https://ikhwanonline.com/article/240969
الأحد 30 ربيع الآخر 1443 هـ - 5 ديسمبر 2021 م الساعة 04:43 م

عبد الرحمن بارود.. شاعر بدرجة مجاهد

عبد الرحمن بارود.. شاعر بدرجة مجاهد
الجمعة 12 نوفمبر 2021 02:35 م
بقلم: عبده مصطفى دسوقي

في ليلة جمعة دافئة قبل يومين من رحيله، جرت دمعه وهو ينظر بعينيه المغرورقتين إلى أعماله الشعرية الكاملة، ومن عجائب المقادير أن يكون قدَرُه قد حلّ في ذكرى استشهاد حبيبه ورفيقه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي رثاه بقصيدة همزية هي من معلّقاته الذائعة.

هذا الشاعر الذي آثر أن يغيب عن المشهد المعلن، وأن يعمل في الظل بصمتٍ، وأن يكتب شعره ليتغنّى به في لقاءاته التي لا تنقطع في ديوانيته بمدينة جدة على ساحل البحر الأحمر، يؤنس به العاملين، ويقطع به ملالة اللقاءات الطويلة في اجتماعاته على امتداد أقطار الدنيا مع رفاقه، ولا ينفكّ إخوانه يتحدثون عن شروحاته الضافية على شعره الجزل الفخم الألفاظ، مما لا يعرفه معظم أهل زماننا مما كان يقطع به غناءه لشعره.

يتحدثون عنه أنه الشاب السبعينيّ، المتواضع الكريم، الذي تسبقه بشاشته وابتسامته، المحب للمجاهدين في أرض فلسطين، والذي يتتبع أخبارهم وقصصهم بتفصيلاتها.

نلتقي مع الشاعر عبد الرحمن بارود الذي وافته المنية يوم السبت 3 جمادى الأول 1431هـ- الموافق 17/4/2010م في السعودية إثر تعرضه لجلطة قلبية.

نشأته

 

 

 

ولد الدكتور الشاعر عبد الرحمن بارود سنة 1937م، في قرية بيت داراس، إحدى قرى اللواء الجنوبي (لواء غزة)، وهاجر مع أسرته، وهو في الحادية عشرة من عمره، بعد أن احتلت العصابات الصهيونية قريته، سنة 1948م، إلى قطاع غزة، حيث استقروا في معسكر جباليا للاجئين، شمالي القطاع.

تعلَّم في مدرسة قريته بيت داراس شيئًا من التعليم الابتدائي، ثم أكمل تعليمه الابتدائي في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين الابتدائية بالقطاع، ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين الثانوية بغزة؛ حيث حصل على الشهادة الثانوية العامة (التي كانت تُعرف بالتوجيهي)، القسم الأدبي، في أواخر العام الدراسي 1954- 1955م، وكان طيلة مراحل الدراسة من أوائل الطلاب.

يقول عنه الشيخ محمد حسن شمعة زميله في المرحلة الابتدائية في مدرسة الفاخورة: "كان بارود متميزًا نشاطًا ومشاركةً، امتدت العلاقة بيننا عام 1953م بالمدرسة الثانوية، وكان الطلاب يستمعون إلى كلماته المعبرة خلال الفسحة الدراسية، وكان يعد المتحدث الرئيسي باسم الطلاب في المدرسة".

عمل بارود- بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة- مدرسًا في مدارس اللاجئين بقطاع غزة لعدة أشهر، ثم بُعث على حساب وكالة "الأونروا" إلى مصر، ليكمل دراسته الجامعية، في كلية الآداب بجامعة القاهرة؛ حيث حصل منها سنة 1959م، على درجة الليسانس الممتازة في اللغة العربية وآدابها، بتقدير "جيد جدًّا" مع مرتبة الشرف، وكان ترتيبه الأول على الدفعة بلا منازع، وبدأ دراسة الماجستير في ذات التخصص، بمنحة دراسية من جامعة القاهرة، كأفضل طالب من الطلاب الوافدين، فنال درجة الماجستير بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، في أواخر عام 1962م، ثم بدأ دراسة الدكتوراه، في نفس التخصص وبنفس المنحة؛ حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى سنة 1972م، ثم تعاقد- في نفس السنة- للعمل في التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وبقي فيها إلى أن تقاعد في سنة 2002م.

