تحقيق- حسونة حماد

اعتاد المسلمون في جميع أنحاء العالم على مجموعةٍ من المظاهر الخاصة باستقبال شهر رمضان في كل عام احتفالاً بهذا الشهر الكريم، وتختلف هذه المظاهر "الاحتفالات" من دولةٍ إلى أخرى حسب طبيعة كل البلد وظروفه، سواء من حيث عدد المسلمين فيها أو من حيث طبيعة الحكومات المختلفة وغير ذلك مما يتعلق بالعادات والتقاليد.

 

وعادةً ما ترتبط هذه المظاهر والاحتفالات بمجموعةٍ من الأمورِ المتعلقة بالصيام مثل رؤية الهلال والموائد الرمضانية التي يُقيمها أهل الخير لإطعام الفقراء والتي تظهر مع بدايةِ أول يومٍ من أيام شهر رمضان في شوارع وميادين المدن الإسلامية، وهو مظهر طيب من مظاهر التكافل الاجتماعي الذي يرتبط بهذا الشهر؛ حيث يتسابق القادرون لإقامة هذه الموائد طوال أيام الشهر الكريم، ومدها بأطيب الأطعمة والأشربة لإفطار الصائمين من الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل، حتى إنه لا يكاد يخلو حي أو قرية أو مدينة من المدن الإسلامية من هذه الموائد التي يتطوع بها القادرون تقربًا إلى الله سبحانه في شهر الرحمة والمغفرة، وكذلك المسحراتي ودوره في إيقاظ الصائمين لطعام السحور الذي دعا إليه الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وتتنوع أساليب وسائل السحور من بلدٍ لآخر، وكذلك مدفع الإفطار الموجود في بعضِ الدول الإسلامية وخاصةً مصر إلى غير ذلك من المظاهر المختلفة.

 

إلا أنَّ هذه المظاهر جميعًا تجمَّعت في مكانٍ واحدٍ له خصوصيته وميزته وهو مدينة البعوث الإسلامية التابعة للأزهر الشريف؛ حيث يكثر طلاب العلم من مختلفِ دول العالم الإسلامي وغير الإسلامي جاءوا ليتعلموا ويدرسوا اللغةَ العربيةَ وعلوم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هؤلاء الطلاب يرون أن رمضانَ في مصر يختلف كثيرًا عن بلادهم ويتميز بعاداتٍ وتقاليد رمضانية لا توجد في كثيرٍ من دول العالم.

 

(إخوان أون لاين) التقى بهؤلاءِ الطلاب ليتعرَّف على كيفيةِ احتفالهم بشهر رمضان في مصر، وهل يختلف رمضان في مصر عن رمضان في بلادهم.

 

الطلاب كانوا متخوفين وعلى حذرٍ شديدٍ في بدايةِ حديثهم معنا لكنهم عندما اطمئنوا إلينا قالوا إن رمضان في مصر شيء جميل تكثر فيه المساعدات وتمتلئ المساجد بالمصلين وتتزايد البركة والخير، وأضافوا أنه في مصر أثناء شهر رمضان تستطيع أن تأكل وتشرب دون أن يكون معك نقود "مجانًا يعني".

 

إسلام بالتلفزيون

وأول مَن التقينا بهم من هؤلاء الطلاب كان بلال فيلا من بروكسل ببلجيكا الذي أسلم منذ أربع سنوات عقب برنامج تليفزيوني للشيخ عبد المجيد الزنداني بمساعدةِ أحد المسلمين المغاربة في بلجيكا كان صديقًا له ثم جاء بعدها إلى مصر لدراسةِ اللغة العربية والقرآن الكريم، وأخبرنا بلال أنه قضى رمضان الماضي في مصر فسألته هل هناك اختلافٌ بين رمضان في مصر ورمضان في بلجيكا فأجابنا قائلاً: بالطبع هناك اختلافٌ كبيرٌ جدُّا؛ ففي بلجيكا رغم أنه يدخل كل يوم مواطن بلجيكي في الإسلام إلا أن عدد المسلمين هناك ما زال ضعيفًا، وتقريبًا عدد المسلمين هناك يبلغ نصف مليون مسلم، ورغم ذلك فإنه يتم هناك تكثيف الدروس في المساجد قُبيل رمضان للتعريفِ بالصيام وآدابه، وقال فيلا إن رئيس الحي الذي يقيم فيه يساعد المسلمين كثيرًا لأن ابنته متزوجة من مسلم، ونظرًا لكثرة المسلمين في المساجد في هذا الحي فإنه منع السياراتِ من المرور في الطرق المؤدية إلى المساجدِ للتيسير على خروج ودخول المصلين إليها، مؤكدًا أن رمضان في بلجيكا يقوي روح الأسرة لأنهم يأكلون في ميعادٍ واحدٍ حيث؛ يجتمعون يوميًّا على مائدة الإفطار، أما في غير رمضان فنادرًا ما يحدث ذلك حتى في المناسبات الأخرى.

