التضحية ركن من أركان دعوتنا العشرة، وقد بينها الإمام البنا فقال: أريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حسنًا)، وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم: (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).

هكذا عرف الإمام المؤسس رحمه الله ركن التضحية. وهكذا يجب على صاحب الدعوة أن يفهم دعوته ومتطلباتها، ويفهم أركان دعوته وأسسها، وهكذا تحتل التضحية مكانها اللائق المؤثر والمؤسس فى كل الدعوات، فالتضحية بذل كل شئ فى سبيل الغاية، ولا نتصور غايتنا أقل أو أصغر من تلك القيمة العالية التى تستحق أن يتنازل المؤمن عن كل شئ ليحققها، فغايتنا أسمى الغايات وأغلاها وأعلاها، وما من قلب امتلأ بحب دعوته، وآمن بسموها، وشغف بالوصول إلى منتهاها إلا استهان بكل ما فى الحياة، بل استهان بالحياة نفسها فى سبيل دينه ودعوته.

وليس فى الدنيا جهاد بلا تضحية، ولا يتحقق الهدف الكبير بالصغير من الهمم، ولا بالقليل من الجهد، ولن يكون مجاهدًا حقًا ذلك الذى يأكل ملأ ماضغيه ويضحك ملأ شدقيه، وينازع أهل الدنيا شهواتهم وملذاتهم، ولن يكون مجاهدًا حقًا ذلك الذى لا يملك نفسه، ولا يتحكم فيها أو يسيطر عليها، تلك السيطرة التى تجعله صانعًا بها ما لا يستطيعه غيره، فحياة الدعاة المؤمنين جهاد كلها، جهاد فى كل ناحية، وصراع مع كل قوى الشر، فلابد من التضحية، ولا بد من استمراها، ولا بد من كفايتها لحاجة المجاهد ومتطلبات الدعوة.

وأنواع التضحية هى نفسها مختلف أنواع ما يملك الإنسان، وعلى تعدد ما يملكه وما يستطيعه تكون فرص التضحية وصورها عنده، فالتضحية بالنفس والمال والوقت والجهد واللسان والقلم والسعى والكف والكلام والصمت، والمقتنيات المادية، والحقوق المعنوية، وكل شئ فى هذه الحياة. هكذا ضحى السابقون، ضحوا بمختلف أنواع التضحية. وعلى قدر المضحَى به يرجى الأجر والقرب من الله، فمن ضحى بولده الذى جاءه على الكبر كان خليل الرحمن، ومن ضحى بألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو إلى الله كان عبدًا شكورًا، ومن ضحى بكل عمره صابرًا محتسبًا مربيًا ناصحًا لقومه كان كليم الله، ومن ضرب المثل الأعلى فى التضحية بكل شئ فى سبيل الله كان سيد بنى آدم خاتم الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعهم صلوات الله وسلامه.

وهكذا تتسع التضحية لتشمل تضحيتك برأيك، وربما كان الرأى أعز ما يملك الإنسان، وربما كان التنازل عنه أقسى من مفارقة المال، ومن مفارقة المناصب والشهوات، ربما يكون كذلك، وحينها يعظم الأجر، وربما لمثل هذا ذكر الله فى صفات المؤمنين {وأمرهم شورى بينهم} ففى نظام الشورى تتجلى التضحية بالرأى ناصعة براقة، فلا رأى لفرد بعد الشورى، بل هو الرأى الذى انتهت إليه الشورى مهما كان مخالفًا أو على العكس من رأى الفرد. 

وتتجلى فى الشورى سخاء النفوس، وتواضعها، واحترامها للجماعة وما اجتمعوا عليه، يتجلى فيها عظمة الفرد ودماثة خلقة، وسماحته، وعظيم شجاعته، حين ينصاع طائعًا محبًا لأمر الله، متعبدًا باتباع ما أمر، مستنا بسنة النبى العظيم وصحابته الكرام، فيؤثر حظ دينه ودعوته على حظ نفسه، ويعلى من شأن مصلحة الدعوة ونظامها على الانتصار لنفسه، والتشبث برأيه، وقد يكون رأيه هو الأصوب بعد التجربة، ولا شك أن رأيه هو الأصوب فى نظره وعقله وحساباته قبلها، لكنه الإيمان، وحب الدعوة، وإيثار ما عند الله، إنه الإيمان القادر المؤثر الفاعل المسيطر، الذى تخضع له النفوس، وتسعد به القلوب.

وفى غير الشورى من مختلف مواقف الحياة، قد تكون هذه التضحية هي الحل السحرى لمعضلات المشكلات، وسد أبواب الفتن، وتوفير الطاقات وتوحيد الصفوف، وإهدار جهود الشياطين وتخييب مساعيهم، قد تكون التضحية بالرأي في وقت ما- أعظم الجهاد وأرجاه، حين يتحقق بها ما لا يتحقق بغيرها، وقد يتحقق بها قوة لصفوف المؤمنين لا تتأتى بغيرها، وقد توفر عليهم سنوات من الجهد، وما لا يحصى من الأموال والعتاد، قد تكون التضحية بالرأي هى كلمة السر التى تحرك الجبال ويتغير على أثرها الحال.      

ما أحوجنا اليوم -لا سيما اليوم- للتضحية بآرائنا ورؤانا، إعلاءً لمصلحة الدعوة، وسدًا للثغرات، وإنقاذًا لما يمكن إنقاذه.