- بارود والشعر:

بدأ بارود قوله الشعر في مرحلة متقدمة من صباه، حسب ما يذكر د. محمد صيام، ولا نبالغ إذا قلنا إنه قال الشعر في المرحلة الابتدائية من دراسته، وكانت مدرسة فلسطين الثانوية بغزة تعج بالنشاط الأدبي، وكان الأستاذ رامز فاخرة- رحمه الله- مدرسنا للغة العربية، فكان يعقد لنا ندوة شعرية دورية، ليشجعنا على قول الشعر، وكان عبد الرحمن بارود، يحوز قصب السبق دائمًا.

ولقد تأثر بارود بقضية بلاده فلسطين أيَّما تأثر، وتفاعل معها أيَّما تفاعل، وآمن بأن الطريق لاستعادة الوطن السليب لا يكون إلاَّ بالعودة إلى الإسلام، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها، فالتزم الإسلام عقيدة وسلوكًا ومنهجًا للحياة، وقد ظهر ذلك جليًّا في أشعاره، وبرز واضحًا فيما يُستقى من صوره وأفكاره، وقد جرَّ هذا المسلك عليه متاعب جمَّة، ليس هنا مجال الحديث عنها.

ويقول الأستاذ عبد الرحمن عبد الله العَمَصِّي موجه التربية الإسلامية بدولة الإمارات بأنه سيرى من يقرأ شعر بارود من النقاد والمثقفين ومن الطلاب والدارسين أنهم أمام أمير من أمراء الشعر، كما كان أساتذته في الجامعة يشهدون بذلك، وسيجدون أن شعره الجهادي الراقي- الذي لم يُطبع في ديوان حتى اليوم- يجلّي مكانه فارسًا من فرسان الشعر الفلسطيني المقاوم بحق.

- وعن نفسه يقول بارود:

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وأصحابه ومن والاه.. وبعد:

فقد ورثت عن والدي (أحمد جبريل بارود) رحمه الله العاطفة الجياشة التي هي ينبوع الشعر، وقد غمرني بحبه وكان هو أميًّا وصوفيًّا.

وقريتي (بيت داراس) قريبة من (عسقلان) من لواء (غزة) بجناتها وخيراتها رائعة الجمال، ولا تزال منطبعة على قلبي، ولا أزال إلى يومنا هذا أراها في منامي عامرة بأهلها الكرام مع أني منذ عهد بعيد أطلال دارسة.

 

 

 

المرحلة الأولى من حياتي عشتها في تلك الجنة من جنات فلسطين، وهي أحد عشر عامًا، وكانت في ظل الاستعمار، فحوْلَنا مطار عسكري إنجليزي ومستعمرة (بير طوفيا) الصهيونية، ومعسكر (خسة) الإنجليزي، وإلى الغرب معسكر (٦٩) الإنجليزي وبجواره إلى الغرب (معسكر أبو جهم) الإنجليزي، ومستعمرة (نتسانيم) اليهودية وإلى الجنوب الشرقي (معسكر جولس) الإنجليزي، درست في القرية حتى منتصف الصف الخامس الابتدائي وقُبيل هجرتنا تعاون أهل القرية على بناء مدرسة جديدة جميلة حتى الصف السادس الابتدائي وقد نسفها اليهود، وقد رأيتها وهي منسوفة باكية وكتبها مبعثرة بين الأنقاض وقد أخذت أحدها وأظنه لتوفيق الحكيم، ولم أنظم في تلك المرحلة شعرًا.

