ننقل بتصرف كلام العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في الحديث عن أولويات الحركة الإسلامية  فيقول:

الحوار الديني (الإسلامي المسيحي)

ليكن هناك حوار ديني بين الإسلام والمسيحية، يهدف إلى عدة أمور:

1- الوقوف في وجه تيار الإلحاد والمادية، الذي يعادي كل الرسالات السماوية، ويسخر من الإيمان بالغيب، ولا يؤمن بألوهية ولا نبوة ولا جزاء، ولا قيم روحية. وكذلك تيار الإباحية والانحلال الخلقي، الذي يكاد يدمر خصائص الإنسانية وفضائلها التي كسبتها من هداية النبوات.

2- تأكيد نقاط الاتفاق بين الدينين، التي أشار إليها القرآن في قوله في جدال أهل الكتاب: (وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون) (العنكبوت: 46).

3- تنقية العلاقات من رواسب الروح العِدائية التي خلفتها الحروب الصليبية قديما والاستعمارية حديثا، وإشاعة معاني الإخاء والإنسانية والمرحمة، وفتح صفحة جديدة لعلاقات أنقى وأصفى، ومن مظاهر ذلك: أن تكف الكنيسة عن تأييد النصارى ضد المسلمين في كل معركة تقوم بين الطرفين، كما حدث في جنوب السودان والفلبين، وغيرهما، بل إنها قد تؤيد الشيوعيين والوثنيين ضد المسلمين.

وأنا أعلم أن كثيرا من الإسلاميين سيئو الظن بكل حوار من هذا النوع؛ لاعتقادهم أنه حوار مشبوه، وأن وراءه أيديا خفية تحركه وتستثمره لأهداف خاصة، وأن المسلمين هم الطرف الضعيف الذي يستخدمه الطرف القوي، وهو لا يشعر. ولهذا يغدو كل من يشارك في مثل هذا الحوار موضع تهمة عندهم، فهو إما مستغفل أو عميل!

ورأيي أن هذا التطير لا داعي له، وما قالوه يمكن أن يكون صحيحا، ولكنه ليس بلازم دائما، ولماذا نفقد الثقة بأنفسنا إلى هذا الحد؟ لماذا نعتبر أنفسنا الطرف الضعيف، ونحن أقوياء بما عندنا؟ ولماذا نعتبر كل محاور لهؤلاء مفرطا في حق عقيدته، مستسلما للطرف الآخر؟

إن المهم أن ندخل الحوار ونحن واقفون على أرض صلبة، واثقين من أنفسنا، وممن يتكلمون باسمنا، مؤمنين بأن الحوار أوْلَى من الشجار ومن الفرار.

والواقع أن الحوار من وسائل الدعوة التي بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسائله التاريخية إلى هرقل والمقوقس والنجاشي، وغيرهم من قادة أهل الكتاب، والتي ختمها بالآية الكريمة: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (آل عمران: 64).

والواقع أنه وقع شيء من هذا الحوار، وكان له نتائج إيجابية، كما حدثني بذلك الأستاذ محمد المبارك رحمه الله.

فقد تم بين وفد من رابطة العالم الإسلامي على رأسه الأمين العام للرابطة في ذلك الوقت الشيخ محمد الحركان ـ رحمه الله ـ وفيه الدكتور معروف الدواليبي، والأستاذ المبارك… وممثلين للفاتيكان، وكان ذلك هناك في روما.

كان من ثمرات ذلك تحسين صورة كل طرف لدى الطرف الآخر، وخصوصا صورة الإسلام المشوه ظلما وزورا، وانعكاس ذلك على العلاقات الإسلامية المسيحية في بعض الفترات.

كما تم هذا في ليبيا بين عدد من مفكري المسلمين وآخر من كبار رجال الكنيسة، وكان له أثره الحسن، كما حدثني بذلك الأخ الدكتور عز الدين إبراهيم، أحد المشاركين الأساسيين في هذا الحوار.

وقد اطلعت على بحثه الذي شارك به، فوجدته غاية في الاتزان والإحكام والاعتدال الذي لا غلو فيه ولا تفريط.

الحوار الفكري (مع المستشرقين)

ولا بد من هذا الحوار الديني للغرب، من حوار آخر متمم له، وهو الحوار الفكري. أعني مع المستشرقين والكتاب الغربيين المعنيين بالدراسات المتعلقة بالإسلام: رسوله وقرآنه، عقيدته وشريعته، حضارته وتاريخه، علومه وآدابه، أممه وشعوبه، حاضره ومستقبله، وخصوصا الذين يهتمون باتجاهات الفكر، وحركات البعث والإحياء الحديثة، وانطلاقات الصحوة المعاصرة.