 

وعمَّا يعجب بلال في رمضان بمصر قال إنه يعجبه قراءة القرآن والدروس في المساجد وكرم المصريين؛ حيث ينظمون موائد للرحمن منتشرةً في جميع الأماكن ومعظم المساجد، وهذا شيء طيب، وأكد أنه يقضي أيام رمضان كلها ما بين قراءةِ القرآن الكريم وحفظه وتعلُّم اللغة العربية والمواظبة على دروس العلم، وكل العبادات التي تُقربه إلى الله سبحانه وتعالى وأنه لا يقوم بشيء سوى ذلك.

 

تضييق

أما إسلام رشاد "وهو من بلجيكا فيختلف مع مواطنه بلال ويقول إن الحكومة البلجيكية تغلق المساجد بعد صلاةِ التراويح مباشرةً ولا تسمح لهم بالاعتكافِ وخاصةً في العشر الآواخر من رمضان، ويقول إن رمضان في بلجيكا لا يشعر فيه بالروحانياتِ الإيمانية التي يشعر بها في مصر؛ حيث إنهم في بلجيكا يصومون ويأكلون ويصلون فقط، إضافةً إلى أن الشوارع هناك في رمضان لا تختلف شكلها في غير رمضان، بينما في مصر تجد الشوارع تتزين كما تجدها عند الإفطارِ تكاد تكون خاليةً من البشرِ فتشعر بالهدوء والطمأنينة لا تجدها في بلدٍ غير مصر.

 

البركة في مصر

ويعقب أحمد صدر الدين من العاصمة الصينية بكين والذي جاء إلى مصر منذ سنتين لنفس الأسباب التي يأتي إليها طلاب العلم قائلاً: إنه لا يستطيع القراءة الإسلامية كثيرًا وهو في الصين لانشغاله معظم الوقت في التجارةِ مع والده، إضافةً إلى أنهم لا يستطيعون سماع الأذان هناك سواء في رمضان أو غير رمضان، والمساجد هناك قليلة جدًّا لكن في مصر يستطيع سماع آذان الفروضِ الخمس في أي مكانٍ يكون فيه، كما أنَّ المساجدَ في مصر كثيرة، وهو ما يجعله سعيدًا جدًّا بذلك.

 

ويضيف أنه يشعر أن البركة في مصر كثيرة وتستطيع أن تجد الطعام في كل مكانٍ، ويمكنك بدون فلوس أن تأكل وتفطر، وعن العاداتِ التي يجدها مختلفة في مصر يقول إن الفقراء في بكين يقومون بالدق على الطبول ليأخذوا أموالاً من الأغنياء، بينما تقوم المساجد بهذا الدور في مصر.

 

ويقول عبد الله محمود من طاجاكستان: إن الاتحاد السوفيتي ترك أثرًا كبيرًا في حياة المسلمين هناك سواء من حيث سلوكهم أو علمهم بأمور الدين وتعاليمه، لأنه قام أثناء الاحتلال بحرق الكتبِ وقتل العلماء، وبالتالي فلم يبق هناك من الإسلام سوى اسمه فقط  وكثير من المسلمين هناك لا يصومون، ويعتقدون أنَّ الصيامَ ليس فرضًا لا لشيء سوى أنهم يجهلون تعاليم الإسلام، لكنهم عندما يعلمون بشيءٍ من تعاليم الإسلام يطبقونه.

 

أما خالد من فرنسا وهو من أصل جزائري، وجاء إلى مصر منذ تسعة شهور فقط للتعليم أيضًا، فيرى أن من المظاهر الطيبة في شهر رمضان بفرنسا هو توقف التدخين جهارًا في نهار رمضان، وتوقف احتساء الخمور طوال الشهر الفضيل، ولكن مع انطلاقِ مدفع إفطار اليوم الأخير منه، تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل، ويتعجب خالد من هؤلاء القادرين على الامتناعِ عن الكبائر كالخمر والميسر مثلاً خلال رمضان المبارك ثم يسعون إليها حثيثًا بعد انقضائه، لكن من الفضائل التي لا ريبَ فيها خلال الشهر الكريم هي توفر السلع الاستهلاكية في الأسواق بأسعارٍ تتناسب ودخل المواطن البسيط الكادح من أجل رزق عياله، ولعلها من بركات الشهر المعظم.

 

ويرى عبد الله رمضان (من ألمانيا) بشكلٍ آخر عن أصدقائه، ويقول: ما أجمل الصيام والقيام وقراءة القرآن، حيث يلتقي الأحباب ويتقابل الأصحاب وتجتمع العائلات وتُملأ المساجد وتحلو الأوقات، ومن مميزات شهر رمضان في ألمانيا الإفطار الجماعي في المساجد؛ حيث يجتمع المغتربون على اختلافِ ألوانهم من كل صوبٍ وحدبٍ من الدول الإسلامية على موائدِ الرحمن ويتبادلون أطراف الحديث عن عجائبِ عاداتهم وأخلاقهم ويدبُّ المرح والمزاح حتى صلاةِ العشاء والتراويح.