أما هجرتنا من الوطن ورحيلنا وتشردنا فقد بدأت في الشهر الثالث أو الرابع من عام ١٩٤٨م بعد معركتين كبيرتين، وكان ذلك قبل مجيء الجيش المصري، وقصة هجرتنا ملأى بالأهوال والعذاب.

أما مجموعته الشعرية الكاملة، والتي نشرتها مؤسسة فلسطين للثقافة مطلع العام 2010م، فتقع في 383 صفحة، وتشتمل على مقدمة بقلم الشاعر، وتوطئة كتبها المدير العام لمؤسسة فلسطين للثقافة د. أسامة الأشقر، وتقديم بقلم رئيس رابطة علماء فلسطين في اليمن د. محمد الشيخ صيام، إضافة إلى مقدمة أخرى بقلم موجه التربية الإسلامية بدولة الإمارات عبد الرحمن الغمصي، إلى جانب صفحات عن بلدة بيت داراس بقلم د. بارود، و107 قصائد وملحق صور نادرة.

وفي ذلك تحدَّث د. أسامة الأشقر في افتتاحية الإصدار قائلاً: "يحق لنا القول هاهنا إن الشاعر عبد الرحمن بارود ظلم نفسه من حيث أراد إرضاءها بتأخير تقديم فنه وأدبه للنخب الثقافية والجمهور الشاعر".

وأشار إلى أن محيطه الشعري كان محدودًا مقصورًا على جملة من أصدقائه وإخوانه في دائرة علاقاته، بل إن كثيرًا مما نُشر في شبكة الانترنت وبعض الدواوين المحتوية على بعض قصائده كان الفضل في نشرها لهؤلاء بإصرارهم.

- بارود وجماعة الإخوان:

يعتبر الدكتور عبد الرحمن بارود أحد مؤسسي دعوة الإخوان المسلمين بفلسطين؛ حيث تعرَّف على الدعوة أثناء دراسته في القاهرة، وبعد عودته إلى بلاده عمل على نشر هذه الدعوة.

وقد تمَّ اعتقال بارود في محنة 1965م خلال إعداده رسالة الدكتوراه، وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، بتهمة جمع تبرعات لمساعدة عوائل الإخوان المسلمين، ولنشاطه البارز في صفوف الإخوان.

وتزوَّج بعد خروجه من المعتقل بالسيدة نادية عبد المجيد عبد السميع أخت الأستاذ أحمد عبد المجيد عبد السميع أحد قادة تنظيم 1965م.

- قالوا عنه:

 

ا

وصف قائد حركة حماس إسماعيل هنية الدكتور الشاعر عبد الرحمن بارود، بأنه "مجاهد قاتل بالكلمة والموقف والشعر والقصيدة الجهادية لنصرة إخوانه في فلسطين ونصرة للمقاومة الفلسطينية".

وقال الدكتور أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي: إن الدكتور عبد الرحمن بارود من الرجال القلائل، الرجال الذين وهبوا أنفسهم لله سبحانه وتعالى هذا الرجل العالم والرباني المفكر والكاتب والأديب والشاعر، لقد كان هذا الرجل بحق أمة، كان يحمل همَّ الوطن وخاصة يحمل همَّ فلسطين، لقد سُجن وعُذب في السجون المصرية، ثم بعدها رحل إلى هناك في جدة، وأمضى عمره في المملكة العربية السعودية، لقد تمنى هذا الرجل أن يكون في فلسطين، وتمنى أن يعيش بين أهله وأن يجاهد ويحمل السلاح لتحرير فلسطين، ولكنه بأشعاره وبكلماته النورية جعل الطريق مفتوحًا أمام الأجيال، لقد زرناه في آخر مرة في الحج ورأيناه معطاءً وكريمًا، كلما جلسنا بجانبه يسأل عن المجاهدين و"التشريعي" والحكومة والشعب الفلسطيني، فقلبه معلق بفلسطين وبيت المقدس، ورسم ذلك بقلمه وفكره ليكون طريقًا للأجيال، ونحن نتقدم بالتعزية للأمة العربية والإسلامية لفقده، وإلى اللقاء يا أخي أبا حذيفة وسلام عليكم.