وهذا الحوار ضروري، لتصحيح الفكرة، وتقريب الثقة، وتنقية الأجواء، وتمهيد الأرض لعلاقات أفضل.

وإذا تحقق الحوار مع رجال الدين، وممثلي الكنيسة ـ وهم الأكثر تعصبا بحكم مواقعهم ومواريثهم الثقافية الممتدة في التاريخ ـ فالحوار مع المستشرقين وأهل الفكر أقرب نفعا، وأيسر سبيلا. وإن كان هناك كثيرون يقولون: لا فرق بين رجال الدين ورجال الفكر في الغرب، وبعبارة أخرى: بين المبشرين والمستشرقين، إلا أن الأولين يلبسون مسوح الدين، والآخرون يلبس أردية العلم. وهما وجهان لعملة واحدة!

على كل حال، الحوار ليس بمستحيل إذا صحت العزائم، وحدد الهدف، واتضح الطريق.

ويمكن للجامعات والمجامع العلمية، ومنتديات الفكر، أخذ زمام المبادرة والجمع بين ممثلين للفريقين للبحث في موضوعات معينة، ينبغي حسمها في مناخ علمي موضوعي بعيد عن التحيز والاستفزاز.

ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن المستشرقين ليسوا في درجة واحدة من حيث موقفهم من الإسلام وأمته وصحوته.

وقد كتبت مؤلفات عن المستشرقين مثل كتاب الأستاذ العقيقي، وكتب في الرد عليهم، وكتب في الدفاع عنهم. ورسائل في تصنيفهم، مثل رسالة أستاذنا الدكتور محمد البهي ـ رحمه الله ـ عن (المستشرقين ومواقفهم من الإسلام).

وأنا لا أنكر أن هناك نقاط ضعف تكاد تكون مشتركة بين أكثر المستشرقين وهي:

أولا: عدم تمكنهم من اللغة العربية، وتذوقهم لها، وتفهمهم لدلالتها المتنوعة، وهذا لا بد أن يكون له انعكاسه على مدى فهمهم للمصادر الإسلامية الأصيلة، وخصوصا القرآن العزيز، والسنة المشرفة، ولهذا كان فهمهم للإسلام ورسالته مشوشا ومنقوصا.

ثانيا: عقدة تفوق الإنسان الغربي، والعقل الغربي، والحضارة الغربية، والنظر إلى الغرب أنه سيد العالم، وأن أوروبا أم الدنيا، وأن التاريخ من الغرب بدأ، وإليه يعود.

ثالثا: الانطلاق من مسلمات غير قابلة للامتحان عند الإنسان الغربي، وهي أن القرآن ليس كلام الله، وأن محمدا ليس رسول الله، فهو قد كون فكرته مقدما قبل أن يبحث، ثم هو يسعى في بحثه للاستدلال عليها بكل ما يمكنه، وفي سبيل هذا يقبل الواهيات من الروايات، ويدق الأكاذيب، ويضخم الوقائع الصغيرة، ويجعل من الحبة قبة، ومن الشبهة حجة، ويستدل بما ليس بدليل، ويرفض ما يخالف وجهته وإن كان في وضوح الشمس.

رابعا: أن دراسات المستشرقين كثيرا ما تكون موجهة لخدمة أهداف عملية، مطلوبة منها لهذه الدولة أو تلك. وكثيرا ما ترصد الملايين لتحقيق هذه البحوث، وهذا ما يجعل هذه الدراسات غير مبرأة من الغرض.

ومع هذا يظل للحوار مجاله في الكثير من القضايا، ومع عدد من الأحرار يتزايد يوما بعد يوم، ويتخلص من العقد القديمة، والمؤثرات الحديثة.

ومن الواجب عندما نريد أن نبدأ هذا الحوار: أن نتخير أقرب هؤلاء إلى الاعتدال والإنصاف، من مختلف الجنسيات. مثل الأستاذ جاك بيرك، الذي دعي إلى قطر عدة مرات: من الجامعة، ومن (نادي الجسرة) الثقافي.

والذي نلمسه مما يترجم لنا من إنتاج المستشرقين المعاصرين أن مستشرقي اليوم أعدل من مستشرقي الأمس، وأبعد عن الغلو والتعصب، وبخاصة أن المسلمين غدوا يقرءون ما يكتبون، ويناقشونهم، ويردون عليهم، أما قديما فقد كانوا يكتبون لأنفسهم، أي يكتب بعضهم لبعض فكانت كتاباتهم أشبه بتقارير خاصة لا بموضوعات علمية عامة.