٌ عديدة، تبدأ من أول رفضنا لتدخلاته في حياتنا، فهو يأتي "ليقلب لنا حياتنا"!! وهو يسعى ليغيِّر حتى عاداتنا اليومية لجعلها أكثر انضباطًا وأكثر انتظامًا، وهو ما لم نَعتَدْ