تحقيق- علي منصور وسالي مشالي

منذ فجر التاريخ يتطوَّر الزِّيُّ المصريُّ في الأحقاب المختلفة ولا يستقرُّ على نسقٍ واحدٍ؛ ولهذا تشاهد في الشارع "كوكتيلاً" من الملابس، بدءًا من الجلابية البلدي والعمامة والبدلة، وتجد الملس بجوار الجينز وكأننا في حفلةٍ تنكريةٍ، بعض الأولاد يرتدون القُمْصان من الحرير المشجَّر، والبنات يرتدين ملابس الرجال، والشوارع تحوَّلت إلى "كرنفالاتٍ" لمختلف الأزياء.

 

وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة حدث ما يُشبه الانقلاب في ملابس المصريين، فانتشر ارتداء البنطلون الضيِّق بين الفتيات حتى أصبح أمرًا عاديًّا لا يُنكره إلا المحافظون والمتدينون، وقد يصبح ارتداء البنطلون الضيِّق حريةً شخصيةً لكن الفتيات يرتدينه مع الحجاب!! فتبدو الفتاة في صورةٍ كاريكاتوريةٍ تجمع النشاز والقبح أكثر من الجمالِ والاعتدال.

 

وإذا كان ابن خلدون قد قال منذ أكثر من ثمانية قرون: "إنَّ اللباسَ مذهبٌ من مذاهبِ الحضارة وفنونها" فهل هذه العشوائية في ملابس الشعبِ المصري دليلٌ على حالةِ الاغتراب والحيرة التي تسيطر على عقول المصريين أو أنه انعكاسٌ للأوضاعِ الاجتماعية والثقافية التي تمرُّ بها المجتمعاتُ خلال حقبة معينة، أو أن هذا الاضطراب دليلٌ على انهيارِ الشخصية المصرية المعروفة بسماتها على مدار التاريخ؟!

حول هذه القضية يدور التحقيق التالي:

 

يقول د. جمال زهران- أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس وعضو مجلس الشعب-: إنَّ الزِّيَّ حريةٌ شخصيةٌ، ولا تستطيع أن تفرض عليَّ ما ألبسه، لكن في نفس الوقت يجب أن يكون لباسُ شعبٍ ما تعبيرًا عن شخصيته، ومع أن معظم الدول العربية بل دول الشرق لا زالت تتمسك بزيِّها بنفس درجة تمسكها بعلمها الذي يحمل عنوانها، إلا إننا نرى مصرَ من الدول العربية والشرقية القليلة التي تجري وتلهث وراء الزِّيِّ الغربي، فأوروبا كلها متميزة بزِيٍّ موحَّد، ولكنَّ الشرق يتميز بزيِّه الخاص أيضًا، فالعقال والساري والكيمونو هي أسماء لأزياء شرقية.. إلا مصر فهي الدولة التي انتقلت بين أكثرِ من زيٍّ، لقد كان زيُّ المصريين هو "الجلباب والعمة" ثم بقِيَ الجلباب ووضعوا الطربوش مكانَ "العمة"، ثم ارتدَى المثقفون البدلة بدلاً من الجلباب، في بداية الخمسينياتِ بقيت البدلة والجلباب ورَحَل الطربوش وإن استمرَّ الحال مع وجود البدلة في المدينة والجلباب في القرية، إلا أنَّ هذا الوضع تغيَّر كثيرًا أيضًا، خاصةً مع الشباب.. والشباب هم أكثر الفئاتِ الاجتماعية تأثرًا بالتغيرات.. ومن السهل التأثير عليهم!!

 

ولكن ما أراه أنَّ جزءًا غير قليل من الفتياتِ أصبحن مثل الريشة في مهبِّ الريح، تتقاذفهن المؤثرات السينمائية والإعلانية، فأصبحن مثل "الأرجوزات" في الشوارع، من بنطلون ضيق جدًّا وقطعة قماش على الرأس صغيرة، ولا تعرف هل هو حجاب أو غطاء لا يستر من الرأس شيئًا؟!

 

وهذا انعكاسٌ طبيعيٌّ لحالةِ الانفلات التي يعيشها الشارع المصري، واستجابةٌ طبيعيةٌ للفوضى التي تعم كل شيء؛ حيث لا شيءَ ثابتٌ، حتى القانون الذي يحكم الجميع يتم تفصيله حسب المقاس، فما ينطبق على الشخص المسنود لا ينطبق على المواطن العادي الذي بلا سندٍ من مال أو سلطة؛ ولذا تحوَّلت الأمور إلى فوضى.

