تحقيق- روضة عبد الحميد

"رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ".. هذا الحديث هو حكمةٌ قالها من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وبكل أسفٍ في زماننا هذا نجد آباءً عن عمد أو بدون قصد يدفعون بأبنائِهم إلى الضياع أو على الأقل يتسبَّبون في جروح غائرة لا ينسونها، وتؤثر على شخصيتهم فيما بعد، فيتعجب الآباء لماذا أصبح الابن سلبيًّا أو ضعيفًا أو مهزوزًا؟ ولماذا يفضل أن ينطويَ بعيدًا؟ لكنَّ الإجابةَ تبدو واضحةً تمامًا وتتجلَّى في معنى واحد هو: "عدم الاحترام"، وإن اختلفت مظاهر عدم الاحترام؛ فهناك آباء لا يحترمون حقَّ أبنائهم في حرية اختيار الدراسة، وآخرون لا يحترمون حقَّ أبنائِهم في حرية اختيار شريك الحياة بلا مبرِّر سوى التعنت, ورغبة التملك، وآخرون لا يحترمون حق أبنائهم في أن يكونَ لهم أسرار بل يفضحها الآباء إن وُجِدَت بحجة أنها طرَائف أو أنهم ما زالوا أطفالاً من وجهة نظرهم، وآخرون لا يحفظون كرامة أبنائهم فيشكون سلوك أبنائهم للجميع، ويقلِّلون من شأنِهم أمام الأقارب، ويسفِّهون رأيَهم، وآخرون لا يحترمون حقَّهم في أن يكونَ لهم ممتلكاتٌ خاصةٌ مهما كانت تافهةً في رأيهم، فيهملون في الحفاظ عليها غير آبهين برغبات هذه المخلوقات التي لم تُسمَّ بعد في رأيهم شبابًا بحجة أنهم لم يكوِّنوا شخصيتهم المستقلة بعد حتى يكون لهم رأيٌ يحترم من الأساس.

 

ولكن هل نحن متعسفون في هذا الحكم على الآباء؟

يقول خالد علي (27 سنة دبلوم): أول صدام بيني وبين والدي في الثانوية العامة، حيث أجبرني على دخول القسم العلمي، رغم أن ميولي كانت أدبيةً، ونتج عن ذلك أني رسبت فيها 3 سنوات، والسنة الرابعة دخلت معهدًا لمدة سنتين.

 

وتكرَّر ذلك مع كريم عبد العال، حيث أجبره أبوه على إعادةِ الثانوية العامة ثلاث مرات ليدخله كلية الهندسة، وفي النهاية دخل (تجارة إنجليزي) التي كان مجموعه يسمح بها من أول مرة، ويذكر لنا كريم زميلاً له أجبره أبوه على دخول الهندسة، فخرج من السنة الثالثة، وكره التعليم كله، وأصبح حاصلاً على الثانوية العامة فقط!!

 

الإكراه

أما محمود شاكر (مهندس 25 سنة) فيروي أنه حين تخرَّج من الكلية بعد 5 سنوات من التعب ليحمل لقب مهندس ويحلم بمكتب هندسي، أو أن يعمل مهندسًا بأي حال من الأحوال؛ ولكن ما حدث أن أكرهه أبوه على أن يعملَ معه في شركته في مجال التسويق والمبيعات، فأصابته حالةٌ نفسيةٌ جعلته سلبيًّا ومستسلمًا، وضعفت مقاومته، رغم أنه كان فيما مضى شخصيةً قويةً، ولكنَّ التزامَه لا يسمح له بمخالفة والده، حتى ملَّ منه أبوه وتركه، وقتها كان على أتم استعداد أن يتركَ البلد ككل ليبني نفسه ويكسرَ القيودَ، ولكنَّ الفرصةَ التي جاءته قبلها وهو سعيد بها رغم معاناته فيها, إلا أنه سعيد بأنه استقل أخيرًا وبدأ في تحقيق أحلامه وخرج من السجن الذي كان بداخله, على حد قوله.

 

معارضة الالتزام

مظهر آخر من تعسف الآباء وهو رفضهم لالتزام أبنائهم دينيًّا، فيروي لنا محمد صلاح (24 سنة- خدمة اجتماعية) أنه حين سلك طريق الالتزام عانى كثيرًا، فمثلاً لو أراد الخروج لا يخرج إلا بعد الخضوع لتحقيق مفصل من عينة: أين تذهب؟ ومع من؟ ولماذا؟ وهو ما لم يكن يحدث سابقًا، ويؤنبه أبوه دائمًا بأنه هو سبب مرضه، وحين أراد أن يطلق لحيته فهذا الأمر يعني أن يُطردَ من البيت أو يُقاطع مقاطعةً شديدةً في أحسن الظروف وتهديده بحرق كتبه!!