ووصف الدكتور محمود الزهار القيادي في حركة حماس عبد الرحمن بارود بأنه شخصية فلسطينية إسلامية عالمية، عرفها الناس بما قدمته من إبداعات فكرية ومن قصائد وطنية للشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي، وهو شخصية محترمة يقدرها الشعب الفلسطيني، وأعتقد أنه علم من أعلام فلسطين والشعر الفلسطيني والمقاوم.

- نماذج من شعره:

ترك الدكتور عبد الرحمن بارود عددًا لا حصر له من القصائد الشعرية، والتي تظهر هوية الشاعر واهتماماته بقضايا الأمة مثل قصيدة أطلق يدي والتي يقول فيها:

أدِمـاءُ مَسْجِدِنَا الأقصى دِماؤكمُ                   هـذا دمٌ واحـدٌ فِي التوأمينِ جَرى

أَرُوْمَةٌ عَقَدَ الـرحمنُ عُقْدَتَـها                    فَلمْ تَـزِدْهَا الليـاليْ غَيْرَ شَـدِّ عُرَى

وحَرَّرَ القُدْسَ مِنْ بِيزَنْطةٍ أَسَدٌ                       مِنْ مَكَّةٍ لَـو رآهُ اللَّيثُ لانْجَحَـرَا

أَهْـوى على القُوَّتَيْنِ العُظْمَيَيْنِ فَمَا                   أَبْقَى لَهمْ بَعْدَهَا عَيْنَــًا وَلا أَثَــرَا

طَالَتْ لَيـالِيْ فلسـطينٍ بلا عَـدَدٍ                  كأنَّ فَجْــرَ فلســـطينٍ بها قُـبِرا

مِنْ بَـازلٍ قذفـوا في القدسِ قُنْبُـلَةً               وَلا يَـزَالُ حَرِيــقُ القدسِ مُسْـتَعِرَا

عَبدُ الحميـدِ وَمهمـا قَالَ شَـانِئُه                  مَا خَـانَ يَومًا فلسـطينًا ولا غَـدَرَا

لاقَى هِرِتْــزِلُ سُــلطانًا يموتُ                   ولا يبيــعُ أَنْمُلَةً مِنْهَــا وَلا ظُفُـرَا

 

ويقول في الشهيد أحمد ياسين:

أخي يا ابنَ ياسينَ يا أحمدُ                    لكَ اللهُ والجنةُ الموعدُ

حمائمُ ذي العرشِ لا مَاؤهَا                    يغيضُ ولا زادُها يَنفدُ

صراطُ النبيينَ والمرسلينَ                     ومَن عُذِّبوا ومَن استشِهُدوا

مع اللهِ نَبقَى وبالله نُلقِي                        ونرمِي وكلُّ الأيادي يَدُ

تفتحُ تحتَ الظلامِ الورودَ                      ويلمعُ خلفَ الجبالِ الغَدُ

 

وليس ذلك فحسب، فكتب عن العالم الإسلامي وفلسطين وسراييفوا الشهيدة.

------------

للمزيد:

(1) أحمد عبد المجيد: الإخوان وعبد الناصر، القصة الكاملة لتنظيم 1965م، كتاب المختار، الطبعة الثالثة، 1427هـ، 2006م.

(2) حوار شخصي مع الأستاذ أحمد عبد المجيد عبد السميع يوم 25/7/2007م.

(3) محمد الصروي: الإخوان المسلمون ومحنة 1965م... الزلزال والصحوة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004م.

(4) موقع الشاعر عبد الرحمن بارود.