من هذا العنوان يُخيل لقرائه أننا نقصد الجانب المادي للإنسان، فالزارع لا يتوانى لحظةً عن ضرب الأرض بفأسه، وسقاية زرعه، وجنْي ثمره، والسهَر ليل نهار على فلاحة أرضه حتى يزداد المحصول وتكثر الثمار ويُشارك في علاج المشكلة الاقتصادية التي نحن نعيشها، كما على العامل أن يزيد من ساعات عمله في مصنعه ويحرص على زيادة إنتاجه، وكذلك على المهندس والمدرس والطبيب والعالم والمتعلم ليصبح المجتمع كخلية النحل، كلٌّ يَعرِف دوره ويؤديه بإتقان ليعود على المجتمع حلاوة الثمرة وغزارة الإنتاج والنفع العميم.

وهذا التفكير أصابنا أثرُه من المنهج المادي في تفسير الأمور، ونسينا عُنصر التقوى الذي يسبق هذا كله، والذي قال الله عن نتائجه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: من الآية96) وأهملنا قول ربنا: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ (الجـن:16)، وقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (أخرجه البخاري).

أعلم أن بعض الذين يتربصون بهذه المعاني من أصحاب التفكير المادي سيقولون: ما هذه (الدروشة)؟ وما هذه السفسطة؟ بل ما هذه (التخاريف) ونحن في زمان سبقَنا غيرُنا ليس بهذا التفكير الساذج ولكن بإعمال العقل وإطلاق الفكر وإبداع الفن والاستغراق في العلم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ونحن ما زلنا نريد أن نعود إلى الخيام والجمال، وفي الحقيقة هذا أحد أمرين لا ثالث لهما: إما لون من ألوان الخداع والتضليل وتلبيس إبليس، وإما جهل بالبدايات الواجبة التي تتيح هذا التقدم العلمي والتكنولوجي في سائر أنواع أنشطة الحياة مرتبطة بتصورنا واعتقادنا الإسلامي.

فقبل هذه الاختراعات وقبل العلوم والأعمال، وقبل هذا التقدم الذي حدث في زماننا كان هذا العقل الذي فكر، فالقضية التي نحن بصددها ليس في التقدم العلمي والتكنولوجي فالمسلمون أولى الناس بذلك، ونعلم جميعًا أن العالم انحطَّ بانحطاط المسلمين، فليس هذا موضع النقاش، فالعمل عندنا عبادة، وإذا نقص في مجتمع المسلمين لا أقول قاطرة أو باخرة بل (إبرة) خياطة لم يصنعها مجتمع المسلمين فجميع المجتمع آثم حتى يتعلم عدد من المسلمين هذه الصناعة ويكْفوا المجتمع، هذه من البديهيات التي يعرفها المبتدئ في تعلُّم الفقه الإسلامي.

وكيف لا ندعو إلى التقدم والتعلُّم وأول آية نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قول ربنا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العلق:1)، ثم أقسم- سبحانه- بمادة العلم وهو القلم الذي يسطر نتاج التفكير العقلي فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم:1) وآيات الله المبثوثة في الكون دعانا ربنا للتفكير فيها... ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:43)، وهو سبحانه القائل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية105).

• صياغة العقل أولاً:

فالعبرة في العقل الذي يفكر، فهؤلاء صاغوا عقولهم صياغةً ماديةً فكان ثمرة ذلك حنظلاً، ونحن ندعو إلى صياغته صياغةً إسلاميةً؛ ليكون ثمرته حلوةً طيبةً، فالمسلم يشعر بطبيعة ما يحمل من أمر عظيم ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً﴾ (المزمل:5) هذا هو بداية تشكيل العقل ليفكر تفكيرًا سليمًا ليعمِّر كونه ويحقق حضارته، وهي بداية ينتهي عندها الترف العقلي والعلم النظري، بل والهياكل والأشكال، ويبدأ في بداية مرحلة شاقة جهادية، ولذلك يقول لنفسه: "انتهى عهد الراحة، وبدأ عهد الحياة العالية الغالية في سبيل مرضاة الله، عهد المشقة والتعب والمعاناة والجهاد، عهد السفر إلى الله، وهذا ما قاله رسولنا- صلى الله عليه وسلم- للسيدة خديجة حين أمره ربه بقيام الليل والإنذار".