 

اختيار الشريك

وهناك أيضًا التدخل في اختيار شريك الحياة، فيقول جمال السيد (محاسب 23 سنة) إنه اختار عروسه وفرح بها كثيرًا وكان يراها فرصته، إلا أن أباه عارض بدون إبداء أي سبب، إلا أنه أراد أن ينتقيَ هو له، ورفض حقه في حرية الاختيار، وبالأدق كان يرغب أن يزوجه فتاةٌ بعينها غير محجبة، وهو ما كان يرفضه تمامًا، وقد عانى من أزمةٍ نفسية حادةٍ بعد أن اضطر إلى أن يرضخَ لرغبةِ والدة، خصوصًا بعد أن صرح لأهل عروسه برفض والده أملاً في قبولهم للوضع وإتمام الزيجة.

 

أما زينب أحمد (23 سنة - حقوق) تقول خُطبت وقبل عقد الزواج بأسبوع اتصل العريس الذي كان متمسكًا بي يعتذر، مبررًا السبب أن أمه لم ترتح لي، وأنه يخشى العقوق، فهل ذلك عقوق أو تخلف وضعف؛ وسوء فهم للدين والبر؟!

 

الخصوصيات

مظهر آخر من مظاهر السلب وعدم الاحترام، هو عدم احترام الخصوصيات والتقليل من الشأن أمام الآخرين وفضح الخصوصيات، فتحكي لنا رانيا محمود (21 سنة - آداب) أنها شخصية اجتماعية من صغرها، ففي المدرسة كانت تتبادل أرقام الهواتف مع المعلمات وتصادقهم وتتبادل الاتصالات معهم في الصيف، ولكن أمها كانت تستمتع بأن تشكوها لهم وتقحمهم في المشكلات التي تحدث بينهم حتى وصل برانيا، الأمر أن منعت المعلمات من الاتصال بالبيت وأقلعت عن الاتصال بهن.

 

وترى أن محاولةَ إقحام طرف ثالث في العلاقة بينهما ما هو إلا دليلٌ على ضعف أمها وعدم قدرتها على السيطرة وحل المشكلات بينهم، وأن ذلك كان يجرحها كثيرًا، خصوصًا أن كل ما كان يترتب أن تشوه صورتها أمام معلماتها، وكانت المعلمات لا يتدخلن ويكتفين بعتاب لطيف كأداء واجب، وللأسف استمر الأمر في الجامعة مع رفقاء الجامعة.

 

حق التملك

أما إسماعيل محمد (25 عامًا- كلية الطب) فيذكر أنه كان يحتفظ (بلعب) حصل عليها كجوائز عن حفظ القرآن وأن والدته لم تكن تبالي بالحفاظ عليها وكانت تعطيها لإخوته والضيوف يلعبون بها، وهو ما كان يجرحه، ويذكر حتى يومنا هذا وما زال يذكرها لها، وتوافقه الرأي منى جمال (24 سنة- بكالوريوس إعلام) أن والدتها كانت تعطي ألعابها لأبناء الضيوف بحجة أنها مجاملة تضطر إليها، وتقول: ليتها كانت تشركني معها وتحادثني وتفهمني، فكانت تأمرني أمام الضيوف أن أحضر ألعابي، فأحرج وكنت آتي بألعابي، ربما يبدو الأمر طرفةً لكنه بالنسبة لي فعلاً كان ولا زال مؤلمًا.. كنت أشعر كأنني شيءٌ ليس لي حق في الرفض أو القبول أو حماية ممتلكاتي، فقط أفعل ما أؤمر وأسلب ما أملكه بالقوة.

 

وتستطرد قائلة: إن علماء التربية أكدوا أنه لا بد أن نزرع في أبنائنا الحفاظ على ممتلكاتهم؛ لأن اعتيادهم على أنها تسلب منهم دون دفاع يعني ضعفًا وسلبيةً ترسخ فيهم وفي شخصيتهم، وكيف يستردون الأقصى بعد ذلك؟!

