بين يدي ذكرى الإسراء والمعراج

الحدث

الإسراء والمعراج حدث تاريخي ومرحلة حاسمة من مراحل الدعوة الإسلامية في سنيِّها الأولى، وهذا الحادث كانت له مقدمات تنبئ عن مدى إعداد الله عزَّ وجل لرسوله- صلى الله عليه وسلم- وتربية الأمة من خلاله، لتؤدي رسالتها المنوطة بها في إصلاح البلاد والعباد.

والذي ينظر إلى بعض الآيات والسور التي نزلت قبيل الإسراء والمعراج يجد هذا المعنى واضحًا إذ يقول الله عزوجل لرسوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد:40) ليعلم الأمة أنَّ عليها تبليغ الرسالة، وأن تؤديها بإخلاص وتجرد، ولا تنتظر النتائج فإنما النتيجة لله وحده، ثمَّ هناك رحلة الطائف حين ذهب الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف ليعرض نفسه على أهل الطائف، وذهب الرسول الكريم ماشيًا، وكان في أهل الطائف خسة ودناءة وعدم مروءة فلم يراعوا كونه من أشرف القبائل ولا كونه ضيفًا عليهم؛ بل أهانوه ونكَّلوا به صلى الله عليه وسلم، وكان استقبال أهل الطائف لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أشد المواقف التي تعرض لها الرسول الحبيب- صلى الله عليه وسلم- في حياته، وبالرغم من ذلك مكث هناك عشرة أيام ليعلم الأمة كيف تصبر على تبليغ الدعوة.. عشرة أيامٍ بين السباب والشتائم والتبكيت والاستهزاء، وهو مَن هو- صلى الله عليه وسلم-.. أشرف وأكرم خلق الله، ولكنها تكاليف الدعوة وتبعاتها، ولمَّا عجز أهل الطائف عن ثني الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- عن تبليغ دعوته جمعوا السفهاء والصبيان يضربونه بالحجارة حتى أسالوا الدمَ من جسده الشريف، فخرج النبي- صلى الله عليه وسلم- من الطائف يشكوا إلى الله فتسمعت الجبال والوديان والوهاد إلى خير خلق الله يجأر بالدعاء إلى مولاه وخالقه: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَتِي وَقِلَةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُستضعفينَ وأنت ربي إلى مَن تَكِلني إلى عَدُّوٍ يتجهمُني أو إلى قريبٍ ملكته أمري" إلى أن قال: "إنْ لَم يكن بكَ علي غضبٌ، فلا أبالي"، وهنا تحركت السماءُ، وجاءه ملك الجبال وقال: "مُرني أطبق عليهم الأخشبين"، ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- الذي يعلم طبيعة دعوته الأخيرة،  وأنها دعوة مستمرة غير قاصرة على جيلٍ بعينه لم يقبل ذلك، بل قال: "لعلَّ اللَّهَ يُخرج من أصلابهم مَن يوحد الله".. تلك كانت مقدمات الإسراء والمعراج.

الرحلة الربانية

وبدأت رحلة المعراج من مكةَ إلى بيتِ المقدس ثمَّ رحلة المعراج من بيت المقدس إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى إلى حيثُ شاء الله عز وجل، وقد جمع الله الأنبياء في بيت المقدس ليصلي بهم خاتم المرسلين- صلى الله عليه وسلم- ركعتين إيذانًا بأن النبوة والرسالة والخير انتقلوا من فرع إسحاق الذي تناسل منه بنو إسرائيل إلى فرع إسماعيل جد النبي- صلى الله عليه وسلم- وفي الرحلة عجائب وغرائب لا يتسع المقام لذكرها كالمرائي التي رأها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في السماوات، وهي وسائل إيضاح لتذكر هذه الأمة بعباداتها وأخلاقها ومعاملاتها.

الأقصى الشريف

وذكرى الإسراء والمعراج هذه الأيام تُذكرنا ببيت المقدس وما جرى له، والمعروف أن بيت المقدس أُولَى القبليتين وثالث الحرمين، الذي تُشدُّ له الرحال ومسرى النبي- صلى الله عليه وسلم- فماذا حدث له؟ وماذا جرى له؟ هو الآن في أيدي عصابات قتلة الأنبياء وشذاذ الآفاق الذين تجمَّعُوا من بقاع الأرض ليطردوا أهل الديار من ديارهم، ويستحلون أرضهم وأموالهم.. فهل من وقفة لهذه الأمة تسترجع بها تاريخها الناصع في استرجاع بيت المقدس، وتأتي ذكرى الإسراء والمعراج، ونحن على ثقة من صدق رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "لنْ تقُومَ الساعةُ حتَّى تقاتلوا يهود فيختبئ اليهودي خلف الشجر والحجر، فينطق اللَّهُ- عز وجل- الشجرَ والحجرَ، فيقول يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود".. هذا اليوم سيأتي ولكن متى؟ عندما يوجد هذا الجندي المسلم التَّقي الذي تخاطبه الجمادات- بأمر ربها- لتقواه، هذا الجندي لن يصده جدار ولا تردعه دبابة؛ لأنه يستمد قوته من جبار السموات والأرض، ويومها ترتد عليهم أسلحتهم كسابقيهم الذين قال الله فيهم: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2).

