بقلم: خميس النقيب

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) (الإخلاص)، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقدوتنا محمدًا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، أما بعد..

 

نبدأ عامًا هجريًّا جديدًا، ومضى عام بحلوه ومره، بخيره وشره، بيسره وعسره، بأفراحه وأتراحه، بحسناته وسيئاته، وجاءنا اليوم لنبدأ صفحة جديدة مع ربنا وخالقنا ورازقنا!!

 

الهجرة والتاريخ:

لقد كان التاريخ الهجري هو التاريخ الفرد الذي نرتب به شئوننا، ونؤرخ به أيامنا، وننظم به حياتنا، ونثبت به وقائعنا، ثم زاحمه التاريخ الإفرنجي الميلادي حتى زحزحه من مكانه، وأخرجه من ديوانه، فتصدر الدفاتر والدساتير، وتقدم الأعمال والأحوال، في غفلة من أصحابه وحراسه!! حتى أمسى الناس يحتفلون بالهجرة في أشكال وألوان لا طعم لها ولا هدف لها ولا طائل من ورائها دون فائدة إلا من رحم ربي وعصم!!

 

ورحم الله الفاروق رضي الله عنه الذي لم يجد حدثًا أروع ولا أشمل ولا أبلغ من الهجرة حتى يؤرخ به!! والتأريخ به هنا من معانيه وأهدافه ربما ذكر هذا العمل على الدوام، فالهجرة هنا ملحمة أنارت وجه الدنيا، وأضاءت أركان الكون، وبيضت صفحات التاريخ!!

 

الهجرة واستثمار الوقت:

الإنسان من طبيعته النسيان، لأنه لو تذكر ما ألم به من آلام وأحزان، وما أحاطه من مكائد وشدائد لكره العيش، وسئم الحياة.. إنما رحمه الله فجعله يتذكر القريب فإذا ضربه الزمن بأيامه ولياليه فإن الأيام تنتهي، والساعات تنقضي، والجروح تندمل، والأحزان تنمحي، ويشغل الإنسان بحاضره لكن هل ما ينساه الإنسان ينساه الملك الديان؟!! كلا ثم كلا!! وإنما الأمم أفرادًا وجماعات تفعل ما تفعل، وتترك ما تترك، لكنها يومًا ما ستقف أمام ربها!!، وستواجه بما فعلت وستحاسب بما تركت (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28)) (الجاثية)!! الإنسان مراقب علي مدار اللحظة..!! الطباعة الإلهية تنسخ ما يفعل، وتسجل ما يترك حتى يوم العرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18)) (الحاقة) لا جيوب ولا نتوءات!!، لا خزائن ولا حصالات!! هناك ينطق ما سجلت، ويخرج ما طبعت!! (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)) (الجاثية) عملك ينسخ في آلة إلهية لا تضل ولا تنسى، ويحفظ في مكان مأمون لا يتلف ولا يسرق، ولا يصادر، ولا يتغير بتغير المناخ من أعاصير أو رياح، كلا!! وإنما.. (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة) كيف؟!! (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61)) (يونس)، لا ظلم ولا جور وإنما هناك العدل المطلق الذي قامت عليه السموات والأرض..!! (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)) (النساء)، كيف ذلك؟!!

 

(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) (الأنبياء)، ورغم ذلك يكذبون ويجادلون ويلهيهم الأمل  (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (3)) (سبأ).

 

كلما مر عام عليك يجب أن يعلن فيك أنك تقترب من قبرك وتقترب من آخرتك وتقترب من ربك وتقترب من حسابك وتقترب من مصيرك!!