 

جهل

ويؤكد الدكتور شحاتة محروس- أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة حلوان- أن الآباء الذين يسلبون حق أبنائهم في حرية الاختيار كالإكراه على الزواج أو دراسة معينة وفضح الخصوصيات وإفشاء الأسرار الخاصة بهم والضرب والإهانة أمام الناس وتسفيه تفكيرهم؛ إما أن الأب يمارس الاستبداد بصفة عامة؛ أو أنه يجهل النتائج التي سيصل ابنه إليها؛ أو أنه لا يهمه العلاقة العاطفية بينه وبين ابنه ولا يهتم بتنميتها وروائها والحفاظ عليها أو أنه لا يهمه أن يصبح ابنه مسئولاً مزروعًا فيه الاستقلال والاعتماد على النفس، وغالبًا يكون أبًا أو أمًّا يجهلان عملية التربية الصحيحة، وهو ملخص لكل ما سبق.

 

فحتى أن المثل الشعبي يقول (إن كبر ابنك خاويه)؛ وللأسف الشديد في مجتمعاتنا العربية وفي مصر خصوصًا تربية الأبناء على الاعتماد على النفس فيها خلل؛ حيث إننا نظل نرعاهم ونرعى شئونهم حتى يكبروا جدًّا، ونظل نعاملهم كأنهم ما زالوا أطفالاً؛ والنتيجة الطبيعية لكل ما سبق أن رأي الأبناء يصبح غير سديد؛ لأنه نابع من فرد غير مسئول؛ وبالتالي يفقدنا الثقة في تصرفاتهم رغم أننا كآباء الذين جعلنا منهم سلبيين وضعافًا.

 

النتيجة

ويضيف محروس: ومن المتوقع جدًّا أن تكون نتيجة إجبار الآباء لأبنائهم على أي أمر هو حدوث فجوة بينهم وتدهور العلاقة التي من المفروض أن تكون وثيقة؛ وقد يتظاهر الابن بمسايرة الأب فقط ويفعل ما في عقله ولو بعد حين؛ وقد يتحول ضد الأب على خط مستقيم، وقد تصل الأمور لأن يضر الابن نفسه عندًا في أبيه ويفقد الثقة في نفسه ويصبح شديد السلبية؛ باختصار خلق جيل مشوه نفسيًّا، ومن المنطقي جدًّا أن يصبح جيلاً غير منتج، ونحن من صنعنا وزرعنا فيه تلك النبتة.

 

ويري الدكتور شحاتة محروس أنه لا بد من علاج هذا الخلل قبل أن يتفشى المرض في مجتمعاتنا وعملية العلاج تكون على عدة محاور:

 

الأول: بالنسبة للآباء.. يجب أن يدرك كل أب جيدًا أنه لن يجعلَ ابنه كما يريد تمامًا، بل يربيه ويعلمه ويزرع فيه القيم والأخلاق ثم يتركه ليكون له طريقة وشخصيته الخاصة به، وليس لأن الأب ناجح لا بد أن يكون الابن مثله ناجحًا أو أنه فاشل فلا بد أن يصبح الابن مثله، فلا بد أن يدرك الأب ويعي ذلك جيدًا؛ لأنه في النهاية لكل فرد شخصيته المختلفة عن الآخر.

 

والمحور الثاني في عملية العلاج تقوم به الدولة والمؤسسات الإعلامية، حيث تعمل على تصحيح فكر الآباء من ناحية التربية.

 

أما المحور الثالث فيقوم على الأبناء؛ فيجب عليهم أن يحاوروا آباءَهم ويوضحوا الأمر لهم، وعليهم أن يجعلوا الآباء يثقون فيهم بأن يشعروهم أنهم أصبحوا على قدر المسئولية وأنهم أصبحوا رجالاً.

 

ويتفق الدكتور أحمد المجدوب- المستشار بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية- مع الدكتور محروس شحاتة اتفاقًا مطلقًا، ويؤكد خطأ هذا الأسلوب في التربية؛ لأنه يجب دائمًا حتى ننجحَ مع أبنائنا ونمهدَ لهم طريق النجاح، وأن نبتعد عن الإجبار والقهر وفرض الرأي الذي دائمًا يؤدِّي إلى الفشل؛ لأنه إن نجح أحيانًا وأدَّى إلى الطاعة ففي أحايين أخرى وهي الغالبة ما ينتهي المطاف بتمرد.