بين الضيق والسعة

إنَّ الحدثَ العجيب الذي أجراه خالق السموات والأرض وخالق القوى والقدر كان تثبيتًا لرسوله- صلى الله عليه وسلم- وتكريمًا له، وكأنَّ الخالق عز وجل يقول لحبيبه إن ضاقت عليك الأرض فإنَّ هناك متسعًا في السموات، وإنَّ ضاقت عليك قلوب أهل مكة والطائف فإنك ضيف على ملائكة السماء إذْ يكونون في استقبالك، فنعم الضيف ونعم المضيفون، والمتأمل لحادث الإسراء والمعراج تمتلئ نفسه بالعديد من الدروس والعبر، منها:

1- الصبر على تكاليف الدعوة وشدتها

فلم تكن طريق الدعوة مفروشة بالورود والرياحين يومًا ما، إنما كانت كلها عقبات وابتلاءات سبقه إلى ذلك الكوكبة الكريمة من أنبياء الله عز وجل ورسله، أولئك النفر الذين اصطفاهم الله عز وجل وأيَّدهم بالوحي والمعجزات والعصمة، وليبلغوا الأرض أخبار السماء، ويصلون بين الأرض وما يُصلحها من منهج الله عزَّ وجل، وقد أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- أنْ يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35).

2- هدية السماء إلى الأرض

كل العبادات المكلفة بها أمة الإسلام فرضت في الأرض إلا الصلاة، فإنها فُرضت في السماء؛ لأنها الركن الذي لا يوجد عُذر لتركه، بينما بقية العبادات قد تترك لعذر، فالحج مثلاً يسقط على غير المستطيع، والصوم يسقط على المريض، والزكاة تسقط على غير القادر، أما الصلاة فإنها لا تسقط بأي حال من الأحوال، ولو صلَّى المريضُ بحركة العينين.

3- انتقال الرسالة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل

بنو إسرائيل.. كان منهم الأنبياء لأنهم تناسلوا من نسل إسحاق عليه السلام، فكل الأنبياء- ما عدا عددًا قليلاً- كانوا من بني إسرائيل، وحين تجمع الأنبياء ليكون محمد- صلى الله عليه وسلم- إمامهم كان ذلك إيذانًا بأنَّ الرسالة والوحي والخير انتقلوا من فرع إسحاق إلى فرع إسماعيل عليه السلام؛ ولأن بني إسرائيل- على مرِّ التاريخ- أسوأ البشر وأفجر الأمم، كما وصفهم القرآن بذلك ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَ قَلِيلاً﴾ (النساء: 155)، والقرآن مليء بهذه الآيات التي تتحدث عن هذه الفئة التي أكرمها الله عز وجل، ولكنها قابلت الإكرام بسُوء الخلق، وصدق الله العظيم ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (المائده: 41)، ولأن الله يعلم أنهم سيكونون مصدر قلق وإفساد وفجور في الدنيا أَكْثَرَ من ذكرهم في القران ليتنبه الناس لمكرهم ودهائهم وضلالهم.

4- أهمية بيت المقدس

بيت المقدس؛ حيث التاريخُ القديم الحديث في حياة أمة الإسلام بمقدساته ومساجده وذكرياته ماذا يُدبر له؟ وماذا يراد به؟..  فهل نطمع في صحوة إسلامية ترد عنه كيد الكائدين ومكر الماكرين ليعود معززًا مكرمًا إلى أحضان أخويه المسجد الحرام والمسجد النبوي.

5- التسرية عن رسول الله

الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- يُسرِّي عنه ربه، ويدعوه إلى حفل استقبال في السماء بين الأطهار الأبرار من ملائكة الرحمن.. وتلك التسرية وهذا الاستقبال ما زال بابه مفتوحًا للشهداء من هذه الأمة الذين يموتون دفاعًا عن عقيدتها ومقدساتها، تستقبلهم الحور العين في حفل استقبال رباني تسرية لهم وتكريمًا وتشجيعًا لمن بعدهم لأن الشهيد يتمنى أن يعود إلى الدنيا فيقتل لما يجد من فضل الله وكرمه، وتلك رسالة أخروية إلى المجاهدين في الدنيا ليثبتوا على الطريق، ويستشعروا نية الشهادة، فمَن سأل الله الشهادة أعطى أجر الشهيد ولو مات على فراشه.

6- الصدق

وما أدراك ما الصدق؟ إنه الصفة الملزمة لكل مسلم رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد- صلى الله عليه وسلم- نبيًا، وكان رسولنا- صلى الله عليه وسلم- يُلقب بالصادق الأمين حتى قبل البعثه، وبرز من الصديقين سيدنا أبو بكر- رضي الله عنه- إذْ ردَّ على كفار مكة عندما كذبوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- في خبر الإسراء والمعراج بقوله: "إن كان قال فقد صدق لأني أصدقه في خبر السماء فكيف أكذبه في خبر الأرض"، فما أروع الصدق والصديق رضي الله عنه.

7- خلاصة تجارب الأمم

سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم ضيف الرحمن يستقبل في السماوات بعدد من أنبياء الله تعالى ورسله يحتفون به، ويقدمون له النصائح ليبلغ أمته لتكون خير أمة أُخرجت للناس فهي الرسالة الخاتمة الخالدة إلى يوم القيامه، فهي ليست خاصة بالعرب وحدهم، ولا بجنس من أجناس البشر إنما هي رحمة مهداة للعالمين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلَّعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، فجاءت توصيات وخبرات الأنبياء السابقين- عليهم السلام أجمعين لتستكمل لهذه الأمة جميع المقومات التي تجعل منها أمة قائدة ورائدة وسائدة كما أراد الله عزَّ وجل لها.