 

تغيرات اقتصادية واجتماعية

في حين يفسر ماهر عقل- عضو مجلس الشعب- هذه الظاهرة بقوله: إنه لا يجب أن نطرح هذا الوضع من الصورة الكلية التي نُشاهدها أمامنا في كل لحظة، فالأوضاع الاقتصادية والإعلامية تُلقي بثقلِها على المجتمع ككل، فالقنوات الفضائية الأجنبية والفيديو كليب لها تأثيرها الكبير في خلق واستمرار هذه الحالة، فضلاً عن سوءِ الحالة الاقتصادية للمصريين ككل، فنحن شعبٌ فقيرٌ من ناحية وتتقاذفنا حالة الضياع الإعلامي من ناحيةٍ أخرى، بالإضافةِ إلى عدم وجود زي شعبي متوارث، ومنذ أن قامت القيامة لإلغاء الطربوش ولم يعُد لنا زيٌّ موحَّد سوى زِيّ آبائنا في الريف، ولكن حتى هذا أيضًا بدأت تتهدَّده الأوضاعُ الجارية، أصبحنا مثل شباب الفلاحين في الرِّيف يرتدون القميص والبنطلون، وهذا الوضع يضعنا جميعًا في وجه الخطر، فالجلباب هو رداؤنا الشعبي على مدارِ التاريخ، ولكن مع كل ذلك يَلقَى المتمسكون به العنَتَ الكبيرَ وصعوبةً في التعامل مع بقيةِ الناس، ولا يخفَى على أحدٍ حجم المعاناة التي يلقاها الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم بسبب ذلك، لدرجة أنَّ أحد الكتاب هَزِئَ من جلبابه وهجاه في مقالٍ كبيرٍ؛ لأن أحد رجال الأعمال دُعي لتكريمه في إحدى الندوات، وسمى عنوان المقال "جلابية بارتي" للسخرية من الشاعر الكبير.. أما المشكلات التي كان يلقاها الكاتب الكبير محمد مستجاب- رحمه الله- وهو ويرتدي الجلباب فهي كثيرة ومؤلمة في ذات الوقت.

 

وإذا كان ذلك يحدث مع أكثر الناس شهرةً وموهبةً تصور ما سيحدث مع الشخص العادي إذا ما لبس الجلباب؟! وكم من المشكلات يُثيرها أعضاءُ مجلس الشعب الفلاحون والعمال عندما يذهبون إلى وزارةٍ أو هيئةٍ ما فيفاجأون بالأمن يمنعهم من الدخول!!

 

ويضيف د. عقل: ولو سِرت في الشارعِ المصري فلن تستطيع أن تُفرِّق ما إذا كان الذي يسير أمامك رجلاً أو امرأةً أو فتاةً، فالملابس متشابهة ومتناقضة في آنٍ واحد، فالبنت "تلبس التيشرت والبنطلون" وشعرها قصير، وأما الولد فشعرُه طويلٌ ويرتدي القمصان المزركشة!! ويرى أنه لا بد من نشر الوعي بزيٍّ مصريٍّ مناسبٍ وموحّد؛ لأن الأزياء عنوانُ الشخصية، وردُّ فعلٍ طبيعيٌّ لقيمة هذا الشعب ومقياسُ قدرته على التحمل وتحدي الصعاب.

 

ويرى د. صلاح الفوَّال- أستاذ علم الاجتماع- أن انتشار وسائل الإعلام على نطاقٍ واسعٍ- وخاصةً الفضائيات- أسهم بشكلٍ كبيرٍ في تغيير النمط السلوكي وأثَّر على توجهات الاستهلاك والتقليد لدى الشباب، ورغم تباين المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشباب إلا أننا نرى أنهم يغلب عليهم التوجُّه إلى اتباع الموضات المختلفة، فلم يعد هناك طبقةٌ معينةٌ ترتدي الملابسَ والباقي يُقلدها، وإنما أصبحت كل الأذواق في متناولِ الجميع بأسعار مختلفة.

