كلما جاء شهر الله المحرم، أجدني ضعيفًا أمام رغبة متكررة، فى تخيل هذه الحلقة المميزة من حلقات الصراع الأزلي بين الحق والباطل، والتلذذ بذلك المشهد الرائع من مشاهد النصر المبين، نصر الحق الأعزل الضعيف، نصر الحق الذي أيقن أهله أنهم مدركون منهزمون، وأنها النهاية، نهايتهم هم، نهاية الحق، وليست نهاية الطاغية، وكل جنوده وأتباعه ومؤيديه، نهاية الباطل وزواله من الأرض.

أحب هذه الأيام، وأحب هذه الذكرى؛ لأنها تجدد الإيمان، وتصوب الاعتقاد، وتصحح المفاهيم، وتعطى لكل أحدٍ قدره ومكانه الذى وضعه الله فيه، لا الذى وضعه لنفسه بغرور متكبرٍ جبارٍ أو جهل جاهل، أو يأس يائس، أو غيره مما يغمى الحقيقة عن عيون القلوب، ويصرف الآيات عمن لا يتدبرها. نعم أحب هذا اليوم، وأحب كل أيام الله، وما أكثرها! حين تأتى النهايات، ويتمايز الناس، ويتبين للجميع لمن القوة ولمن الغلبة ولمن الكلمة الأخيرة، الكلمة الباقية الخالدة، حين يأتي وقت الإعلان العام، حين يأتى وقت تكشف الحقائق أمام الجميع، وقت ظهور حكمة الله من تأخير أقداره لليوم الذي قدره.

أحب هلاك الظالمين والطغاة، وأطرب لسماع تلك الأخبار، وأتتبعها فى مصادرها، وأسعى فى تفاصيلها وحركتها، وأستمتع بملاحظة يد الله، تعمل فيهم حتى تبيدهم وتبيد ممالكهم، أحب رؤية نصر الله للحق وأهله، وأحب مدارسة ذلك مع الصالحين، وتعلم الدروس، وتطبيق ذلك على واقعنا الذي نعانيه، فى يومنا الذي نحياه، وصراعنا مع كل ظلم.  

إنه يوم هلاك طاغيةٍ متكبر جبار، ما دار فى خلده ولا فى خلد مؤيديه يوما أنه مهزوم وأنهم مهزومون، ولا كان هو ولا كانوا هم فى شكٍ من قوتهم وصولتهم وتغلبهم واستعلائهم، ما كانوا فى شك أنه باقٍ، وأنهم باقون، وأن قوتهم باقية، وأن قدرتهم باقية، وأن بطشهم باقٍ، ما حسبوا لهذا اليوم حسابًا، فلم يكن ثمة ما يدعو لهذا الحساب، ففرعون وهامان وقارون والجنود والخزائن والهيبة والسلطان والدولة والتيجان، كل ذلك قوة فى قوة فى قوة، فمادة القوة متوفرة، وعناصرها سالمة آمنة متجددة، فما الذى يجعل المتكبرين المستبدين الظالمين يعقلون ويتفكرون، إن أصل ضعفهم وسبب هلاكهم فى أسباب قوتهم، وهذا استدراج الله لأعدائه، وتلك بعض وسائل الحق لاستئصال الباطل، أن يندفع الظالمون بأنفسهم إلى حتوفهم.

وهذا ما فعله فرعون، لقد قرر إبادة بنى إسرائيل، ولما خرجوا منه هاربين، تبعهم وجنوده بغيا وعدوا، تبعهم بكل جيشه وعتاده وقوته وجاهزيته، فلما أوشك أن يصل جيشه إليهم، وتراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، بمنطق القوى المادية والحسابات البشرية، لكن إيمان المؤمنين ويقينهم فى وعد ربهم، وفى حتمية نصرهم على أعدائهم، أطلق لسان النبى الكريم بصوت هادر ما زالت البشرية كلها تستمع إليه فى إعجاب وتقدير لهذا الإيمان الصادق والثقة المطلقة، (قال كلا، إن معى ربى سيهدين).

وإلى هذه النقطة فالمشهد مكرور معلوم لدينا، إنه نصر الله وقدره الذى لا يرد، إنها السنة الكونية التى تتناغم مع كل حلقة صراع بين الحق والباطل، لكن الجديد والمثير فى هذه الحلقة، والمختلف عن غيرها من حلقات الصراع بين الحق والباطل هو غباء أهل الباطل المطلق، وغرورهم الذى يعمى العيون عن بصر كل شيئ وأى شيئ، وهذا هو الدرس الذى يجذبنى كل مرة أطالع فيها هذه القصة وتلكم المعجزة،       

 إن فرعون قد خرج فى جيشه يريد بنى إسرائل، يريد هلاكهم أو إعادتهم أو تعذيبهم، وها هم أمامه، وليس أمامهم طريق ولا حيلة للهرب، فالبحر أمامهم، وهم لا يملكون وسيلة بحرية للتحرك من خلاله، وهو جاهز بجيشه للانقضاض عليهم، إذا انتهى الأمر، والنصر محسوم،  ولكن جد فى الموقف الميدانى جديد، إن بنى إسرائيل يهربون إلى البر الشرقى، قد انفلق لهم البحر، فصار كل فرق كالجبل العظيم، جبلان من الماء لا يتحركان حركة الماء الطبيعية، بل يقف كل جبل على جانب، وبين الجبلين صار قاع البحر طريقًا يابسا يصلح لسير العدد الكبير من الناس، وها هم بنو إسرائل، يسيرون كلهم إلى الجانب الآخر، يتحركون كأنهم يمشون على طريق برى طبيعى. 