إنها فترة البناء والتكوين، فهو إذا فرغ من التبليغ نهارًا، ثم جن عليه الليل فلا نومَ ولا راحةَ، ولكن كما خاطب القرآن رسولنا- صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (الشرح:7) أي قم لله واقفًا منتصبًا بين يديه، قائمًا ليله مستغفرًا متزودًا لليوم الذي يليه، بكل رغبة وحب، إقبال على الله تعالى:﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ﴾ (الزمر:9).

فلابد أن يحس المسلم الصادق- قبل أن ينطلق مُبدعًا ومُعلمًا أو مخترعًا صانعًا أو زارعًا حاكمًا أو محكومًا- بهذا الشعور "انتهى عهد الراحة"، فلا يعرف رحرحة ولا راحة، ولا جدلاً ولا ترفًا فكريًا، ثم نومًا ودعةً كالجعزري الجواظ الصخاب بالأسواق، ميتًا بالليل حمارًا بالنهار، عالمًا بأحوال الدنيا جاهلاً بأحوال الآخرة، يحيا كما يحيا عباد الدنيا وعشاقها، فلا يعرف إيمانًا يطمئن القلب ولا أخوَّةً إسلاميةً تشدّ الأزر، ولا قُربى من الله يستلهم بها الصبر على الطريق، ولا نية في الأفئدة تجعل كل خطوة من خطواته ينال بها الأجر، ولا يومَ آخِر ينادي فيه المنادي ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر:16،17).

إن النفوس تحتاج إلى تزكية، والتعامل معها يحتاج إلى تربية إيمانية لتحقيق هذا الشعور "انتهى عهد الراحة"؛ لأن المشروع الحضاري الإسلامي قبل أن يحتاج إلى جهود بشرية مادية- وهذا حق- يحتاج إلى النفوس الكبار والهمم العالية التي لا تكترث بشيء من جواذب الأرض وشواغل العيش، الني تهتم بأمر واحد تردده دائمًا "إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي". ولا يتحقق ذلك إلا بأمرين: أولاً: نجاح الزاد الرباني والثبات عليه والذي يبدأ بـ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (المزمل:2) ثانيًا: نجاح الحركة والنشاط ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر:2).

• ماذا يريد ربنا منا؟

يريد المولى رجلاً تسبق كلمته دمعته، ويسبق عقله- الممتلئ بالثقافة والعلم المجرد- فؤاده وقلبه المفعم بالإيمان، رجلاً تواضع فنظر نظرة الأب الحاني على أبنائه، نظرةَ المعلم المتواضع إلى المتعلم، نظرة الحاكم الشفوق على محكوميه، فهذا هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهظ، والجهد المرير، إنه عصب الدعوة، والنور الذي يبدد ظلمات الشبهات، والزاد الذي يُلجم الشهوات، ويقتل الأَثَرة، وينظم نُكران الذات، ويدفع إلى عمل جاد مخلص، ويربط الإنسان بخالقه.

إن الذي يعيش في هذه الدنيا لمصالحه، يعيش لنفسه وما يعود عليه هو بالنفع.. يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا؛ لأنه لا يعيش لمبدأ ولا يُضحي لقيمة، ولا يستعلي على شهوات نفسه، أما الكبير الذي يحمل هذا العبء فلا وقت عنده للنوم أو الترف أو الراحة، ولهذا كله سمعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول هذه المقولة للسيدة خديجة- رضي الله عنها-: "مضى عهد الراحة يا خديجة"، إنه الإعداد للمهمة الكبرى بهذا المنهج الرباني.

إن الأمر كما رأيت لابد أن يبدأ من داخلك ثم بحسن التخطيط والتنظيم والإدارة والبرمجة، فنحن لا ندعو إلى إهمال هذه الأشياء، فإهمالها إهمال للأخذ بالأسباب وذلك إثم عظيم؛ لأنه مطلوب وواجب، فهل ينتهي المرجفون في المدينة حين يضللون الناس ويتكلمون عن المظهر ويسخرون من المخبر؟ فهل هم منتهون بعد التبيان والتوضيح والتأكيد على تصورنا الإسلامي الرباني الذي... ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍٍ﴾ (فصلت:42).
------
من ترات عضو مكتب الإرشاد أ. جمعة أمين