 

تقترب من عملك الذي عملت.. الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما!! يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويفلان كل حديد!! أنت بين يوم مشهود، ويوم موعود فقدم لليومين واعمل للدارين!! اعمل لمعادك كما تعمل لمعاشك واعمل لآخرتك كما تعمل لدنياك!! الله عز وجل يقسم بأجزاء الوقت يقسم بالليل ويقسم بالنهار، يقسم بالفجر ويقسم بالعصر، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، ولا يقسم الله عز وجل بشيء إلا ليلفتنا إليه!! يلفتنا إلى قيمة الوقت فلا يقتل ولا يضيع!! يريد الله أن نستبين المؤمن من الكافر، والجاحد من الشاكر، والناسي من الذاكر والصادق من المنافق (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)) (الفرقان)، نعم إذا انكشف نقاب الليل الأسود عن وجه الصبح الأبيض أذن مؤذن الفجر، وإذا زالت الشمس عن كبد السماء أذن مؤن الظهر، وإذا أصبح ظل الشيء مثله أذن مؤذن العصر، وإذا غاب قرص الشمس أذن مؤذن المغرب، وإذا غاب الشفق الأحمر أذن مؤذن العشاء.. لماذا؟ حتى نعتبر نحن المسلمين ونعتبر ونعلم أن الوقت هو ثروتنا!! هو حياتنا!! هو وجودنا!! يجب أن نستغله ونستهدفه ونضع له الخطط لمصلحة ديننا ودنيانا، لنجعل الدنيا مزرعة للآخرة!! وإلا سنذبح بهذا الوقت، إنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك!!
العام اثنا عشر شهرًا، والشهر ثلاثون يومًا، واليوم أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة، وفي كل دقيقة كم من نفس يتردد، وكم من قلب ينبض، وكم من عين تطرف، وكم من نعمة تغمرك من ساسك إلى راسك، ومن شعرك إلى قدمك، ماذا أنت صانع في هذا الوقت؟!! هل تشكر هذه النعمة، هل تستغل هذا الوقت في الذكر والتسبيح، أتستغله في الشكر والتهليل، أتقضيه في طاعة الله!! هل تبتغي المال الحلال؟! هل تتذكر أولئك الذين صدقوا وتنحاز إليهم!!

 

الهجرة والإيمان:

نعم إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش!! إيمان بمن؟!! إيمان بالله!! ومن هو الله؟!! (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)) (القصص)، إيمان يوجهنا نحو الجهاد والعقيدة، نحو السمو والعلو، نحو السباق والإشراق، نحو الإحسان والرضوان، نحو النجاح والفلاح..!! (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)) (المجادلة) نعم حرر الله عقيدتهم من الأوثان إلى الإيمان وقلوبهم من القسوة، إلى الرحمة، وعقولهم من الضلال إلى الهدى، ونفوسهم من التنابذ بالألقاب، والتفاخر بالأنساب إلى ذكر رب الأرباب!! فكان ما كان من هؤلاء الذين سطروا مستقبلاً باهرًا لهذه الأمة سلوكًا وأخلاقًا.. صفاءً أو نقاءً.. تلاحمًا وإخاءً.. تقديرًا واحترامًا.. تقدمًا وازدهارًا.. مجدًا وتاريخًا!! إنه الإيمان!! تشعر أنك تمتلك الدنيا إذا امتلكت الإيمان، كيف؟!! هل للحياة قيمة بدون الإيمان؟!! كلا!! إذا رزقت الإيمان فأنت مرزوق وإذا حرمت الإيمان فأنت محروم!! علي أي لون كانت الحياة!! قويا أو ضعيفًا.. غنيًّا أو فقيرًا.. مريضًا أو سليمًا.. حاكمًا أو محكومًا.. الإيمان مع الحاكم حاجز أن لا يظلم، ومع القوي عاصم أن لا يستبد، ومع الغني هاد أن لا يبذر، ومع الفقير راشد أن لا يسال الناس إلحافًا بل يأكل بالمعروف!! وهذا ما كان عليه جيل الصحابة من المهاجرين والأنصار!!