وهنا، وهنا فقط تكمن المعجزة الأكبر من معجزة شق البحر فى رأيي! لأن أى إنسان طبيعى لابد أن يوقفه هذا الحدث، لابد أن يثير فى نفسه شيئًا، شيئًا من الخوف، أو شيئًأ من الإيمان، أو شيئًا من العقل، فليس للأمر علاقة بالبشر وقدراتهم، ليس للأمر علاقة بخطط وتكتيكات، وليس له علاقة بقوى وقدرات، إنه أمر أكبر من أن يتجاوزه العقل، أو أن تتجاهله العين، إنه أمر عجيب عجيب عجيب، يراه المؤمنون معجزةً ليست غريبة على قدرة الله العظيمة، ويراه غيرهم أمرًا محيرًا ربما لا تفسير له عندهم، ولكن كيف رآه فرعون؟! وكيف رآه جنوده؟! حقيقةً، لا إجابة لديّ، لكنهم ويا للعجب! قرروا أن يتموا مَهمتهم ويتابعوا مطاردتهم، وماذا عن البحر الذى انشق أمام أعينكم، ماذا عن هذا الطريق الذى لم ير الشمس من قبل، كيف تحول فى لحظة إلى طريق معبد جاهز للسير بل للعدو السريع؟ ماذا عن الماء الذى جمد على الجانبين، فلم يعد له سيلانه المعهود؟ ماذا عن كل تلك الخوارق؟ ماذا حركت فيكم؟ وكيف رأيتموها؟ وليت شعرى! إنه الغباء الذى لا مثيل له، غباء أصحاب الباطل الذى يدفعهم لهلاكهم بقدراتهم، ويزين لهم ما فيه زوالهم وهم لا يبصرون ولا يشعرون، لقد أرادوا أن يتموا المهمة، فلم تكن إلا مهمة هلاكهم وغرقهم أجمعين، وزوال دولتهم من أساسها، وانحسار الباطل عن هذه الدنيا.           

أى يوم من أيام الله هذا؟ وأية سكينة تملأ القلوب! وأية فرحة تغمر الأرواح! أى أمل وثقة واطمئنان، فى قدرة الله! فى عظمة الله، فى تدبير الله، فى حكمة الله، فى حب الله لأوليائه، فى بغض الله لأعدائه، فى استدراج الله للظالمين، فى عدل الله فى هلاكهم، فى إذلالهم، فى إقامة الحجة عليهم، فى جعلهم عبرة لمن يعتبر!  

إنه يوم المستضعفين، الذين كانوا عاجزين عن أى شئ وعن كل شئ، يذبح الظالم أبناءهم ويستحيي نساءهم، يسخرهم فى الحقير من الأعمال، يسلبهم ما يملكون، ويكلفهم ما لا يطيقون، وهم كانوا بإزاء كل هذا الإجرام عاجزين، عاجزين عن رد الظلم، عاجزين عن الانتصاف، عاجزين عن إلحاق أدنى الأذى بمن يؤذيهم كل الأذى، عاجزين حتى عن الشكوى والكلام! عاجزين حتى عن الهروب من الجحيم. 

إنه يوم تحقيق الوعد الربانى العظيم بنصرتهم، (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) .

إنه يوم انكسار الظالمين المستبدين المستكبرين، الذين ظنوا أن ما يملكون من أسباب القوة المادية تمنعهم من مصيرهم، وتصد عنهم أحكام العدالة، ظنوا أن جنودهم المدربة فى جيوشهم المنظمة، وأسلحتهم الوفيرة الجاهزة لتكون آلة القتل الرهيبة المحترفة، وسحرتهم الذين يلبسون كل باطل وزور ثوب الحق، يكذبون كما يتنفسون، ويبدعون فى حيلهم ويجتهدون، يبغون بذلك خداع الناس واستمالتهم لمعسكر الباطل الذى يحرسون، ويظنون أن أموالهم وكنوزهم التى ينفقونها لتثبيت ملكهم وشراء الذمم والولاءات، وشراء الضمائر والمواقف ـ ظنوا كل ذلك أقوى من الله!!!

إنه منطق الظالم المستبد فى كل زمان ومكان، وإنها نهايتهم جميعًا بلا مخافة ولا استثناء، يختلف شكل الهزيمة وطريقة الإذلال، (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فكلهم مجرمون وكلهم هالكون، وكلهم عند ربك محضرون.

فمتى يفيق المؤمنون؟ ومتى نطمئن لموعود الله؟ أو لم تكن آية فى هلاك فرعون؟ حين نصوم كما علمنا رسولنا الكريم فى يوم هلاكه وإذلاله، فكيف يتسرب الأمل من بين ايدينا، أين يذهب يقيننا بالله؟ كيف لا نرى هلاك كل فرعون، فى كل زمان ومكان، مهما كان اسمه وشكله ولغته ومكره؟ ثم، كيف لا نردد مع نبى الله موسى: (كلا! إن معى ربى سيهدين) .