د. أشرف دوابة

شهدت تركيا يوم الجمعة الماضي تشييع جنازة الشيخ محمود أفندي، زعيم جماعة إسماعيل آغا الصوفية النقشبندية، عن عمر ناهز 93 عاماً. وقد كانت جنازته بحق مليونية، تقدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكانت كذلك انعكاسا لحب ومكانة هذا الرجل ودوره الدعوي نظريا وعمليا داخل تركيا وخارجها، وقدرته الفائقة على استدامة التمويل لتحقيق أغراضه الدعوية بصورة تجمع بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة.

وقد ولد محمود أسطى عثمان، وشهرته محمود أفندي، في قرية شافانلي القريبة من طرابزون، شمال شرق تركيا، عام 1929م، وتتلمذ على يدي والده "علي أفندي" الذي كان إماما لجامع قريته ووالدته "فاطمة هانم" التي كانت أيضا مهتمة بالعلوم الإسلامية. وأتم حفظ القرآن الكريم في السادسة من عمره، وفي محراب العلم أيضا تعلم اللغتين العربية والفارسية، والنحو والصرف وعلوم القرآن والفقه وأصوله والحديث والتفسير والبلاغة وغيرها.

وتعتبر نقطة انطلاقته الدعوية بعد إتمامه الخدمة العسكرية في عام 1952م ولقائه بالشيخ علي حيدر أفندي؛ الذي دعاه لتولي الإمامة في جامع إسماعيل آغا بمنطقة الفاتح في إسطنبول، والذي بقي في إمامته منذ عام 1954م إلى أن تقاعد في عمر الـ65 في عام 1996م.

وقد خلف الشيخُ محمود أفندي الشيخَ علي حيدر في قيادة الطريقة النقشبندية، ومنذ توليه المسئولية لهذه الجماعة الصوفية عمل على تنظيم صفوفها وترتيب كوادرها للعمل على مد جذورها في كل أنحاء تركيا، وعمل على توفير التمويل اللازم لها للقيام بأعمالها الخيرية وأهدافها الدعوية، من خلال الوقف الذي فيه يتم حبس الأصل وتسبيل الثمرة. وبذلك حوُل هذا الشيخ الجليل الدعوة إلى سلوك على أرض الواقع، ووفر لها التمويل بصورة علمية رشيدة لاستمراريتها، وهو ما يعد نموذجا حيا لمن يريد الاستمرارية في دعوته حتى بعد مماته، من خلال الصدقة الجارية بالوقف ومصارفه الوقفية.

وكان من نتيجة ذلك أن أخذت دعوته في الانتشار بصورة كبيرة لتصبح جماعته أكبر الجماعات الإسلامية في تركيا، بفضل الله ثم التخطيط المالي والإداري، حيث عمل على الاستفادة من ريع أوقاف الجماعة في إسطنبول وطرابزون وغيرها من المدن التركية، وتوجيهها نحو مصارف وقفية متعدة من أهمها التعليم، حيث يلتحق الطالب لديهم بمراحل تعليمية ضمن بيئة خاصة تحقق له الجانب العلمي والتربوي، وتتم كفالة الطالب مأكلا ومشربا وملبسا حتى يُتم دراسته، بل وتعيينه في تلك المدارس الدينية التي لا تقتصر على الذكور فقط، بل تشمل الإناث أيضا دون اختلاط يذكر. ولم يقتصر هذا الأمر على تركيا، بل امتد ليشمل إنشاء عشرات المدارس في أكثر من 40 دولة في أفريقيا وآسيا والبلقان.

كما أنه من التفكير الاقتصادي الواعي للشيخ محمود أفندي أنه جعل المنافع الاقتصادية مقدمة داخل جماعته بين أفرادها ومن يحملون الفكر الإسلامي، مما يسهم في رواج النشاط الصناعي والتجاري والخدمي للمسلمين، فهم لا يشترون سلعهم وخدماتهم من أصحاب الأفكار العلمانية المعادية للإسلام، بل إنهم يشترون سلعهم وخدماتهم من الشركات والمتاجر التي يحمل أصحابها التزاما بالإسلام أو المقربين لجماعتهم، حتى لو كان المنتج أقل جودة وأغلى ثمناً، وهو ما ساهم في الوقت نفسه في سعي أصحاب هذه الشركات والمتاجر لتحسين جودة منتجاتهم وتحقيق ميزة تنافسية في أسعارهم.

كما بدا واضحا دور جماعة محمود أفندي في أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، حيث عملت الجماعة على استضافتهم وتأمين حاجياتهم الأساسية من مطعم ومأكل وملبس ومسكن، خاصة في بداية النزوح لتركيا، وأعدت لهم العديد من الأوقاف للاستضافة لحين بحثهم عن منازل يسكنون فيها بأنفسهم، كما كان أفراد هذه الجماعة بصدورهم العارية في مقدمة الصفوف في مواجهة محاولة انقلاب العسكر الفاشلة في عام 2016م.

إن موت العلماء مصيبة كبرى، فالله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن ما يخفف ذلك هو ما يتركه العلماء من آثار على أرض الواقع من علم نافع، وبناء إنسان صالح، وتوفير ديمومة مالية لبناء هذا الإنسان من خلال الوقف الذي به نهضت الأمة وارتفع شأنها، ولم يترك مجالا من مجالات الحياة إلا ودخل فيها ودعمها، فامتدت منافعه لكل ما يعتمد عليه الناس في معيشتهم من احتياجات دينية، وعلمية، وثقافية، وصحية، وإنسانية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وخدمية. فلتستفد الحركات الإسلامية من نموذج جماعة محمود أفندي في تنظيمها وتمويلها، وصوفيتها المعتدلة القائمة على تزكية النفس وعدم إهمال الجهاد وقت وجوبه، قدوة بمن يستلهمون منه ذلك، وهو العالم المجاهد آق شمس الدين، شيخ السلطان محمد الفاتح.

رحم الله الشيخ محمود أفندي وتقبله في الصالحين وجعل أثر عمله ممتدا إلى يوم الدين، وخالص العزاء للشعب التركي وأمة الإسلام في وفاة هذا العالم الجليل.

 

twitter.com/drdawaba