 

انطلاقًا من الهجرة سطر صفحاتك، دون كتابك: الهجرة تذكرنا عامًا جديدًا!! كتاب تعداد صفحاته يقارب ثلاثمائة وستة وستون صفحة!! كيف تبدأه؟!!، كيف تقدم له؟!! ماذا تكتب فيه؟! صلاة فجر.. قيام ليل.. قراءة قران.. طاعة والدين.. حسن جوار.. أمر بمعروف.. نهي عن منكر.. إحقاق حق.. إبطال باطل.. جهاد ورشاد.. طاعة وانقياد.. سطر! اكتب! اعمل!

ألا تكون مثل أبو سلمة يسطر أسمى آيات التضحية والفداء في اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك زوجته!!

ألا تكون مثل صهيب الرومي الذي ضرب أسمى أنواع البذل حين فرط في ماله من أجل اللحاق برسول الله صلى الهذ عليه وسلم!!

ألا تكون مثل أبو بكر الصاحب المخلص في البيت (يجهز الدابة ويبكي من الفرح لصحبة النبي رغم الأخطار ويوظف أهل بيته في الدعوة) وفي الطريق (يراقب الرصد ويمشي من خلف رسول الله ومن أمامه وعن شماله وعن يمينه خوفًا عليه الله صلى الله عليه وسلم) وفي الغار (يستكشفه فيجد ثقوب فيسدها حتى بقي ثقب يضع فيه أصبعه فتلدغه الحية فيظل ساكنًا حتى لا يقلق صاحبه)
إنها ملحمة تستنفرنا جميعًا نحو الحركة لمصلحة الدين والدعوة، لمصلحة الإسلام والرسالة، لمصلحة العقيدة والآخرة!!

الهجرة حركة:

أنت إذا احتجت للطعام تسعى لكسب الحلال (حركة).. إذا احتجت للمرأة للزواج تسعى إلى الزواج (حركة).. إذا احتجت لإثبات الذات تسعى للجد والاجتهاد من أجل التفوق (حركة).. فلماذا لا تتحرك من أجل دينك.. إسلامك.. ربك.. عقيدتك.. لا تظلم نفسك.. بالقعود.. بالجلوس.. بالركون.. بالسكون.. وإلا كنت من أهل هذه الآية.. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97)) (النساء).

لا تبق مع الظالمين أو المنافقين أو الكذابين.. اهجرهم!! إنها الهجرة بمعناها الواسع، ولا تبق مع أرباب الذنوب والآثام.. لا تستمر في كهف المعاصي بل انتقل فورًا إلى كهف الطاعات تدركك من الله بركات ورحمات!! (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (16)) (الكهف)، والكهف هنا بمعناه الواسع أيضا.. أنت في غرفتك تذاكر لتتفوق وتخدم دينك فأنت مهاجر!! أنت في مصلاك تذكر ربك وتشكره؛ ليهديك الطريق فأنت مهاجر!! أنت في عملك تتقنه لترفع من شأن أمتك فأنت مهاجر!! أنت يرفع لواء الحق وتسقط راية الباطل وتغيظ أعوان الباطل فأنت مهاجر!! أنت تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر فأنت مهاجر!! وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا.

تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 7563 في صحيح الجامع.. ليست الهجرة الانتقال من بلد ناء إلى بلد قريب، أو من أرض مجدبة إلى أرض خصبة.. كلا إنها هجرة النفوس قبل البيوت.. إنها هجرة القلوب قبل القصور.. إن رجل هاجر وهو ضعيف مريض عاجز فأدركه الموت في الطرق فقال من قال لو وصل المدينة وأكمل الهجرة لحاز الأجر كله فانزل الله قرآنا يهدي النفوس ويطمئن القلوب ويضع النقاط فوق الحروف يربط الأعمال بالنيات ابتداء ... (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)) (النساء).

 

اللهم اجعلنا مهاجرين إليك، فارين إليك، متوجهين إليك، مستعينين بك متوكلين عليك، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى أهله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.