 

ويضيف: إن الصحابي الجليل عمر بن الخطاب قال مقولة خالدة: "أولادكم ولدوا في زمن غير زمنكم فعاملوهم بزمنهم لا بزمنكم"، وهنا مس الفجوة بين الأجيال، حيث إن كل جيل لا يطابق الذي يسبقه من حيث طموحاته وميوله رغباته فكرة سلوكه كله يختل.

 

وأنا هنا لا أقول أن نتساهل بدعوى التحرر ونفتح الباب على مصراعيه، فكلاهما خطأ، والأمثل هو أن يأخذ الآباء بعين الاعتبار رغبات أبنائهم ويكون التدخل على سبيل التوجيه لا القهر؛ لأنه سيواجه بتمرد ورفض وعِند يورث فجوة عميقة.

 

أنت ومالك لأبيك

أما الشيخ الدكتور منير جمعة- من علماء الجمعية الشرعية- فيؤكد أن حديث "أنت ومالك لأبيك" لا يبرر للآباء أن يسلبوا حقوق أبنائهم، وإنما هو حديث فيه حضٌّ للأبناء على البر، وأن يقدموا احتياجات آبائهم على أنفسهم، وأما إن كان الأب يريد أن يستولي على ما للأبناء فإن مَنْعَه ليس من العقوق، بل هو من باب التربية، وكفه عن الظلم.

 

والعلاقة بين الأب والأبناء فيها حقوق مشتركة، ولكن الله لم يوصِ الآباء بأبنائِهم في القرآن مثلما وصَّى الأبناء بآبائهم؛ لأن هذه الرابطة تسمو بالأب وتجعله يرعى أبناءَه بصورة تلقائية لا تحتاج إلى توصية، لكن إن خرج الأب عن هذه الأمور الغريزية والبديهية فليس واجبًا على الأبناء أن يستجيبوا له ولكن بكل أدب وعدم تطاول.

 

والأب الذي يتصوَّر أن مصلحة أبنائه في أمر محدد فإنه ليس من حقه أن يفرضَ هذا التصور عليهم ومعارضته لا تعد عقوقًا.

 

وأما عن ضرب الأبناء أو حتى إهانتهم لفظيًّا، خصوصًا أمام الناس، بحجة التربية ليس من التربية في شيء؛ فليس للآباء أكثر من أن يوجهوا الأبناء وليس عليهم أكثر من النصح والإرشاد.

 

وكذلك بالنسبة لقضية اختيار الزوجة فهو أمرٌ شخصي يتعلق بالحب والميل، ولا علاقة للغير، إلا من جهة السؤال عن الأخلاق والتدين من باب الاستشارة.

 

ونُدلل على هذا بالواقعة الشهيرة للفتاة التي جاءت إلى رسول الله وقالت له: "إن أبي يريد أن يزوجني من ابن أخيه، فردَّ النبي هذا الزواج لولا أن أقرَّته الابنة نفسها وقالت إنما أردت أن أعرف هل للنساء في هذا الأمر من شيء"، مما يدلِّل على أن البنت من حقها أن تختارَ من تشاء وليس من حق أبيها أن يفرضَ خياره عليها، إلا من ترضاه حيث لا بد من التوافق بين الأب والبنت على الخاطب وإن لم يحدث هذا التوافق فلا تصح الزيجة.

 

وإذا كان هذا خاصًّا بالابنة التي لها رعاية خاصة؛ فكيف يكون الأمر بالنسبة للابن فلا شك أنه له حرية أن يختار ولا يرفض إلا لسبب شرعي، فإذا رفض الوالدان الزوجة المرغوبة من الابن لسبب غير شرعي فلا يُطاعان في ذلك ولا يجب على الابن أن يستجيب لرغبتهم، ولا يُعد ذلك عقوقاً؛ لأنه إذا استجاب ظَلَمَ الزوجة، وهذا حرام.

 

أما في الحالات التي تكون فيها المرأة غير مرضية خُلقًا يجوز للأب أن يطلبَ من ابنه تطليقها، وفي هذه الحالة الأولى للابن أن يستجيبَ ما دامَ المبرر عن أخلاقها ودينها وغير صالحة شرعًا فلا يصح أن يبقيَها بل يجب عليه أن يطلقها؛ لأنها لا تؤتمن على ماله أو عرضه أو أبنائه مثلاً؛ ولكن نؤكد على ضرورة وجود المبرر الشرعي.