 

وفي رأي  د. الفوال أنَّ هذا لا يعكس شخصية المجتمع الذي رغم أنه تغيَّر بشكلٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة إلا أنه من غير المعقولِ أن يكون التغيير بهذه الصورة وعلى هذا المستوى من العشوائية، وعلينا أن نعيَ أن (الموضة) تبدأ بعشرة ثم عشرين حتى تُصبحَ ظاهرةً.

 

اختراق ثقافي

ويرى الدكتور صلاح عبد المتعال- أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- أنَّ الاختراقَ الثقافيَّ والإعلاميَّ أصبح كبيرًا، فأي نمطٍ يظهر في أي بلدٍ أوروبية أو متقدمة ويُبَثُّ في الفضائياتِ يتخذه الشباب موضةً، ونجد أن العوامل الاقتصادية عليها جانب كبير من المسئولية، فالمصانع الضخمة والشركات متعددة الجنسية تسعى لفرض الأسلوب الأمريكي والنمط الأمريكي في أغلبِ الأحوال، فهذه الشركات تقوم بعمل دراساتٍ علمية في كيفيةِ تغير أذواق الأفراد، كما أنهم يقيمون عروض الأزياء لجسِّ نبضِ السوق والترويج لأحدث "التقاليع".

 

ويؤكد أن كثيرًا من الفنانين والفنانات يتقاضون مبالغ خيالية بالدولار ليرتدوا نمطًا معينًا؛ لأن ذلك نوعٌ من الدعاية لهذا المنتج، فيتبعه الشباب المنهزم، وتحقق الشركات في النهاية أرباحًا هائلةً.

 

ولا ينكر الدكتور عبد المتعال أن الإحساس بالهزيمة والإحباط وعدم الانتماء يؤثر كثيرًا في هؤلاء الشباب، وإن كانت بعض الدول استطاعت تجاوز هذا التأثير رغم وقوعها تحت الاستعمار سنين طوالاً، كما حدث لدول المغرب العربي التي لا تزال تحتفظ بزيِّها الوطني والدول الخليجية التي استطاعت بفضل الجوِّ القبلي الحفاظ على زيِّها، ويبقىَ العامل الاقتصادي الذي تضامن مع الانهزام وعدم الانتماء وعدم الاعتزاز بالصناعة المصرية، فتأتي الخصخصة فيغرق السوق بالمنتج الصيني الذي حلَّ محلَّ المنتج المصري، وطبعًا هذا المنتج لا يراعي الذوق المصري قدْرَ ما يعبر عن ذوق الدولة المنتجة، وفي النهاية تصب هذه الحالة من التوَهان في مصلحة الدول الكبرى التي تسعى للسيطرة، سواءٌ عن طريق الحرب أو السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة.

 

الاحتياج للقدوة

وتقول د. نهلة إبراهيم- أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية- إن الإنسان في مرحلة الشباب يحتاج إلى القدوة ويلتمسها في محاكاة المشاهير وصفوة المجتمع، سواءٌ كانوا فنانين أو لاعبي كرة أو رموزًا من صفوة المجتمع، وتختلف المحاكاة بين الشباب حسب الشريحة العمرية، سواءٌ بين البنين أو البنات، كما تختلف أيضًا درجة الاستجابة بين التسيُّب والتشدد.

 

وتشير د. نهلة إلى أن الشباب يلجأ إلى التغيير أو التقاليع الغريبة في اللبس أو الموضة عندما يشعر بأنه مرفوضٌ من أسرته أو المجتمع الذي يعيش فيه فيلجأ إلى الأشياء غير المألوفة كي يجذب إليه الأنظار حتى إنه يتمسك برأيه لإثبات ذاته أمام الآخرين.

 

مشيرةً إلى أن الغزو الثقافي جعلنا نتأثر بالنمط الغربي والأمريكي، لدرجة أننا بدأنا في التعود على رؤية تلك المناظر الغريبة، فمثلاً تعوَّدنا على مشاهد الإباحية بسبب ما نراه من مشاهد في الكليبات التي تُعرض في القنوات الفضائية.

 

وترى د. نهلة أن المشكلة جديرة بالاهتمام ولكنها ليست بالمزعجة أو الخطيرة؛ لأن التغيير في الأشياء المادية من السهل معالجتُه عكسَ التغيير في الأفكار والمعتقدات، وشبابنا لديه رصيدٌ كبيرٌ من التراث والتقاليد والعادات التي تجعله يدرك ويعيش قضاياه الخاصة والعامة.